لسنا ننتقل بعيدًا إذا انتقلنا من القداسة إلى سر الحياة وسر الخلود.

كتب إلينا الطالب الطبي السيد «عزت عبد الرحمن شعلان»، يقول تعقيبًا على كلامنا في اليوميات عن ولادة العذراء وعمل الصبغيات: «إن هذا الذي ذكرتم صحيح من غير شك من الوجهة العلمية، ولكني قرأت لكم في كتابكم «هذه الشجرة» صفحة ١٧١ أنه من عجائب الاختلاف العريق بين خصائص الذكورة وخصائص الأنوثة أن عدد الصبغيات في خلية الذكر سبعة وأربعون وفي خلية الأنثى ثمانية وأربعون، والذي يحدث عند اللقاح أن خلية الذكر تنقسم نصفين وخلية الأنثى تنقسم نصفين ثم يتقابل نصف من هذه ونصف من تلك، فإذا كانا عند الامتزاج يؤلفان ثمانية وأربعين فالمولود الذي يتخلق من هذه الخلية أنثى، وإذا كانا يؤلفان سبعة وأربعين فالمولود الذي يتخلق من الخلية ذكر، وكأنما النواة الكثيرة الحركة هي العوض في خلية الذكر من الصبغي الناقص فيها.

… وأرى في الكلام الأخير شيئًا من الغموض قد يعارض ما ذكرتم في اليوميات؛ ولذلك أرجو أن تتفضلوا بتوضيحه في بعض مقالاتكم.»

ولا نحسب أن الطالب الأديب يعني بالغموض أننا ذكرنا في اليوميات أربعة وعشرين صبغيًّا، وذكرنا في كتاب «هذه الشجرة» ثمانية وأربعين؛ فإنه يعلم ولا شك أن البويضة الملقحة تشتمل على أزواج من الصبغيات يُحسب كل زوج متشاكل منها واحدًا، ويُحسب عند الانقسام اثنين.

غير أنه يشير بالغموض فيما نظن إلى الصبغي الناقص، ولا محل هنا للشرح المفصل بل يكفي الإلماع إليه ليرجع إليه الطالب الأديب في مصادره وهي أوفر لديه، وأولها كتاب «تطور الجنس» لمؤلفَيْه أرثر تومسون Arthur Thomson وباتريك جيدس Patrick Geddes.

ولا شك أن الطالب الطبي يعلم أن الجنسية المتشاكلة Homogametic، تُخرج الصبغيات من نوع حرف الإكس x، وأن الجنسية المختلفة Heterogametic، إما أن يكون فيها صبغي من هذا النوع وصبغي من نوع حرف الواي y أو لا شيء، وهذا ما يبدو أنه نقص ونعلله بما ذكرناه في كتاب «هذه الشجرة» مستطردين فيه من تعليل صاحبَي كتاب «تطور الجنس» إلى النتيجة التي يقتضيها.

ويبقى سر الخلود

وأما سر الخلود فهو زعم الطبيب الإنجليزي الذي نُقلت عنه الأخبار أنه يقول بإمكان امتداد الحياة إلى غير انتهاء، وأن الشيخوخة ليست ضربة لازب على الأحياء من بني الإنسان.

وماذا تصنع إذا كانت أخبار البرق تفرض علينا في هذه الأيام وظيفة الشرطي الذي يلاحق كل مسروق من الآراء يدعيه مَن يزعم السبق إليه؟

إن الباحثين في سر الشيخوخة قرروا منذ سنوات أن الشيخوخة ليست دورًا من أدوار الحياة كدور التسنين ودور المراهقة ودور الاستواء وتمام التكوين بالوظائف والعظام، ولكنها — أي الشيخوخة — حالة سلبية تنشأ حين تضعف الخلايا عن المقاومة وعملية الإصلاح والتعويض، وأن تزويد الخلايا بالقدرة على امتداد هذه العملية ممكن بتنظيم أعمال الغدد الصماء، على شريط التوازن بينها في التنشيط والإفراز.

ويأتي الخطر أحيانًا من هذه العملية نفسها إن لم تتوازن في نشاطها.

فمن تجارب الدكتور هانس سيل Hans Seyleبمونتريال أن الجسم إذا أرهقه الجهد والتعب، نشطت الغدة النخامية والغدة الكظرية لمضاعفة الإفراز لتعويض النقص، فيأتي الخلل من هذا الإفراط، وقد عمد إلى استئصال الغدة النخامية من بعض الحيوانات ثم عرضها للبرد والحر والضجيج والحركة فلم يحدث في باطنها ذلك الخلل الذي ينجم عن فرط النشاط من الغدة النخامية، وجرب استئصال الغدة الكظرية فحدث الخلل قليلًا كأنها لا تبلغ في إفراطها ما تبلغه الغدة الأخرى من الطغيان على الوظائف الجسدية.

ولكن ترى هل تتكرر هذه «اللعبة» في الإنسان مع الأمان من العاقبة؟ وهل يتأتى وزن التعادل بين الغدد وإفرازاتها على قدر المجهود أو الضعف عن المقاومة، وعلى قدر الحاجة الدقيقة إلى كل إفراز من كل غدة في حينه وعلى حسب الغرض الطبيعي منه؟

قبل أن يتحقق ذلك نخشى أن تكون حيلة الطبيب في رد الشيخوخة كحيلة «حمَّام التلات اللي يرجع العواجيز بنات».

وأين هو حمَّام «التلات» في شبابه المأسوف عليه؟

فإن لم تكن حيلة صاحبنا كحيلة هذا الحمَّام، فأغلب الظن أنها كحقنة ستالين، مات ستالين والناس يتكلمون عن أعاجيبها في رد الشيخوخة إلى الشباب.

والبقية في عمر الطبيب المبشر بحياة الخلود.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.