ليس من شك في أن هذه الجلسات التي يعقدها مجلس العموم البريطاني — منذ يوم الثلاثاء — مظهر رائع من مظاهر الحياة الديمقراطية، تستطيع بريطانيا العظمى أن تفاخر به، ويستطيع الشعب البريطاني أن يرى فيه بحق مسوِّغًا لكل ما بذل من جهد، وما احتمل من مشقة، وما قدَّم من تضحية أثناء هذه الحرب. فليس من الأشياء الهينة أن يقف رئيس الوزراء ويعرض أمور الحرب والسياسة في هذه الصراحة، لا أمام مجلس العموم وحده، بل أمام العالم كله. وليس من الأمور الهينة أن يقف النوَّاب البريطانيون فينقدوا وينقدوا مسلك حكومتهم في السياسة والحرب نقدًا أشدَّ صراحة وصرامة وحرية من مذهب رئيس الوزراء نفسه حين عرض ما عرض من أمور السياسة والحرب.

كل هذه أمور خطيرة تكوَّن منها مجد الديمقراطية عامة ومجد الديمقراطية البريطانية بوجه خاص. والحرص عليها خليق أن يُشْتَرَى بهذه الأثمان الهائلة التي تبذلها الديمقراطية والتي تبذلها بريطانيا العظمى؛ لأنها هي التي تجعل الحياة خليقة بأن تكون ملائمة للكرامة الإنسانية، وملائمة لما يطمح إليه الأفراد والجماعات في الأمم المتحضرة من السمو إلى المثل العليا ومن الدنو إلى الرقي والكمال؟

وليس من شك في أن هذه الحرية الرائعة خليقة أن تثير في نفوس المتحضرين عواطف الإعجاب والإكبار، وعواطف أخرى تصور الحرص على أن تكون هذه الحرية شيئًا شائعًا يستمتع به المتحضِّرون جميعًا كما يستمتع به البريطانيون، وينعم به المتحضرون جميعًا كما ينعم به البريطانيون. ولكن ليس من شك في أن بين المتحضرين في العالم وبين هذه الحرية البريطانية في عرض الرأي والدفاع عنه آمادًا لا تزال بعيدة. ويكفي أن نلاحظ أن بريطانيا العظمى تبذل ما تبذل من تضحية في الحرب، وتلقى ما تلقى من أهوال الحرب، وتتعرض لما تتعرض له من كوارث الحرب، ولا يمنعها ذلك من الاستمتاع بهذه الحرية السياسية الرائعة على حين توجد أمم في العالم لا تحتمل من أهوال الحرب بعضَ ما يحتمل الإنجليز، ولا تتعرض من كوارث الحرب لبعض ما يتعرض له الإنجليز، وهي بعد ذلك لا تستمتع من حرية الرأي ببعض ما يستمتع به الإنجليز.

وقد قلت إن المستر تشرشل وزملاءه النواب البريطانيين لم يتحدث بعضهم إلى بعض فحسب، وإنما تحدثوا إلى العالم كله، وعرضوا على الإنسانية المتحضرة كلها المسلك السياسي الذي سلكته بريطانيا العظمى في مؤتمر القرم. وقد رضي بعضهم عنه كل الرضا، وسخط عليه بعضهم كل السخط، وسلك بعضهم الآخر طريقًا بين ذلك فرضي عن بعض الأشياء وسخط على بعضها الآخر. وأكبر الظن أن المناقشة ستنتهي مساء اليوم في مجلس العموم بإعلان الثقة بالوزارة البريطانية، والرضا عن مسلكها السياسي في هذا المؤتمر.

وقد ظفر المستر تشرشل بهذه الثقة في مواقف لم يبلغ فيها من الصراحة في عرض المشكلات السياسية ما بلغه هذه المرة؛ لأن البريطانيين يقدِّرون الحرب وضروراتها، ويقدرون الجهود الهائلة التي بذلها رئيس وزرائهم في تدبير أمور الحرب والخروج ببلاده من مشكلاتها، ويعلمون أنه الرجل الذي يجب أن يمضي بهذه الحرب إلى غايتها. فالثقة به في هذه الأيام ضرورة من ضرورات الحرب بالقياس إلى البريطانيين. ولكن الشيء المحقق منذ الآن هو أن الشعب البريطاني نفسه ليس راضيًا كلَّ الرضا عن السياسة الخارجية لحكومته. فهو يقبلها وهو يؤيدها لأن مصلحته أثناء الحرب تفرض عليه هذا القبول وهذا التأييد، ولأن التحول عن هذه الطريق يعرِّض مصالحه للخطر، ولكن هذا شيء والرضا عن هذه السياسة الخارجية شيءٌ آخر.

