ذهبت في المقال السابق إلى أن التضليل الذي ينشأ في أوقات التطورات العمرانية والانفعالات السياسية هو مرض عارض لا يبقى طويلًا. وذهبت إلى أنه لا ينبغي أن تلقى المسائل الاجتماعية الدقيقة الشديدة الخطورة إلى فَهم العوام لئلَّا تضطرب الأفكار، ويختل النظام الضروري لحياة الجماعة. ويسوقني القول في المضلِّلين وفي العوام إلى النظر في لفيف الخواص وفئة الزعماء. وذلك لعلاقة أجزاء هذه المباحث بعضها ببعض؛ لأن أثر المضللين يظهر في العامة، ولأن أثر الخاصة يُبطِل أثر المضللين ومكرهم، ولأن مسعى الزعماء يتصل بالعامة أحيانًا، ويتصل بالخاصة أحيانًا، ويتأثَّر بكليهما حسب استعداد الزعيم، وحسب ظروف ذلك المسعى.

الخاصة هي تلك الجماعة الصغيرة التي تخلص من صميم الأمة الواسعة، فتحمل في رءوس أفرادها خير ما في رءوس هذه الأمة من خبرة وعلم وذكاء. وتفيض أفئدة أفرادها بخير ما تفيض به الأفئدة السليمة من أشرف العواطف، وتتصل بجسوم أفرادها خير ما يتصل بالجسوم من نشاط وعافية، وتصبو نفوس أفرادها إلى خير ما تصبو له نفوس البشر من الآمال الطيبة.

تتكون في الغالب خاصة الناس ممن دُرِّب ذكاؤهم، ورُوِيَت في سلسبيل العلم أذهانُهم.

وفي الغالب هم يكونون من ذوي المنابت الخلقية، ومن البيوت التي يتَّسم الأنباه من جوها بالاستقامة، وحسن السلوك، وحرمة المبدأ.

وفي الغالب هم يكونون من الذين في عنفوان العمر، وفي مظاهر السلامة والعافية، حتى يتوفر لهم النشاط الخليق بوظيفتهم الاجتماعية.

وفي الغالب هم يكونون من المُفسِدين الذين ليس لليأس والقنوط عليهم سلطان؛ فيسهلون الصعب، ويهونون مشقة ما يسعون إليه من أمل طيب وأمنية صالحة.

هذه الخلال كلها أو أكثرها تتصل بأفراد الخاصة اتصالًا يتفاوت شدةً وضعفًا، واتصالًا يظهر به لون جماعة الخواص بجلاء ووضوح، أو يظهر به لونها بعكورة وغموض. ولكل أمة خاصتها، وأظهر آثار الخاصة تكون في الأمم الكبيرة التي تتعدد فيها الطبقات، وتنشأ بين جماعاتها وأفرادها قسمة الأعمال.

***

إذا تحددت في الأذهان صفات الخاصة أو بعبارة أخرى صفات تلك الجماعة الصغيرة التي تستقر في كل أمة تخرج من دور البداوة الأولى إلى دور التحضُّر، فجميل بنا أن نتساءل: ما عمل هذه الفئة؟ أو بعبارة أخرى: ما وظيفة الخاصة؟

وظيفة الخواص تنشأ على وجه الإجمال من الصفات اللازمة لأفرادها، فإذا كانوا من أوسع الناس علمًا وأشدهم ذكاء، فذلك يؤهل لوظيفة الإرشاد عندما تحتاج الجماعة للإرشاد، ولوظيفة الناصح عندما تحتاج الجماعة لنصح الناصحين.

وإذا كانوا من ذوي السِّيَر الكريمة، والمنابت الحميدة، والمناقب الفاضلة؛ فذلك يرفع إلى مناصب القدوة لسلوك الجماعة، والمديرين لنُظُمها المؤثرة في الأخلاق، والراغبين في خيرها بإخلاص.

وإذا كانوا من أهل العنفوان والصحة والنشاط، فهم المثل لصورتها المادية ومنظرها القويم.

وإذا كانوا من المتسعدين الساعين وراء المثل العليا، فإنهم حداة الأمم في سبيل الرقي والرفعة.

إذن للخاصة المرجع عند الحكم في الأمور ومعرفة حقائقها. وبالخاصة يُحتذى في الخُلق، وبالخاصة تتكون نماذج الجماعات على أحسن صورها. وبالخاصة تتطلع الأمم إلى أكبر الأماني.

إذن في سؤدد الخاصة سؤددٌ للحق والخير، والخاصة تسدد سير الجماعات إلى الهدى، وتقيها شر التيه والضلال، وتحول بين الأمم وبين استبداد المسيطرين إذا أسرفوا، وجموح الزعماء والقادة إذا جمحوا، بل وطغيانهم إذا طَغَوْا واستكبروا، وبالإجمال للخاصة وظيفة للإصلاح، وللتقدُّم، وللرقابة في شئون الجماعات السائرة.

أما حديثنا عن الزعامة والزعماء فموعده المقال الآتي إن شاء الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.