تستطيع الحوادث أن تزدحم؛ فقد تعلم المصريون من سعد كيف يثبتون لها، وتستطيع الكوارث أن تدلهم؛ فقد تعلم المصريون من سعد كيف يخلصون منها، وتستطيع المحن أن تتصل؛ فقد تعلم المصريون من سعد كيف يهزءون بها، وتستطيع الخطوب أن يركب بعضها بعضًا؛ فقد تعلم المصريون من سعد كيف يظهرون عليها.

ثم تستطيع الأيام أن تهزل وتجد؛ فقد تعلم المصريون من سعد كيف يلقون الأيام بمثل ما تلقاهم به من هزل وجد. لن يرى أعداء مصر والكائدون لها والماكرون بها، من مصر إلا ما يَسُوءُهم ويَنوءُهم، ويفسد عليهم ما يدبرون من كيد، وما يضمرون من مكر، وما يُهيِّئون من مكروه؛ لأن للمصريين أستاذًا عرف كيف يصل إلى قلوبهم، فيستقر فيها، ويملؤها قوة، وذكاء، وثباتًا، وحزمًا، وعرف كيف يبلغ نفوسهم فيسيطر عليها، ويعصمها من الضعف والوهن، ويحميها من الفرق والخوف، ويرفعها عن اليأس والقنوط.

ثم عرف كيف يتغلغل إلى ضمائرهم فيملؤها حياة وقوة، ويفيض عليها نقاء وصفاء، ويشيع فيها هذا الإحساس الدقيق الملح الذي يمنعها أن تقبل الضيم، ويرفعها عن أن تذعن للذل، ويحميها من أن تشك في الحق، ويعصمها من أن تُفرِّط في الواجب، ويُكبرها عن أن تُقصِّر في ذات الوطن، ويجعل الموت آثر عندها وأحب إليها من أن ترضى الدنية، أو تقبل من أعدائها وخصومها ما لا تستطيع أن تقبله ضمائر الشعب الكريم.

تستطيع الأيام أن تكيد لمصر، وأن تمكر بمصر، وأن تلقى مصر بالحرب سرًّا وإعلانًا؛ فقد تعلمت مصر القديمة من تاريخها المجيد، وتعلمت مصر الحديثة من زعيمها العظيم كيف تقهران الزمان، وكيف تظهران على طغيان الطغاة وظلم الظالمين.

إن كل ما ألم بمصر من مكروه منذ مات سعد قد ألم بها في حياة سعد، وقد عرف سعد كيف يلقى المكروه، ويصبر عليه، ويخلص منه، وعلم أبناءه المصريين كيف يتأثرونه، ويسيرون سيرته، ويتخذونه لهم إمامًا.

إن بسط المستعمرون سلطانهم، وأسرفوا في عدوانهم على مصر، بعد أن مات سعد، فقد بسطوا السلطان وأسرفوا في الطغيان في حياة سعد، فعرف سعد كيف يتقي هذا السلطان المبسوط، وكيف يرد هذا الطغيان المسرف، وعرف منه المصريون كيف يلقون ظلم المستعمرين، وكيف يخلصون من طغيان الطاغين.

إن سفك الظالمون دماء المصريين بعد موت سعد، فقد سفك الظالمون دماء المصريين في حياة سعد، فعلمهم كيف تطيب النفوس الحرة عن الدماء الزكية في سبيل الوطن الحر. إن نكب المصريون بالتفريق والتشريد، وبالسجون المظلمة، فقد نكبوا بهذا كله في حياة سعد، وكان سعد أول من نكب بهذا كله منهم، فعلمهم كيف يلقون هذا كله بهذه الابتسامة الساخرة الصابرة التي يجب أن تكون رمزًا لمصر الخالدة، ولروح سعد العظيم.

