يتم الترويج لسائل ماكينة صنع الضباب المعروف باسم «فروجيز فوج سوامب جوس» على أنه «أفضل ضباب في العالم». يقول مصنِّعوه إنه يُصدِر ضبابًا صناعيًّا طويل الأمد يُستخدَم في المنازل المسكونة بالأشباح، والملاهي الليلية، وحلبات التزحلق على الجليد، ومدن الملاهي، وحتى في أقسام الشرطة والمطافئ، وقد استخدمَتْه كولين فارمر في دراسة طريقة تنفُّس الإيجوانا.

الإيجوانا الخضراء.
الإيجوانا الخضراء.

لقد أدخلَتْ منظارًا داخليًّا — وهو أنبوب به ضوء وكاميرا في نهايته — في أنف هذه السحلية، بينما تركتها تستنشق الدخانَ الصناعيَّ من آلة صنع الضباب. يحتوي هذا الدخان، بالرغم من كونه غير ضار، على جسيمات صغيرة، وتستطيع الكاميرا رصدَ دخول هذه الجسيمات في رئتَيِ الإيجوانا.

تفاجأَتْ فارمر عندما وجدَتْ أنه بصرف النظر عما إذا كانت الإيجوانا تُطلِق شهيقًا أم زفيرًا، فإن هذه الجسيمات تتحرك في اتجاه واحد فقط.

ولفهم السبب في غرابة هذا الأمر، عليك أن تفكِّر في الطريقة التي تعمل بها رئتاكَ. عندما تستنشق الهواءَ فإنك تشفط الهواءَ المنعشَ حتى يدخل الأكسجين داخل دمك، وعندما تُطلِق زفيرًا فإنك تطرد الهواء الفاسد إلى الخارج في الاتجاه نفسه؛ وبهذا يمر الهواء داخل رئتَيْكَ مثل المد والجزر دخولًا وخروجًا.

تعمل رئة الطيور بطريقة مختلفة تمامًا؛ فهي تشبه المُبرِّد وبها أكياس هوائية في طرفَيْها. عندما يستنشق الطائرُ الهواءَ فإنه يدخل إلى أكياس الهواء الخلفية، وعندما يزفر يمر الهواء عبر هذه الرئة التي تشبه المُبرِّد حيث يدخل الأكسجين في الدم. يدفع الاستنشاقُ التالي الهواءَ الفاسد إلى أكياس الهواء الأمامية، وتُخرِجه عملية الزفير التالية خارجَ جسم الطائر. يحتاج الطائر إلى الاستنشاق مرتين حتى تدور أية كمية من الهواء داخل كامل جسمه. الأهم من هذا أنه سواء أكان الطائر يستنشق الهواء أم يخرجه؛ فإن الهواء يتدفَّق في اتجاه واحد فقط عبر رئتَيْه.

اكتُشِف كل هذا في سبعينيات القرن العشرين، وطوال العقود التالية اعتقَدَ علماء الأحياء أن هذا التكوين يقتصر على الطيور فقط. ومن المفترض أن هذا التكوين يساعدها في استخلاص أكبر قدرٍ ممكن من الأكسجين في عمليات تنفُّسها؛ لتحصل على الطاقة اللازمة لنمط حياتها العالي الأوكتين كأحد الكائنات ذات الدم الحار السريعة الطيران.

كتب «مات ويدل» في مدونته: «ثم في عام ٢٠١٠، أذهل كلٌّ من كولين فارمر وكِنت ساندرز — من جامعة يوتا — عقولنا جميعًا، من خلال إظهار أن الهواء يتدفَّق أيضًا في اتجاه واحد داخل رئة التماسيح.» إن التماسيح ليست كائنات ذات دم حار، وهي لا تستطيع الطيران؛ لقد كانَتْ إشارةً قوية إلى أن الرئة ذات الاتجاه الواحد قد تطوَّرت لأسباب تختلف عن التي افترضها الناس. أشار هذا الاكتشاف أيضًا إلى احتمال أن هذا النوع من الرئات ربما تطوَّر لدى السلف المشترك للأركصورات؛ وهي مجموعة الزواحف التي تشمل الطيور والتماسيح وجميع أنواع الديناصورات المنقرضة والتيروصورات.

