بين الصهيونية والشيوعية تحالف ظاهر في هذه الأيام على الخصوص، وعندنا أنه تحالف طبيعي لا غرابة فيه، ولكنه يبدو غريبًا إذا قصرنا النظر على ظواهر الأحوال.

فكثير من أصحاب الملايين الصهيونيين يؤيدون الشيوعية، وينشرون الدعوة لها، ويجتهدون في خدمتها مع أن الشيوعية، كما يقولون تحارب رءوس الأموال.

وكثير من الشيوعيين يؤيدون الصهيونية ويساعدونها بما يستطيعون داخل فلسطين وخارجها مع أن الصهيونية دعوة دينية، والشيوعية كما هو معلوم مذهب مادي ينكر الأوطان كما ينكر الأديان.

فلا وطن في الشيوعية؛ لأن الوطنية في عرف الشيوعيين خدعة من الطبقة الحاكمة لتسخير الطبقات الأخرى في خدمة مصالحها.

ولا دين في الشيوعية؛ لأن الدين عند الشيوعيين حيلة لتخدير الشعوب، أو هو أفيون الشعوب كما يقولون، ينخدع به الفقراء لينسوا نصيبهم من الدنيا انتظارًا للنعيم في الدار الآخرة.

فالعجب إذن أن يؤيد الشيوعيون حركة تقوم على الوطن وعلى الدين، العجب أن يؤيدوا الصهيونية، وهي دعوة إلى وطن قومي يحتله أبناء دين معين وهم اليهود، ولكنه عجب في الظاهر فقط دون الحقيقة.

أما إذا نظرنا إلى الغاية التي يعمل لها الشيوعيون والصهيونيون فلا عجب فيه على الإطلاق؛ لأن الغاية واحدة في الدعوتين؛ فالشيوعية تدعو إلى إزالة الأديان والأوطان وإنكار كل شيء غير المسائل المادية أو المسائل المالية، ومتى زالت الأديان والأوطان وأصبح الحكم في العالم للمادة وحدها، فالصهيونية هي التي تقبض على زمام العالم، ودولة صهيون هي التي تسود فيه.

وما هي دولة صهيون؟

إن الصهيونية تُنسب إلى قمة صهيون التي كان يقيم فيها الملك داود في بيت المقدس، ويعتقد الصهيونيون أنهم شعب الله المختار، وأن دولة صهيون ستعود مرة أخرى على الأرض لتحكم العالم كله، ويعود الأمر إلى شعب الله المختار فتخضع له جميع الشعوب.

وقد كان كارل ماركس — مؤسس الشيوعية المادية — يهوديًّا ثم تحول إلى الديانة المسيحية ليخفي أغراضه من دعوته إلى مذهبه، وهو في الحقيقة قد عمل في خدمة الصهيونية عملًا لم يعمله قط أحد من دعاة الصهيونية الظاهرين؛ لأن الصهيوني لا يقنع أحدًا غير اليهود، ولا يستطيع أن ينشر الدعوة إلى سيادة اليهود بين أناس لا ينتمون إلى جنس إسرائيل، ولا يدينون بالعقائد اليهودية، ولكن الشيوعي ينشر مذهبه بين جميع الأمم، ومتى انتشر مذهبه قامت دولة صهيون وحدها؛ لأنها لا تجد عائقًا في طريقها بعد زوال الأوطان والأديان وقيام الأمر كله على الماديات.

إن كارل ماركس لم يكن قط رجلًا معروفًا بالرحمة والعطف والمودة في حياته الخاصة أو في حياته العامة.

إن أصحابه أنفسهم كانوا يصفونه بجمود العاطفة وغلبة الكراهية في نفسه على كل شعور.

ومن الخطأ الشائع أنه نشر مذهبه لنصرة الضعفاء والفقراء؛ فالواقع أنه نشر مذهبه لإلغاء العقائد الروحية والمثالية وتفسير التاريخ كله بشيء واحد وهو المال؛ ولذلك سمى مذهبه بالتفسير المادي للتاريخ.

فالتاريخ الإنساني كله — في رأي كارل ماركس — هو تاريخ المال.

والعقائد والأديان والأخلاق والفنون والآداب كل أولئك لا يعتبر في رأيه إلا وسيلة لتغليب مصلحة واحدة، وهي مصلحة القابضين على زمام المال، قد كان المال في أيدي الفرسان، ثم أصبح المال في أيدي التجار وأصحاب الصفقات، ثم أصبح المال في أيدي أصحاب الصناعات أو أصحاب المعاش والشركات الصناعية، ثم يقبض العمال والصناع على زمام المعامل والمصانع فتظهر الشيوعية وتنحصر الطبقات كلها في طبقة واحدة. ومن هنا جاء اهتمامه بالعمال والصناع.

لم يجئ هذا الاهتمام من طريق العدل والإنصاف، وإنما جاء من طريق الإيمان بالمال وحده، أو من طريق الكفر بكل عقيدة غير عقيدة المال.

فالمهم في مذهب — كارل ماركس — هو تغليب المادة على كل شيء، وتغليب المادة على كل شيء هو الوسيلة التي يقبض بها الصهيونيون على كل شيء. ومن ثم كان كارل ماركس هو أكبر الصهيونيين، وكانت الشيوعية هي أكبر خدمة للصهيونية، وكان هذا الاتفاق العجيب بين مذهب قومي ديني وبين مذهب ينكر جميع الأوطان والأديان.

