ولنبدأ بما يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا؛ فموضوع هذه الأحاديث متصل دائمًا بشئون السياسة العالمية، وأظن أن شئون السياسة العالمية تُدرَّس هناك لا هنا، وتُجرى في لندرة لا في القاهرة، بل أكاد أعتقد أن علم الحكومة المصرية بما يحدث هناك محدود، لعله لا يتجاوز علم أي فرد من الأفراد الذين يقرءون الصحف ويسمعون الراديو.

وليس أدل على ذلك من ذلك الموقف المؤلم الذي وقفه رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، حين سُئِل عمَّا تحدث به ممدوح بك رياض إلى مجلس الأمن؛ أملائم هو للحق والعدل والكرامة أم مخالف هو لهذا كله؟ فتبيَّن أن رئيس الوزراء لم يكن يعلم من حديث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن إلا ما كنَّا نعلمه نحن.

وكان خصوم الحكومة يحتجون بما نشرته «الأهرام»، فرد عليهم رئيس الوزراء بما نشرته البروجريه، وتبيَّن للناس جميعًا أن جمهور القرَّاء ورئيس الوزراء سواء في العلم والجهل بما يجري من الحوادث من مجلس الأمن، وفي جامعة الأمم المتحدة!

وما دامت هذه الأحاديث متصلة بشئون السياسة العالمية، تريد أن تبصِّر القرَّاء بحقائق هذه الشئون، فمن الطبيعي أن نتحدث عمَّا يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا مما يتصل بهذه الشئون.

وأهم ما يجري هناك من الأحداث والخطوب ما يتصل بمجلس الأمن؛ فقد أُثيرت في مجلس الأمن قضايا ثلاث؛ أولاها: قضية إيران. أثارتها الحكومة الإيرانية المستقيلة متأثرة بالبريطانيين فيما ظن الروس، أو غير متأثرة بهم فيما قال البريطانيون أنفسهم. وقد نوقشت هذه القضية في مجلس الأمن مناقشة لا يمكن أن يُقال إنها كانت طويلة أو عميقة، وإنما يمكن أن يُقال إنها انتهت إلى نتيجتين ظاهرتين؛ إحداهما: التخلية بين إيران وروسيا؛ لتحلا بالمفاوضات الخاصة ما يكون بينهما من المشكلات، على أن يطَّلع مجلس الأمن بين حين وحين على ما تتكشف المفاوضات عنه من اتفاق أو اختلاف.

ومعنى ذلك أن روسيا ظفرت في هذه القضية، فروسيا هي صاحبة القوة والبأس، والمفاوضات بين الأقوياء والضعفاء معروفة النتائج. وليس من المحقق أن روسيا تريد أن تعتدي اعتداءً عنيفًا مكشوفًا على إيران. وأكبر الظن أن روسيا تريد أن تحتاط لمصالحها السياسية والاقتصادية، وأن تمسك إيران في هذا البدع القديم الجديد الذي يُسمَّى مناطق النفوذ.

النتيجة الثانية: أن هذه القضية الإيرانية أتاحت لروسيا أن تحاسب حليفتها الغربية بريطانيا العظمى حسابًا لا يخلو من عسر، وأن تعرض المشكلات الخطيرة التي تواجه بريطانيا العظمى على الرأي العالمي العام عرضًا لا يخلو من عنف؛ فقد أثارت روسيا القضية الثانية؛ وهي قضية اليونان. وقد يظن بعض الناس أن روسيا أخفقت في هذه القضية؛ فقد اشتد الجدل حولها، وتحرجت الأمور، ووقف الحليفان موقفًا يوشك أن يكون عدائيًّا، ثم نزلت روسيا آخر الأمر عن اقتراحها، وانتهى المشكل عند هذا الحد في ظاهر الأمر.

ولكن المحقق أن العالم قد وقف على ما بين الحليفين من اختلاف أولًا، وأن المياسرين من الشعب اليوناني قد تشددوا في موقفهم وقرروا مقاطعة الانتخابات، إلا إذا أُجيبوا إلى ما فرضوا من الشروط؛ فالمسألة اليونانية لم تنتهِ بعدُ، وليس أمرها خفيًّا على الناس ولا على الشعب اليوناني نفسه.

ثم أتاحت القضية الإيرانية لأوكرانيا أن تثير في مجلس الأمن قضية إندونيسيا، وقد طالت المناقشة في هذه القضية وتعقدت واشتد تشعبها، وانتهت أمس برفض ما طلبت أوكرانيا، ولكن روسيا قد انتهت من ذلك إلى ما كانت تريد؛ فهي أظهرت ما بين الحليفين العظيمين من اختلاف، وأظهرت أسباب هذا الاختلاف، ووقفت نفسها موقف المدافع عن الشعوب الضعيفة، المطالب لها بالحرية والاستقلال. وقد يكون هذا صحيحًا وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الشعوب لا تُحقق ولا تُدقق ولا تَستقصي، وهي إذا احتاجت إلى المعونة التمستها حيث تجدها، وهي ترى أن روسيا تُظهر عطفًا وتأييدًا لها؛ ولهذا كله نتائجه البعيدة.

وأكبر الظن أن روسيا إنما ترمي إلى هذه النتائج البعيدة أكثر مما ترمي إلى أي شيء آخر، فلم تكن روسيا من السذاجة بحيث تظن أن البريطانيين سيسحبون جنودهم من اليونان أو من إندونيسيا، وإنما هي سياسة وخز الإبر من ناحية، والتحبب إلى الشعوب الضعيفة من ناحية أخرى.

