أشرت في مقال سابق إلى وجوب انتقاء ما يصح انتقاؤه من المدنية الحاضرة واتقاء ما لا يصح منها، والآن أسأل نفسي: ما هو السبيل لهذا الانتقاء ولذلك الاتقاء؟

إن أولى الشرائط لجودة التخير توفر عناصر الرشاد وعناصر الحرية. وأقصد بالرشاد: مجموعة الأسباب والأدوات التي تمد العقل لدنوه من كماله النسبي المنشود، وتهيئ الفكر ليؤدي وظيفته على خير الوجوه، فالخبرة والعلم، والفطنة والعافية، وحسن القبول والمكانة من الناس، وتداول السنين ومر الأيام؛ كل أولئك يؤهل المرء للرشاد، ويقرب الرأي من السداد.

وأقصد بالحرية: مجموع الأدوات والأسباب التي تكفل للراشدين من الناس أن يحققوا ما يوحيه اليوم عقلهم الناضج، فيُسَيِّروا أنفسهم وفقًا لهديه من غير أن يجدوا عوائق في الحركة والمسير لضعاف الشهوات، ومرونة الفكر، وتسامح البيئة، ورعاية الحاكم لحق الإنسان؛ وكل أولئك فيه عون للنفوس لتظهر ما هي عليه، ولتبدو على سجيتها في تقدير أمور الحياة وموازينها، واصطفاء ما يحسن اصطفاؤه من هذه الأمور والموازين. فمن تحقق لهم شرائط الحرية والرشد؛ كان من الواجب أن يؤتمنوا على التخير من المدنية، ويوكل إليهم الانتقال الموفق. ولما كانت الجماعات والأمم تتألف من طوائف وطبقات وأفراد لا تتساوى جميعًا في أنصبتها من عناصر الرشد والحرية، كان من الطبيعي أن توكل قيادتها إلى من يتوافر لديهم من أبنائها أكبر نصيب من الحرية والسداد.

حقًّا، كثيرًا ما تكفل الديمقراطية للمجالس النيابية حظًّا من الصفوة المتميزة برشادها وحريتها، وترى تلك الديمقراطية أنه من حق تلك المجالس توجيه الشعوب في المسالك الموصلة لنهوضها وارتفاع مكانتها. على أنه مهما يكن من حظ المجالس النيابية من النابهين ومن فوائد هذه المجالس، فإنه لا يتسنى لها أن تقف من الأمم في مسائلها المعنوية موقف الموجه المرشد؛ لأن المجالس النيابية قد تشغلها المكافحات الحزبية ومطالب الإصلاحات المادية، وقد تستغرق مجهودها مشكلات السياسة، وقد يكون لبعض المصالح الخاصة تأثير في توجيهها. وعلى ذلك فلا يطلب منها أن تتحمل فوق ما تتحمله أعباء المقاصد المعنوية والروحية التي يجب أن تبلغها الشعوب لتستشعر بشخصيتها ووجودها القوي الممتاز.

وعلى ذلك، لا غنى أن يستكمل نقص المجالس النيابية بمجالس أخرى تتفرغ لما لا تتفرغ له مجالس النيابة، تلك هي المجالس الاجتماعية التي أشار بتكوينها صاحب الرفعة علي ماهر باشا، وسآتي في مقال آخر بمجمل رأيه، وما يوحيه هذا الرأي من التعليق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.