وليس هنا محل البحث في حقيقة هذا المذهب من الوجهة العقلية أو التاريخية، وإنما محل البحث أن المذهب كله ينتهي إلى خدمة الصهيونية، وأن كارل ماركس لو أراد خيرًا بالضعفاء والفقراء لكانت له ألف وسيلة غير إلغاء الأديان والأوطان، فإن العمال والصناع قد بلغوا من الحقوق في البلاد الديمقراطية مال لم يبلغوه في بلاد الشيوعيين، دون حاجة إلى إلغاء وطن أو دين، ولكنه لم ينشر مذهبه لخير أحد من طبقة من الطبقات، وإنما نشره لنشر المادية وإلغاء كل عقيدة غير العقيدة المادية، وهذا هو بيت القصيد، وهذا هو الزمام الذي أراد كارل ماركس أن يضع به العالم في أيدي أبناء قومه، أي في أيدي الصهيونيين.

يدور البحث في الصهيونية هل هم أبناء جنس أو أبناء دين.

والبحث العلمي قد يثبت أن الصهيونيين لا ينتمون جميعًا إلى بني إسرائيل، وقد يثبت أن اليهودية عقيدة آمن بها أناس من غير بني إسرائيل، وبخاصة في القرون التي تقدمت مولد السيد المسيح.

وقد يثبت البحث العلمي أن أبناء إسرائيل أنفسهم قد تفرقوا في جهات الأرض؛ فاختلطت أنسابهم بأنساب الأمم كما يحدث عند كل هجرة وعند كل اختلاط.

ولكن البحث العلمي شيء وخطر الصهيونية شيء آخر.

فخطر الصهيونية يقوم على اعتقاد الصهيونيين أنفسهم، ولا يقوم على مكان هذا الاعتقاد من العلم أو من التاريخ.

والصهيونيون يعتقدون أنهم سلالة بشرية خاصة، وأنهم يستحقون حكم العالم؛ لأنهم من نسل إسرائيل، وقد وُعد إسرائيل بأن يحكم العالم هو وأبناؤه إلى آخر الزمان متى قامت في العالم دولة صهيون.

انظر إليهم وإلى أبناء الأديان الأخرى. فما من دين من الأديان إلا ويعتقد أبناؤه أن دينهم رسالة عامة لجميع بني الإنسان. فالمسيحيون يبشرون بالمسيحية. والمسلمون يدعون إلى الإسلام. والبوذيون ينشرون عقائدهم ليؤمن بها من يشاء، إلا الصهيونيين! فإنهم لا يدعون أحدًا إلى الإيمان باليهودية، ولا يسرهم أن يؤمن بها أحد غيرهم؛ لأنهم يعتبرونها دينًا خاصًّا لأسرة من البشر خاصة، ولا يعتبرونها رسالة عامة لجميع بني الإنسان.

ولا ترى أسرة يسرها أن يشاركها أحد غيرها في حقوق الأسرة؛ لأنه يشاركهم إذن في حصة من الميراث.

وهكذا ينظر الصهيونيون إلى أنفسهم فلا يقبلون من أحد أن يشاركهم في ميراثهم، وقد ينتقل أحدهم إلى المسيحية أو الإسلام أو يلحد في الدين أو يغير وطنه السياسي من مكان إلى مكان، ولكنه ينظر إلى اليهودية نظرته إلى قرابة اللحم والدم، وإن تباينت الأمم والأوطان.

فهم أصحاب ميراث يحافظون عليه، وليسوا بأصحاب مذهب ينشرونه أو تسرهم هداية الناس إليه.

وهم يطمحون إلى السيادة العالمية؛ لأنهم يريدون تسخير العالم واستغلال شعوبه لا لأنهم يريدون له الهداية والصلاح.

ولهذا نؤمن كل الإيمان أنهم خطر على العالم بأسره، وأن دعوتهم صائرة لا محالة إلى الزوال؛ لأن التاريخ كله يعلمنا درسًا واحدًا لا شك فيه، وهو أن السيادة على العالم لن تكون لأمة واحدة بالغًا ما بلغ شأنها من البأس والثروة والمنعة والذكاء.

إن الصهيونية لا تستحق بغض العالم لعصبية دينية، ولكنها تستحق البغض منه؛ لأنها هوس شديد الخطر على سلام بني الإنسان.

ومن عجائب الأيام أن الصهيونية والنازية يتلاقيان في هذا الهوس الوبيل على أصحابه وعلى غيرهم؛ فهؤلاء في رأي أنفسهم شعب الله المختار، ومصير هؤلاء حقًّا كمصير هؤلاء.

والعالم لم يخلق لتسوده أمة واحدة أو طبقة واحدة، وإنما خلق ليكون عالمًا أي ليكون جملة من الأمم، وجملة من الطبقات تسوقها الحوادث سوقًا إلى التعاون والاشتراك في المصالح والمقادير.

وهمٌ من الأوهام أن تسود العالم أمة واحدة، فما سادته قط أمة فيما مضى، ولن تسوده أية أمة بعد اليوم.

ووهمٌ من الأوهام أن العالم تسوده طبقة من الطبقات، وأن العقائد تقوم على مصلحة طبقة دون طبقة، فما من دين من الأديان إلا وهو يفرض على الأغنياء حقوقًا لا يفرضها على الفقراء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Ahmed Elshahat Saied ·٢ يناير ٢٠١٥، ٨:٨ ص

    فعلا مقال مختصر وجميل ولا تخفى حقيقته ع أحد

  • default avatar
    Mohamed M Mahrous ·١ يناير ٢٠١٥، ١٨:٥٧ م

    مع الاحترام للاستاذ العقاد رحمه الله ولكنه لا يفقه شىء عن الشيوعية