وهناك قضية رابعة عُرضت على مجلس الأمن، وهي قضية سوريا ولبنان، وواضح أن روسيا ستقف فيها موقف التأييد لإخواننا السوريين واللبنانيين، إلا إذا حلت هذه القضية بالمفاوضة، ولم يحتج المجلس إلى أن ينظر فيها؛ فالشيء الذي ليس فيه شك هو أن مجلس الأمن — الذي أُنشئ ليكفل السلم، ويضمن للشعوب حقها في الحرية والعدل المساواة — أظهر إلى الآن أنه قادر على شيئين اثنين؛ الأول: تمكين الدول الكبيرة من أن ينافس بعضها بعضًا، ويهتك بعضها ستر بعض، والثاني: تمكين هذه الدول الكبيرة من أن تستمسك بما في يدها من البأس والسلطان، وأن تحتفظ بجنودها حيث تشاء.

وستكون القضية السورية اللبنانية اختبارًا نهائيًّا لمجلس الأمن، أو لنيَّات الدول الكبرى، فإن صدقت هذه النيَّات جلا البريطانيون والفرنسيون فورًا عن هذين القطرين، وإن لم تصدق، وكان مجلس الأمن جادًّا منتجًا، أكْرَه البريطانيين والفرنسيين على هذا الجلاء، فإن لم يفعل زال كل شك في النفوس، واستيقنت الشعوب الضعيفة أن كل ما يجري في لندرة ليس إلا لعبًا.

هذا بعض ما يجري هناك، فأما ما يجري هنا فطريف لا يخلو من فكاهة، وإن كانت فكاهة مرة مؤذية؛ فلمصر وفد في جماعة الأمم المتحدة، وهذا الوفد يمثلها كذلك في مجلس الأمن، بعد أن انتخبت عضوًا فيه، ولكن مصر — حكومةً وبرلمانًا وشعبًا — لا تكاد تعرف من سياسة هذا الوفد في لندرة شيئًا، وإنما هي تتلقى المفاجآت تأتيها بها الأخبار ذات صباح أو ذات مساء، فتضطرب ويختلط عليها الأمر، وتمتلئ الصحف ضجيجًا وعجيجًا، ويمتلئ البرلمان إنكارًا واحتجاجًا، ويستقيل بعض الوزراء، ثم تهدأ العاصفة وتستقر الأمور كأن لم يكن شيء.

وقع هذا حين صرَّح وزير الخارجية بما صرَّح به، حتى ظن الناس أن كل شيء قد زال من موضعه، ثم استقرت الأمور وانتُخب وزير الخارجية قاضيًا في محكمة العدل، فأرسل إليه رئيس الوزراء تهنئته وتهنئة زملائه، وتقديره وتقدير زملائه، ومنهم الذين كانوا مستقيلين.

ووقع هذا حين تحدث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن؛ فاضطربت الصحف، وضجَّ البرلمان، واحتج قوم بما نشرت «الأهرام»، واحتج رئيس الوزراء بما نشرت «البروجريه»، وقالت «الأهرام»: إن ما نشرته هو الصحيح، وعزته إلى مصدره المسئول، ولم تقل «البروجريه» شيئًا إلى الآن.

والمهم هو أن سمعة مصر السياسية قد تعرضت لشر عظيم. قال وزير الخارجية إن مجلس الأمن غير مختص بشئون البلاد العربية، فقررت سوريا ولبنان عرض قضيتهما وقضية فلسطين على مجلس الأمن. ومعنى ذلك أنهما رفضا رأي وزير الخارجية المصرية، ويقال: إن بعض الحكومات العربية قد احتجت على هذا الرأي، ومعنى ذلك أيضًا أن وحدة الجامعة العربية قد تعرضت لشيء من الشر، فقال راديو موسكو: إن عاصمتها انتقلت من القاهرة إلى بغداد، وقالت جريدة الموند — وهي كبرى الصحف الفرنسية: إن ممثل مصر في مجلس الأمن قد لا يستطيع أن يؤيد سوريا ولبنان؛ لأنه قد يُسأل عن موقف البريطانيين في مصر.

ثم تحدث ممدوح بك رياض، فلم يزد على أن أظهر مصر مؤيدة للإنجليز والهولنديين تأييدًا ملتويًا، ولكنه تأييد على كل حال. وكان الحق على مصر أن تكون أسرع إلى تأييد إندونيسيا من أوكرانيا، وكان الحق على ممدوح بك رياض أن يكون أسرع إلى تأييد الشعب الإندونيسي من الرفيقين مالولوسكي وفيشنسكي، وكان الحق على الحكومة المصرية أن ترسم الخطة دقيقة مفصلة لممثليها، وأن تكون على علم دقيق مفصل بما يقول هؤلاء الممثلون وما يعملون.

ولكننا حين نريد أن نعتذر عن الحكومة المصرية ونحسن الظن بأعضائها وممثليها — لأنهم مصريون آخر الأمر — نضطر مع الأسف الشديد إلى أن نعتذر منهم بما لا يسرنا ولا يرضيهم؛ وهو أنهم حديثو عهد بالسياسة الدولية لم يَمرَسوا بها، ولم يُمرَّنوا عليها؛ فهم يتورطون في الخطأ المؤلم بين حين وحين.

ليتنا لم نُنْتخَب في مجلس الأمن هذا العام!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.