للشعوب مزايا تدل عليها كما تدل الملامح والألوان. وهذا أقصى ما يُستطاع الجزم به في هذا الباب، وكل تجاوز له وتورط فيما بعده يعد خبطًا في الظلام.

أمَّا هذه المزايا: ما هي؟ وبأي مقدار توجد في الشعب عامة؟ وفي أفراده خاصة؟ فذلك ما ليس لأحد طاقة بحصره الآن، وقد يُعْيي الباحثون حصره إلى زمن جد بعيد؛ لأن الصِّفات الخلقية — أول شيء — غير قابلة للحصر «المادي» والضبط المحسوب بالأرقام وما شابه الأرقام.

ثم يجوز أن تعرف الصفة الشعبية على التغليب والترجيح، ولا يتسنَّى بعد ذلك أن نعرف نصيب الفرد من هذه الصِّفة عند التوزيع والتعميم، فإذا قُلت مثلًا: إن العرب كرام، وإن قومًا من الأقوام الآخرين بُخلاء، فقد يتفق أن ترى عربيًّا مُفرطًا في البخل، وأن ترى رجلًا من أولئك القوم الآخرين مُفرطًا في الكرم دون أن تختل القاعدة الشائعة؛ لصعوبة توزيع الصفات القومية في جميع الأفراد على مقاديرٍ متساويات أو متقاربات.

وهذا عدا سبب آخر غير هذا السبب يدعو إلى الاحتراس في الحكم على أفراد الشعوب بما اشتهر من أخلاق تلك الشعوب العامة؛ وهذا السبب هو اختلاط الأنساب والتزاوج القديم بين أجيال الناس من قديم العصور، فلو فرضنا أن ملكة «الفن» مثلًا مقررة مشهود بها لشعب يقيم في إقليم من الأقاليم، فليس في وسعك أن تجزم بانتماء كل فرد يقيم في ذلك الإقليم إلى السلالة الخالصة التي تحدَّر منها عنصرُ الشعب في أصوله الأولى؛ لأن الأب قد يكون مصريًّا والجد من العرب، وقد يكون الآباء جميعًا مصريين، والأم أو الجدة من سلالة غريبة، فلا حصر هنا للملكات والطبائع على وجه التحقيق.

زارني مرة عالِمٌ إسرائيليٌّ وسألني: ما رأيك في دعوى الكمال التي يدَّعيها الجرمان اليوم ويجبهون بها اليهود خاصة، و«الساميين» على الإجمال؟

قلت مازحًا؛ لأن الأمر أقرب إلى المزاح منه إلى الجد: «أنتم شعب الله المختار» قديمًا، والجرمان «شعب الله المختار» في الزمن الحديث، فما شأن الناس يدخلون بين الشريكين المتنافسين؟ هذا خلاف لا يفصل فيه إلا الله.»

والواقع أن الفصل الحاسم في أمثال هذا الخلاف لن يدخل في حدود العِلم الإنساني والمعارف المقررة، وكل قاعدة فيه تبدأ بتقريرها لا تلبث أن ترى شذوذًا قويًّا أو ضعيفًا يطرأ عليها في جانب من الجوانب. وهؤلاء اليهود في بلاد الجرمان نبغ منهم موسيقيون كثيرون، فقيل: إن فنَّ «الموسيقى» مَلكة في الجنس من قديم، وسرعان ما رجعوا إلى مزامير داود لتعزيز هذا الاستدلال.

ولكن ما بال اليهود الإنجليز — كما اعترض بعض المعترضين — لم يَنْبُغ بينهم موسيقيون عظماء، ونبغ منهم ساسة ومصرفيون؟

هنا يظهر أن البيئة لها الشأن الأول فيما يسمونه ملكات الأجناس، فاليهود النوابغ اتجهوا إلى الموسيقى في البلاد الجرمانية لأن الموسيقى مطلوبة محبوبة هناك، واتجهوا إلى الإدارة المالية والإدارة السياسية بين الإنجليز لأن المال والسياسة لهما شأن عظيم بين القوم. والحرية الدستورية تفتح هذا المجال لليهودي الذي يتطلع إلى مستقبل فيه.

وهكذا يقال في جميع المزايا وجميع الشعوب وجميع الشواهد من هذا القبيل، فالحكم فيها مختلط متردد ليس له ضابط محدود، وغاية ما تفيد هذه الأحكام أن نأنس بها في الترجيح والتخمين، ولا نقطع بها في صدد الحقيقة واليقين.