إن نكب المصريون في دستورهم بعد موت سعد؛ فقد نكب المصريون في دستورهم أثناء حياة سعد، فعلمهم سعد كيف يكون الإصرار على الحق، وكيف يرفع الرجل الكريم نفسه عن اللين في غير موضع اللين، وعن التهاون فيما لا ينبغي التهاون فيه، وعلمهم كيف تكون هذه المقاومة التي يحسبها الظالمون عجزًا، وهي القدرة كل القدرة، ويظنها المستبدون استسلامًا، وهي الإباء كل الإباء، ويراها الطغاة وسيلة إلى الخضوع والإذعان، وهي وسيلة الظفر وطريق الفوز.

ثم إن ألح الإنجليز في المكر والغدر، وفي الوعد حينًا، والوعيد حينًا آخر، وفي الابتسام طورًا، والعبوس طورًا آخر، وفي المداورة والمناورة بعد موت سعد، فقد ألح الإنجليز في هذا كله أثناء حياة سعد على المصريين، فعلمهم سعد كيف يلقون هذا كله مؤمنين بالحق، مُصرِّين عليه، جادِّين في طلبه، لا يخدعهم وعد، ولا يخيفهم وعيد، يمضون أمامهم في طريق مستقيمة لا تعوَجُّ ولا تلتوي، إلى غاية واضحة بينة مرفوعة الأعلام، لا تخفى إلا على الذين يؤثرون أنفسهم على أمتهم، ويقدمون منافعهم على منافع الوطن.

كل ما تبلوه مصر من خير وشر، وكل ما تذوقه مصر من حلو ومر في هذه الأيام، بعد أن مات سعد، قد بلته مصر، وذاقته مصر في تلك الأيام حين كان سعد حيًّا، وقد رأت مصر سعدًا وهو يبلو ما تبلو، ويذوق ما تذوق، ويرسم لها طريق الظفر، وينهج لها منهج الفوز، ويتقدمها إلى التضحية إن كانت الحاجة إلى التضحية، ويتبعها إلى اجتناء الثمرات إن أتيح لها اجتناء الثمرات.

لقد عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين، وكيف يملئوها بشخصه العظيم، فما قدرت عليه مصر في حياة سعد، ستقدر عليه دائمًا بعد موت سعد؛ لأن هذه القدوة الصالحة التي أقامها هذا الرجل العظيم لا يمكن أن تضعف، ولا أن يبلغها الفناء إذا ضاق المستعمرون بإباء مصر للاستعمار، ومقاومتها لما يهيئوا لها من كيد، وإذا ضاق الطغاة برفض مصر للطغيان، ومناوأتها لما يدبر لها من مكر.

وإذا سأل أولئك وهؤلاء عن مصدر هذا الرفض وذلك الإباء، وعن مصدر هذه المقاومة التي لا تعرف ضعفًا ولا فتورًا؛ فليعلم أولئك وهؤلاء أن مصدر هذا كله هو القدوة الصالحة التي أقامها سعد للمصريين، إن كان المستعمرون قد أرضوا سعدًا عن الاستعمار، فسيرضون عنه المصريين، إن كان الطغاة قد أذلوا سعدًا للطغيان، فسيذلون له المصريين، إن كان أولئك وهؤلاء قد استطاعوا أن يحملوا سعدًا على الضيم، أو يسوموه الخسف، أو يأخذوه بما لا يرضاه الرجل الكريم، فسيبلغون هذا كله من المصريين.

ولكن حياة سعد ماثلة أمام المستعمرين، ماثلة أمام الطغاة، وأولئك وهؤلاء يعلمون حق العلم أنهم قد سلطوا على سعد ما استطاعوا من ألوان الترغيب والترهيب، ومن صنوف الوعد والوعيد، فلم يظفروا منه إلا بهذه الابتسامة الساخرة التي يجب أن تكون رمزًا لمصر الخالدة، ولسعد العظيم.

إن كان المستعمرون والطغاة يريدون أن يحاربوا إباء المصريين للضيم، ورفض المصريين للذل، وحرص المصريين على الحرية، وحب المصريين للعزة والاستقلال؛ فليحاربوا سعدًا؛ فسعد مصدر هذا كله في نفوس المصريين، وفي قلوب المصريين جميعًا.