إلا أن فارمر لم تتوقَّفْ عند هذا الحد؛ ففي العام الماضي أظهَرَ فريقُها أن ثمة سحلية، وهي ورل السافانا، لديها أيضًا رئة أحادية الاتجاه. ومن جديد، تغيَّرَ كل شيء؛ فحيوانات الورل صائدة سريعة تستطيع الانقضاض على فرائس من الثدييات، وربما تكون رئتاها السبب في هذا. إنها لا تنتمي للأركصورات، بل تنتمي لمجموعة مختلفة من الزواحف تُعرَف باسم الليبيدوصوريات، التي تضمُّ جميعَ أنواع الثعابين والسحالي. إذن إما أن تكون الرئةُ الأحادية الاتجاه قد تطوَّرت لدى كلٍّ من الأركصورات والليبيدوصوريات على حدة، وإما أن هذا التكوين كان موجودًا لدى سلفهما المشترك؛ ومن ثَمَّ يكون أقدم مما يتصوَّره أيُّ شخص.

يُعِيدنا هذا إلى الإيجوانا وسائلِ صنع الضباب «فروجيز فوج سوامب جوس»؛ فعقب الاكتشاف المتعلِّق بسحلية الورل أرادَتْ فارمر دراسةَ نوعٍ آخَر من الليبيدوصوريات لا يتمتَّع بنمط الحياة النَّشِط نفسه، وكانت الإيجوانا الخضراءُ الشائعةُ الاختيارَ المثالي؛ فهي تستطيع فعليًّا الركضَ أسرع من الورل، لكن يمنع التواءٌ تشريحيٌّ غريب تدفُّقَ الدم إلى أرجلها عندما تحاول فعل هذا، فيتحتم عليها الوقوفُ على الفور بسبب تراكم كمٍّ كبيرٍ من حمض اللاكتيك لديها، وهي لا تتمتع بقدرة على الاحتمال.

كذلك فإن تركيب رئتيها بسيط على نحوٍ لا يُصدَّق؛ فلا توجد لديها أكياس معقَّدة ولا مبرِّدات مثل الطيور أو التماسيح أو الورل؛ فتتكوَّن كلُّ رئة من حجرتين فقط، يدخل الهواء إلى كلٍّ منها ويتركهما عبر فتحة واحدة. وبعيدًا عن هذه الفتحات، فإن هذه الحجرات محكمة الغلق تمامًا، ولا توجد جسور تربط بينها. أثبَتَ فريق فارمر — الذي يضم روبرت شياري وإيما شاكنر — هذا من خلال ضخِّ هواء داخل الحجرة الأمامية لرئةٍ أُزِيلت جراحيًّا، مع غلق الثقب باستخدام عصارة الأشجار، بعد هذا وضعوا الرئةَ تحت الماء وحاولوا عَصْرَها لإدخال الهواء في الحجرة الخلفية، فلم يتمكَّنوا.

تقول فارمر: «لا يمكن لأحدٍ عاقل أن يفكِّر بأن ثمة تدفُّقًا أحادي الاتجاه في هاتين الرئتين. فإذا كنتَ مهندسًا وحاولتَ صنْعَ جهازٍ يكون التدفُّقُ فيه أحادي الاتجاه، فلن تفكِّر في مثل هذا التكوين أبدًا.» ومع هذا فإن التدفُّقَ الأحادي الاتجاه كان بالضبط ما اكتشفه فريقها.

لقد درسوا الإيجوانا باستخدام أساليب متعددة؛ فقد راقبوا دخانًا صناعيًّا وهو يتنقَّل داخلَ رئتَيْ هذه السحالي وهي تتنفس على نحو طبيعي، وزرعوا أجهزةً لقياس تدفُّقِ الهواء داخلها، وضخُّوا ماءً مليئًا بحبوب اللقاح في رئتَيْنِ أُزِيلَتَا جراحيًّا، وراقبوا تدفُّقَ الجسيمات خلالهما. كما صمَّمَ زميلُهم برنت كريفن نموذجًا حاسوبيًّا يحفِّز تدفُّقَ الهواء عبر رئتين افتراضيتين لإيجوانا.