***

وأمامي الآن كتاب يسرني أنه خلا من عيوب الإطلاق في الأحكام و«العصبيات» التي يتوقعها القارئ من عنوانِ موضوعِه، وهو: «الإسلام والحضارة العربية»؛ لأن مؤلفه الباحث الخبير الأستاذ «كرد علي» يكتب للتمحيص، ويؤثره على كل هوًى وإغراء.

فالكتاب لم يقع في مآخذ «العصبية» المذمومة؛ بل تصدى لنقض هذه المآخذ عند الكاتبين عن العرب وعن الإسلام من «الشعوبيين» الذين يجردون العرب من فضائلهم ومزاياهم، ويضيفون الفضائل والمزايا جميعًا إلى غيرهم من الشعوب.

وطريقته كلها تظهر من كلمته في الردِّ على «رنان» حيث يقول في غلط الحس: «مِن الناقدين مَن وقعوا في غلط الحس فحكموا على العرب والإسلام أحكامًا لا مبرر لها، ربما كانوا يعدلون عنها لو ساعدهم الزمن فرجعوا اليوم إلى تمحيص ما دونوا، كما وقع لرنان يوم زار في القرن الماضي جزيرة أرواد، فشاكسه بعض أهلها فهجا أهل الجزيرة بأسرهم، بل السوريين بأجمعهم، بل المسلمين عامة، وقال: إن غلط الفكر هو مظهر خُلق السوريين، وأن الأرواديين قاوموه للبغض المتأصل في قلب كل مسلم لما يقال له علم.

وقال في مناسبة أخرى: إن الذي يميز العالم الإسلامي إنما هو اعتقاد المسلمين أن البحث لا طائل تحته، وأنه قد يؤدي إلى الكفر.

وحكم هذا المؤلف على جميع السوريين بما رأى من انحطاط صيادين مُعدمين في جزيرة صغيرة، وعلى كل مسلم بأنه عدو العِلم والبحث، في نظرته، لا يصح على إطلاقه؛ لأنه بعيد عن المنطق، ولا يتلاءم مجال مع حكمة صاحبه وعلمه الواسع، ونظن رنان وهو يكتب قبل زهاء سبعين سنة لو زار بعض البلاد العربية اليوم لغير رأيه في الحكم على المسلمين، ولرأى كثيرًا من عامتهم قد تحرروا مما سماه تعصبًا أعمى، وألفوا ممارسة الحقائق، وأقبلوا على العلم على اختلاف ضروبه، وكان بعضهم بالأمس ينكرونه ويعقونه.»

فالكتاب لا يقع في أخطاء العصبية، بل هو يصحح أخطاء الواقعين فيها من الكاتبين عن العرب والإسلام، ونهجه في التصحيح هو النهج الذي تراه في هذه العبارة كفيلًا بالإقناع وإظهار الخطأ ظهورًا لا يمتري فيه منصفان، وأنت لا تقرأ هذا الكتاب لترى أن العرب قد استأثروا وحدهم بالمكارم والمحاسن، وقالوا كل ما يقال، وعلموا كل ما يعلم، وكشفوا كل ما يكشف، حتى لم يدعوا للشعوب كلمة إلا استطعت أن تردها إلى أصلها العربي بقليل من التصحيف والتحريف. كلا، إنك لا تقرأ في كتاب الأستاذ كرد علي شيئًا من ذلك، ولكنك تقرأ مئات الأشياء التي يتبين منها إجحاف الذاهبين في تجريد العرب؛ مذهب أصحابنا القاصرين عليهم كل خير، وكل إحسان، وكل مجادة. وذلك نهج في البحث مضمون النفع؛ لأنه مضمون الإقناع، ناجح في تزييف الباطل وإن لم ينجح هذا النجاح في تثبيت الحقائق جميعًا، ولا ذنب عليه؛ لأن تقرير الحقيقة أصعب جدًّا من تفنيد الأباطيل.

ولو قرأ هذا الكتاب مسيحيٌّ أو يهوديٌّ أو وثنيٌّ في مثل الثقافة التي عليها الأستاذ كرد علي لوافقه في معظم أبوابه، وإن لم يوافقه في عقيدته الدينية؛ لأن المعلومات التي احتواها جديرة وحدها بالوصول إلى نتائجها، وهي على هذا معلومات غزيرة منوعة تحيط بعشرات من المراجع، وعشرات من أساطين التاريخ والبحوث الاجتماعية، وهكذا تحسن الكتابة في هذا الموضوع خاصة لما يحيط به من العصبيات والموروثات، كما تحسن في جميع الموضوعات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.