وإن المستعمرين والطغاة ليعلمون حق العلم أنهم قد حاربوا سعدًا في حياته فلم يبلغوا منه شيئًا، وإنهم ليعلمون حق العلم أن حرب الموتى، ولا سيما حين يكونون عظماء، أصعب مراسًا وأشد بأسًا من حرب الأحياء، على أنهم قد جاهدوا روح سعد ما وسعهم الجهاد، جدُّوا في أن ينساه الناس، فما زاد الناس له إلا ذكرًا، جدوا في أن تنصرف عنه القلوب، فما زادت القلوب له إلا حبًّا، جدوا في أن يقيموا للناس مكانه صورًا وأشخاصًا، وأشباحًا وأشكالًا؛ فلم يظفروا بنظرة من الناس إلى ما أقاموا لهم من هذا كله.

ها هم أولاء يحاربون سعدًا في قبره، فيأبونه عليه وقد أرادته الأمة له، فماذا يبلغون حين يتخذون هذا القبر مقرًّا للفراعنة الخالدين؟ أتراهم يصرفون الناس عن ذلك القبر العظيم الطاهر القائم في الصحراء؟ أتراهم يقنعون الناس بأن هذا القبر الجديد قد أصبح دارًا خالصة لأضيافه من الفراعنة الخالدين؟ ها هم أولاء يحاربون تماثيله فيحرمون عليها أرض مصر، وجو مصر، ويحرمون على عيون الناس أن تنظر إليها، أفتراهم يزيدون على أن يقيموا هذه التماثيل بأيديهم في قلوب المصريين جميعًا؟

ها هم هؤلاء يحاربون آثار سعد في كل شيء، أفتراهم يمحون منها أثرًا؟! أفتراهم يزيدون على أن يدفعوا الناس إليها دفعًا، ويفعمون نفوس الناس بها إفعامًا؟

لقد حاربوا سعدًا حيًّا فلم يبلغوا منه شيئًا، وها هم أولاء يحاربون سعدًا ميتًا منذ سبعة أعوام، فلا يبلغون منه شيئًا، وما نظن أنهم قد استيأسوا، وما نظن أنهم قد قنعوا بما أصابهم من هزيمة، ولكننا مستيقنون بأنهم سينتهون غدًا أو بعد غد إلى اليأس وهم راغمون، وإذا عجزوا عن قهر سعد الخالد، فسيعجزون عن قهر مصر الخالدة، وسينظرون راضين وكارهين إلى المصريين وهم يسلكون ما رسم لهم سعد من طريق، ويهتدون لما أقام لهم سعد من علم، ويبلغون ما نصب لهم سعد من غاية، ويظفرون بما أراد لهم من حرية واستقلال.

لقد أصبح حب سعد في مصر وفي الشرق شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وظلها مبسوط على النفوس كلها، وعلى القلوب كلها، وعلى الأجيال القائمة، وعلى الأجيال الناشئة؛ فليس إلى استئصال هذه الشجرة، ولا إلى تضييق ظلها من سبيل. إذا لم يكن بد من اليأس؛ فلن يضطر إليه إلا الظالمون، لأنهم يحاولون ما لا نفع في محاولته، ويطلبون ما لا سبيل إلى الظفر به، وإذا لم يكن بد من الأمل؛ فلن ينعم به إلا المصريون، لأنهم يسايرون الطبيعة، ويجارون سنن الحياة، ويستضيئون بسراج منير لا يمكن أن يخبو نوره، ولا أن تخمد جذوته الخالدة.

إن المصريين ليذكرون سعدًا اليوم كما يذكرونه كل يوم، وإنهم ليحيون ذكراه هذا العام كما أحيوه في الأعوام الماضية، وكما سيحيونه في الأعوام المقبلة؛ فلينظر الذين حاربوا سعدًا — وما زالوا يحاربونه — إلى أين انتهت بهم الحرب.

وليعلم الذين حاربوا مصر — وما يزالون يحاربونها — أن حربهم هذه الآثمة لن تنتهي بهم إلا إلى ما يكرهون، وإلى ما يحب المصريون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.