لو يَعْلَم الناسُ ما يُقْبِل به عليهم النهارُ حين يشرق، وما يُضْمِر لهم الليلُ حين يُظْلِم، لما كان كَلَفُهم بإشراق النهار أقلَّ من إشفاقهم من ظلمة الليل — أو قُلْ — لاقْتَصَدُوا في حب ما يحبون من ذلك وكُرْه ما يكرهون، لكن الناس ضعاف يغرهم الغرور؛ فيظنون بأنفسهم القدرة وهم عاجزون، ويُقدِّرون لأنفسهم البقاء ويغذونها بواسع الأمل.

وإن الأحداث والخطوب لتسعى إليهم على هذه الأشعة المضيئة — أشعة الشمس — أو لتختبئ لهم في ثنايا هذه الظُّلْمة القاتمة؛ ظلمة الليل.

ولو قد عرف صدقي باشا حين خلا إلى المندوب السامي في أول مرة أن خلوته تلك على ما كان فيها من أملٍ ممدود، ورجاءٍ غير محمود، وثقة بالأيام، واستسلام للأحلام، ستنتهي به وبصاحبه إلى هذه الخلوة التي أُتِيحَتْ لهما أمس، وما كان فيها من يأسٍ مظلم، وقنوط ممضٍّ، ويقظة ثقيلة على القلوب، بغيضة إلى النفوس، وشك في الأيام، يُنفِّر من العيش، ويُزهِّد في الحياة. لو عرف صدقي باشا أن خلوته تلك الباسمة الآملة ستنتهي به إلى خلوته هذه العابسة اليائسة، لَمَا أقدم عليها ولما رغب فيها، بل فر منها فرارًا، ولامتنع عليها امتناعًا، ولآثر السلامة والعافية، مع الراحة والهدوء، على تلك المظاهر الكاذبة، التي ملكت قلبه، وخلبت لبه، وغمسته في الشر غمسًا، ثم انتهت به إلى ما هو فيه الآن من سوء الحال.

كان صدقي باشا أمس يخلو إلى صديقه المندوب السامي خلوة كئيبة مريبة، لا يستطيع أن يبتسم لها، ولا تستطيع هي أن تبتسم له، يلتمس من نفسه الضعيفة عونًا على احتمالها والنهوض بأثقالها، وإن كان فيها لراغبًا وإن كان عليها لحريصًا، ولم تكن في أكبر الظن كآبة المندوب السامي بأقل من كآبة صديقه العزيز، ولكن الفرق بين الرجلين كان عظيمًا جدًّا؛ فقد كانت كآبة صدقي باشا كآبة بؤسٍ كامل، شامل، عميق، لا حد له ولا مخرج منه، وكانت كآبة السير برسي لورين كآبة معقدة فيها غيظٌ؛ لأنه لم يُوفَّق، وضيق بما أصابه من الإخفاق، ولكن فيها إشفاقًا عاجزًا ورحمة لا تُغْنِي شيئًا.

فالمندوب السامي مهما يُصِبْه من الإخفاق، ويدركه من العجز، يستطيع أن يقول لنفسه إنه قد حقَّقَ لأمته منافع في مصر عظيمة الخطر، بعيدة الأثر في حياتها وفي حياة المصريين، حقَّقَ لها هذه المنافع المادية التي لا تُحْصَى والتي ستنتفع بها غدًا و بعد غد، سواء أَرَضِيَ المصريون أم لم يرضوا.

وقد عرف الإنجليز له ذلك؛ فلم ينبذوه ولم يقصوه ولم يبغضوه، ولكنهم رأوا أنه لا يصلح للعمل في مصر فنقلوه إلى تركيا، وأبوا أن ينقلوه دون أن يحتفظوا له بهذه المظاهر التي تُعلَن إلى الناس صادقة أو غير صادقة؛ أنهم ليسوا ناقمين منه ولا ساخطين عليه، جعلوه سفيرًا وجعلوه عضوًا في مجلس الملك، وردُّوه إلى مصر بعد أن نُقِل منها وأُقْصِيَ عنها؛ ليقيم فيها شهرًا تحيط به هذه المظاهر التي أحاطت به مِنْ قَبْلُ، والتي ستحيط بخليفته مِنْ بَعْدُ؛ فهو إذن مرضي عنه أو مغضوب عليه، ولكن أمته ترعاه وتكرمه؛ لأنها تعرف أنه خدمها فلم يقصر في خدمتها، ولأنها تعرف أنه إن أخفق فقد اضطر إلى الإخفاق اضطرارًا ودُفِع إليه دفعًا؛ لأنه لم يعرف كيف يسير في مصر، ولا كيف يلائم بين سياسته، وبين حب المصريين للاستقلال وحرص المصريين على حقوقهم، وقدرة المصريين على المقاومة. هو عند قومه مخطئ سيئ الحظ لا أكثر ولا أقل، فإذا أثار ذلك في نفسه حزنًا فهو حزن الرجل العاثر الذي أراد شيئًا، وأرادت الظروف شيئًا آخر.

أما صدقي باشا فشأنه غير هذا الشأن، وحاله غير هذه الحال، ومصيره غير هذا المصير. هو منبوذ من أمته كلها، نبذته كثرتها حين وثب برغمها إلى الحكم، وأمعنت في نبذه حين أساء تصريف الحكم، ثم نبذه أشياعه وأتباعه حين أُنْزِل عن الحكم، ثم نبذه أصفياؤه وأولياؤه الأقربون حين ناوأ من صارت إليهم أمور الحكم.