وليس أدلَّ على ذلك من أن فريقًا من النوَّاب البريطانيين ومن حزب رئيس الوزراء نفسه، ينكرون أشد الإنكار موقف الحكومة البريطانية بالقياس إلى المشكلة البولندية. وهم قد ذهبوا في هذا الإنكار مذهب العنف العنيف؛ فاقترحوا تعديلًا لما عرضه المستر تشرشل على مجلس العموم من اقتراح الثقة بالوزارة، وطلبوا أن يقرر المجلس أسفه لأن الحكومة البريطانية لم تحافظ على ما تعهدت به لبولندا من حماية الوطن البولندي كاملًا وضمان استقلاله غير منقوص. ولو قبل اقتراح هؤلاء النوَّاب لتعرض موقف الوزارة البريطانية للخطر، وهو من أجل ذلك لم يقبل وإنما رفضته كثرة ضخمة من النواب، ومن المرجح أن الذين قدموه كانوا يعلمون حق العلم أنه لن يقبل، ولكنهم أرادوا أن يظهروا رأيهم واضحًا صريحًا، وأن يكون في إظهار هذا الرأي شيءٌ من لوم الحكومة؛ لأنها لم تبرَّ بوعودها لبولندا من جهة، ولأنها ضعفت أمام حليفتها الروسية من جهة أخرى.

وإذا كانت هذه الحال في مجلس العموم البريطاني نفسه، وإذا كان المستر تشرشل لم يتحدَّث إلى البريطانيين وحدهم، وإنما تحدث إلى العالم كله؛ فمن الطبيعي أن يكون موقع خطبته في الرأي العالمي العام مختلفًا، يلقاه بعض الناس بالرضا، ويلقاه بعضهم بالنقد، ويلقاه بعضهم الآخر بكثيرٍ من التحفظ والاحتياط.

فمؤتمر القرم قد رتَّب أمور الحرب ترتيبًا لا يزال العالم يجهله كلَّ الجهل، وسيعلمه شيئًا فشيئًا حسب تنفيذ الخطة التي رُسِمت. وهو رتَّب أمور السياسة ترتيبًا يعرف العالم بعضه ويظهر أنه يجهل منه شيئًا كثيرًا برغم هذه الخطبة الصريحة الواضحة التي ألقاها المستر تشرشل في مجلس العموم. وآية ذلك أن المستر روزفلت رئيس الولايات الأمريكية المتحدة نفسه قد تحدَّث إلى الصحفيين بأن مؤتمر القرم قد عقد اتفاقات سرِّية ستظهر حين يكون ظهورها ملائمًا. فهناك إذن أشياء لم تعرف بعد مما تم عليه الاتفاق بين الثلاثة الذين اجتمعوا في يالتا. والأمور التي عرفت مما قرره هذا المؤتمر لم تظفر برضا الأمم المحررة كلها.

فأمر بولندا واضح كلَّ الوضوح، أو غامض كلَّ الغموض، وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة. فالحكومة البولندية المقيمة في لندرة تنكر ما قرر المؤتمر بشأنها، والحكومة البولندية المقيمة في بولندا تقبله، والبولنديون المتفرقون في العالم الخارجي ينقسمون بشأنه أشدَّ الانقسام، والشعب البولندي نفسه لم يقل كلمته بعد، فرأيه إذن غير معروف، وليس هناك شيء واضح إلَّا إرادة الحلفاء الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم. وأغرب من ذلك أن الحكومة البريطانية لم تنكر إلى الآن الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، وستظل معترفة بها حتى تنشأ الحكومة البولندية المؤقتة التي قرر الثلاثة إنشاءها. والله يعلم متى يكون إنشاء هذه الحكومة.