أعطَتْ جميع هذه الأساليب النتائجَ نفسها؛ فالهواء يدخل كلَّ حجرة بسرعة عالية ويندفع مباشَرةً للخلف، بعد هذا يبعد عنها ويذهب إلى الجانب متعانقًا مع جدران الحجرة مع تحرُّكه عائدًا إلى الأمام. في نهاية الأمر يخرج من الحجرة عبر الثقب نفسه الذي دخل منه، ويعني هذا أن الجزء الأوسط في كل حجرة يتناوب عليه الهواء؛ أي يدخله ويخرج منه مع تنفُّسِ الحيوان، لكن على طول جدران الحجرة يتحرَّكُ الهواء فقط في اتجاهٍ واحدٍ من الخلف للأمام. وتوجد هذه الجدران في أماكن تواجُدِ الأوعية الدموية؛ إنها الأماكن التي ينتقل عبرها الأكسجين من الرئتين إلى مجرى الدم.

إذن فحتى إذا كانَتْ رئةُ الإيجوانا بسيطةَ التكوين على نحوٍ لا يُصدَّق، فإنها تحقِّقُ النتائجَ نفسها لرئة الصقر أو التمساح أو تنين كومودو؛ ففي كلِّ جزءٍ من دورة تنفُّسها يحصُل الدم على تدفُّقٍ ثابتٍ من الأكسجين النقي.

تقول فارمر: «لا يستطيع أحد أن يقول إن هذا يمكِّنُ الإيجوانا من أن تصبح بطلًا في القدرة على الاحتمال.» بدلًا من هذا تعتقد فارمر أن هذه الرئة الأحادية الاتجاه قد تطوَّرت لأنها تسمح لحاملها بحبس أنفاسه لفترات أطول، وتكون هذه القدرة مفيدة على وجه الخصوص للحيوانات التي تختبئ من المفترسات باستخدام أسلوب التمويه؛ فأية حركة قد تكشف مكانها، والتنفُّس يجعلها تتحرَّك. أما إذا حبس الحيوانُ أنفاسَه، فإن قلبه النابض يمكنه الاستمرار في دفع الهواء عبر رئته أحادية الاتجاه؛ مما يسمح له باستخلاص أكبر قدر ممكن من الأكسجين.

ربما كانت الرئات البدائية الأحادية الاتجاه تعمل تمامًا مثل رئة الإيجوانا، وربما تمكَّنَ حاملوها من تعزيز هذا التركيب البسيط عن طريق إضافة جدران تقسيم في الجزء الأوسط من الرئة حيث يتدفَّقُ الهواء دخولًا وخروجًا. حاليًّا أصبحَتْ توجد سلسلةٌ من الأكياس المتصلة بدلًا من حجرة بسيطة، كما هو الحال لدى الطيور والتماسيح. وقد سمحت هذه الرئات الأكثر كفاءةً لبعض الأصناف، مثل الطيور وحيوانات الورل، بالتمتُّع بحياة أكثر نشاطًا.

تقول فارمر: «نحن نتوقَّع رؤيةَ تدفُّقٍ أحادي الاتجاه أكثر تطوُّرًا لدى الأنواع التي تعتمد بكثرة على التخفِّي في حين لا تهتم الحيوانات السامة بالأمر.» إنها تخطِّط لاختبار هذه الفكرة من خلال دراسة رئات المزيد من الزواحف؛ على سبيل المثال، تعتمد الحرباء على التمويه ولديها رئتان ضخمتان، فهل هذه الأعضاء بها تدفُّقٌ أحادي الاتجاه؟ تريد فارمر معرفة هذا.

لكنها تضع عينَيْها على هدف مختلف هو: الطُّراطرة. يعيش هذا النوع من الزواحف في نيوزيلندا ويشبه السحلية، لكنه ليس سحلية، إنما هو الناجي الوحيد من مجموعة كبيرة منقرضة من الليبيدوصوريات، تختلف عن الثعابين والسحالي. يمتلك هذا الحيوان أيضًا رئةً أحادية الاتجاه؛ مما يدعم فعليًّا افتراضَ أن هذا التركيب كان موجودًا لدى سلف جميع الزواحف التي تعيش حاليًّا.

What Disco Fog Taught Us about Iguana Lungs by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. November 20, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.