إنْ رجعَ إلى أُمَّته ردَّتْه مخذولًا مدحورًا، ولم تؤثره حتى بهذه النظرة الرحيمة المشفقة التي يطمع فيها العاثرون، وإن رجع إلى أشياعه وأتباعه فرُّوا منه فرار الصحيح من الموبوء؛ لأنهم مشغولون عنه بأنفسهم، مصرفون عنه إلى منافعهم، وإن رجع إلى أوليائه وأصفيائه منحوه هذه الابتسامات الصفراء التي تقول له في صراحة وجلاءٍ لا بد لي من أن أحتملك، ولكنك تعلم حق العلم أن احتمالك عسير، وأني أضيق به، وأود لو أخلص منه.

وهو لا يستطيع أن يقول لأمته: لقد أحسنتُ إليك. لأنه لم يحسن إليها قط وإنما أساء إليها ما استطاع، وهو لا يستطيع أن يقول لأشياعه وأتباعه: لقد أسديت إليكم النعمة، وقدمت إليكم المعروف. لأنهم يجيبونه: لقد منحناك المعونة، وأهدينا إليك التأييد، ثم انقطعت بينك وبيننا الأسباب. وهو لا يستطيع أن يذكر أولياءه وأصفياءه بالحب القديم والود الخالص؛ لأن صروف الحياة، وظروفها، ومنافعها، ومضارها أقوى على نفوس هؤلاء الناس من الود والحب ومن عواطف البر والوفاء. وهو لا يستطيع — وهذا شرٌّ من كل شيءٍ — أن يرجع إلى نفسه فيلوذ بها، ويركن إليها، ويتعزى بما قدَّم من خير، ويعتصم بما يعتصم به المخلصون من راحة البال ورضا الضمير؛ لأن باله غير مرتاح، وضميره غير راضٍ ولا مطمئن.

لا يستطيع أن يأوى إلى أحد حتى إلى نفسه، ولا أن يلوذ بأحد حتى بنفسه، منبوذ من كل الناس، حتى من نفسه. فأين يكون من أليفه وحليفه السير برسي لورين؟! لقد صفا بينهما الود، وتوثقت بينهما الصلات، وتقارضا من المعونة والتأييد ما أشقى مصر ثلاثة أعوام، ثم هما يفترقان الآن وقد انهدم ما شيَّدا، واندكَّ ما أقاما.

ونظر الإنجليز فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى في مصر فنَقَلُوه، ونظر المصريون فإذا صاحبهم لا يستطيع أن يبقى مسيطرًا على الأمر فطرحوه، ومما يُتذاكَر أن تلك الأيام التي كانت تبسم لهما مخادعة، وتظهر لهما إشراقًا من ورائه الظلمة، وإقبالًا من ورائه إدبار. ولكن السير برسي لورين إذا تحدَّثَ في ذلك أو فكر فيه ذكر أنه سيزور بلادًا غير مِصْرَ وسيعمل مع قوم غير المصريين، وسيقضي حياة هادئة راضية لا بأس بها، أما صدقي باشا فهو لا يستطيع أن يذكر شيئًا من هذا لأنه سجين، سجينٌ وحيدٌ، لا يستطيع أن يخرج من مصر إلا أن يقضي على نفسه بالنفي، ولا يستطيع أن يبقى في مصر إلا أن يقضي على نفسه بالعذاب المتصل.

وبينما كان الصديقان الكئيبان يشربان الشاي ممزوجًا بمرارة الألم ومضاضة اليأس، كان الشعبيون يصخبون ويضطربون يدبرون أمورهم بينهم وبين الحزب الشقيق، فيعيبهم التدبير ويعجزهم التوفيق؛ لأن أمورهم قد فسدت، وأهواءهم قد اختلفت، ولأنهم قد فقدوا هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يرُدَّهم إلى الاجتماع إذا تفرقوا وإلى الائتلاف إذا اختلفوا.

يعرض عليهم رئيس الوزراء أسماء فيُظْهِرون التردد، ثم يُظْهِرون الطاعة، ثم يتفرقون وهم يضمرون الخلاف ويَسْعَوْن إليه، كل يؤكد بأنه محتفظ بموقفه لن يذعن لما اتخذ الحزب من قرار، وكل يعلم حق العلم أنه سيذعن حين يجتمع البرلمان، سيرشح من أَوْصَتِ الحكومةُ بترشيحه، وسينتخب من أَوْصَتِ الحكومة بانتخابه؛ فإن للحياة أثقالًا يجب أن تُحمَل، وإنَّ طاعةَ الوزراء بعضُ هذه الأثقالِ.

يا له من مساءٍ حزينٍ، هذا المساء الذي أظلَّ رجال السياسة الرسمية الحاضرة أمس! فأما الرجلان اللذان أقاما بنيان هذه السياسة، فكانا كئيبين يتساقيان شايًا كئيبًا ويتبادلان وداعًا كئيبًا، وأما خلفاؤهم من الشعبيين فكانوا يضطربون، ويصطخبون ويعلنون شيئًا ويُسِرُّون أشياء، ويندفعون إلى هذا المساء الذي لا بد من أن يُظِلَّهم كما أظلَّ مساء الأمس في تلك الخلوة الكئيبة أمام ذلك الشاي الكئيب هذين الرجلين الكئيبين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.