وقد كان سخط فرنسا واضحًا كل الوضوح في الأسبوع الماضي، ومن المؤكد أن ما صرح به المستر تشرشل في خطبته بشأن فرنسا — على ما فيه من تلطف — ليس من شأنه أن يخفف هذا السخط، ولكن هذا السخط أخذ يخفُّ من غير شك؛ لأن الحلفاء قد خطوا في سبيل إرضاء فرنسا خطوات إيجابية لها قيمتها. فأمَّا الولايات المتحدة فأمضت مع فرنسا اتفاقًا اقتصاديًّا عظيم الخطر يمكِّنها من تقوية الجيش وإحياء الصناعات الفرنسية في وقت قصير بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وأمَّا بريطانيا العظمى فدعت وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة وأوضحت له قرارات المؤتمر الذي عقد في القرم، وبيَّنت له مقاصد بريطانيا العظمى نحو فرنسا، وحرصها على تقوية التعاون الفرنسي الإنجليزي.

وقد صرَّح المستر تشرشل بأن بريطانيا العظمى تعترف لفرنسا بمركز ممتاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبأنها قد بذلت وستبذل جهودًا لإصلاح الأمر بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى. وأكبر الظن أن الحلف المنتظر بين فرنسا وبريطانيا سيعقد في وقت قريب. ومعنى هذا كله أن الدولتين السكسونيتين تحرصان على إرضاء فرنسا، وتخطوان في سبيل هذا الإرضاء خطوات حاسمة؛ ليتحقق التوازن بينهما وبين روسيا فيما يكون من علاقتهما مع الشعب الفرنسي.

أمَّا بلاد الشرق الأدنى فقد تحدث المستر تشرشل بشأنها إلى مجلس العموم حديثًا لا يخلو مما يدعو إلى التفكير والاعتبار؛ فهو يرحِّب بانضمام دوله إلى الأمم المتحدة، ويقدِّر ما بذلت مصر من معونة للحلفاء، ويرجو أن تظفر تركيا بمركزها الدولي الذي تستحقُّه، ويعتب على تركيا؛ لأنها تأخرت في الانضمام إلى الأمم المتحدة، ويقرر ما كان من اعتراف باستقلال سوريا ولبنان، ويقرر حرصه على تقريب المسافة بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، ولكنه يصرح بأن مشكلات الشرق الأدنى سيحاول حلها بعد انتهاء الحرب. وما كان أيسر الأمر لو أن مشكلات الشرق الأدنى حلَّت قبل انعقاد مؤتمر السلم.

فليس من شك في أن الخير كلَّ الخير في أن تذهب دول الشرق الأدنى إلى مؤتمر السلم راضيةً مطمئنة، واثقةً لا تحسُّ خوفًا ولا قلقًا، ولا تفكر إلَّا في أن تبذل ما تملك من جهد متواضع ولكنه خصب في بناء العالم الجديد، وفي تنظيم السلم وضمان الأمن في هذه الأقطار العربية التي يعظم شأنها الجغرافي والسياسي والاقتصادي من يوم إلى يوم.

وفرقٌ عظيمٌ بين أن تذهب هذه الدول الشرقية إلى المؤتمر لتدافع عن وجودها الخاص وعن استقلالها الخاص، ثم لتشارك بعد ذلك في تنظيم شئون العالم الجديد، وبين أن تذهب هذه الدول وقد اطمأنَّت على وجودها الشخصي واستقلالها الصحيح، وفرغت للمشاركة في تنظيم أمور السلم العامة. ذلك أحرى أن يدفعها إلى العمل في قوة وصراحة ونصح وإخلاص. ولكنها ستذهب الآن حذرة قلقة، لا تخطو خطوة إلَّا تساءلت عمَّا يمكن أن يكون لهذه الخطوة من أثر في مصيرها ومستقبلها. والمفهوم أن مؤتمر السلم إنما يقرر فيه مصير الأمم المغلوبة لا الأمم الغالبة. ومهما يكن من شيء، فإن دول الشرق العربي لم تمتحن في يوم من الأيام كما تمتحن الآن. فأيسر ما يطلب إليها منذ الآن هو أن تكون يقظة حريصة على أن تقرر مصيرها الملائم لحقها وكرامتها من جهة، وعلى أن تشارك ناصحة مخلصة في إقامة بناء العالم الجديد الذي يراد أن يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.