أراد كليمنصو في أول هذا القرن أن يُصوِّر عَبثَ الناس بعضهم ببعض، وخداعهم بعضهم لبعض، وما يصطنعون في صلاتهم الخاصة والعامة من ضروب النفاق والغش والتضليل، فوضع قصة تمثيلية من فصل واحد سماها «نقاب السعادة»، ووُفِّق إلى الإجادة فيها كل التوفيق، فأدرك الغرض الذي كان يرمي إليه في رشاقة لفظ، وحلاوة أسلوب، وخفة روح، وبصر بحاجات الناس ومقدرتهم على احتمال الحق وإساغته، ولكنه مع هذا كله لم يظفر برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، ولعله تعرض للسخط والهزيمة، ولعله أوشك أن تُنال قصته بالأذى؛ فقد مُثِّلت هذه القصة في سنة ١٩٠٠م في بعض ملاعب باريس فلم يحفل الناس بها، ولم يُثنِ عليها النقاد إلا ثناء يسيرًا مصدره في أكبر الظن مكانة الكاتب في الأدب والسياسة والاجتماع.

ثم مُثِّلت بعد ذلك بعشر سنين، فلم يكن حظها في المرة الثانية خيرًا من حظها في المرة الأولى، ونشرتها في هذه الأيام مجلة اللاللستراسيون بمناسبة موت كليمنصو، وما نظن إلا أن الناس سيقرءونها في فُتورٍ كما شهدوا تمثيلها في فُتورٍ.

وآية ذلك أن مجلة اللاللستراسيون تركتها ثلاثين سنة ولم تنشرها إلا بعد أن مات صاحبها، مع أنها تنشر من القصص التمثيلية الجيد والرديء، والقَيِّم والسخيف، ومع هذا فقد احتاط كليمنصو في قصته احتياطًا كثيرًا؛ فزعم أن حوادثها تقع في الصين، لا في باريس ولا في فرنسا ولا في أوروبا، ولا في بلد من هذه البلاد التي تتصل بالفرنسيين اتصالًا قريبًا أو بعيدًا، واتخذ الرمز سبيله في هذه القصة، فلم يصارح الناس بأنهم منافقون أو مخادعون، ولم يعرض لنظام بعينه من نظمهم السياسية والاجتماعية، وإنما تصور رجلًا من أغنياء الصين وأشرافها كُفَّ بصرُه، فاحتمل محنته هذه سعيدًا مغتبطًا؛ لأنه لم يكن يحس من حوله إلا إخلاصًا ووفاءً، وعناية به وحرصًا على إرضائه.

كان يحس من أصدقائه مودة لا تشبهها مودة، وكان يحس من ابنه برًّا لا يقاربه بر، وكان يرى زوجه المثل الأعلى للعفة والوفاء والإخلاص على جمالها الجسمي والنفسي.

وكان شاعرًا بارعًا في الشعر، وقد عرض عليه بعض الأطباء الأوروبيين أن يرد إلى عينيه ملكة الإبصار، فقبل على شكٍّ شديد وتردد كثير؛ لأنه لا يثق بالأوروبيين ولا يطمئن إليهم، وتحدَّث إلى صديق من أصدقائه في ذلك فشاركه في الشك، وحذره الأوربيين؛ لأنهم جنود الشيطان، على أنه قبل عرض الأوروبي مستيئسًا، وكتم قبوله هذا عن أكثر من يليه من الناس.

ونحن نراه في أثناء القصة سعيدًا مغتبطًا يتغنى بما قدمنا من وفاء أصدقائه له، وبر ابنه به، وتضحية امرأته في سبيله، ونراه مستمتعًا بحظه من السعادة حتى إنه ليحب أن يشاركه فيه الناس جميعًا، ويدخل عليه بائس قد قُضِي بنفيه وهو يسير إلى منفاه ذليلًا مهينًا يعذبه الجوع، فيعينه بالمال والكسوة مُتَعرِّضًا بذلك لسخط الحكومة.

وقد أراد الله أن يتم عليه نعمته، وينتهي به من السعادة إلى أقصاها، فيصل إليه رسول الإمبراطور يحمل إليه الهدايا والتحف ولقبًا جليلًا؛ لأن الإمبراطور قد اطَّلع على ديوان من دواوينه فأكبره، وأمر أن يُقرَأ في جميع أقطار الدولة، وعطف على صاحبه فأجلَّه وكرَّمه وأعطاه.

وصاحبنا ناعم البال، طيب النفس، يشرك أصحابه في سعادته فيشرب ويسقيهم، ويغني لهم لذة العيش، وجمال الطبيعة، وبهجة الحياة، ويغلبه الشراب فينام، ويتفرق عنه أصحابه حينًا، ثم يفيق من نومه وقد نجع دواء الأوروبي، فسقط عن عينيه النقاب، فهو يرى الأرض والشمس والسماء، ويرى ما حوله وهو دهش لهذه المعجزة، وهو لا يكاد يملك نفسه فرحًا واغتباطًا، ولكنه يرى رجلًا يتسلل إلى داره ويسرق بعض ما فيها من نقد ومتاع، وهذا الرجل هو البائس الذي أعانه صاحبنا بالمال والكسوة، وتضرع إلى الإمبراطور حتى عفا عنه.

ولكن صاحبنا سعيد، فهو يدع هذا الشقي وما أخذ، على أنه يسمع صوتًا فينهض وينظر في حجرة تليه؛ فإذا هو يرى ابنه قد أخذ يُقلِّد أباه في حركاته المضطربة، ساخرًا منه، هازئًا به، وأستاذه يُشجعه ويذكيه، ثم ينظر فإذا كتاب أمامه لا يكاد يحدق فيه حتى يعرف ديوانه الذي أجازه الإمبراطور من أجله، وقد نشره بعض أصدقائه وزعم أنه شاركه في إنشائه.

فانظر إليه وقد أفسدت كل هذه الأشياء سعادته وغبطته؛ فهذا صنيعته يسرقه، وهذا ابنه يسخر منه، وهذا صديقه يخونه في ديوانه، ولكنه على ذلك كله سعيد، فقد بقيت له امرأته، وهو يسرع إلى حجرته فإذا هي مغلقة، وإذا هو يحس فيها شيئًا، فإذا استَرَق النظَر رأى امرأته تأثم مع صديق له آخر؛ فيفقد صوابه أو يكاد، ثم لا يلبث أن يذكر أنه كان مكفوفًا وكان سعيدًا، وأن شفاءه مع هذه الآفة إنما هو أثر لذلك الطبيب الأوروبي؛ أليس الأوروبيون جنود الشيطان؟ أليس هذا الأوروبي الذي رد إليه البصر قد سحره وخيَّل إليه؟

بلى، إن كل ما يراه سحر من عمل الشيطان، فلم يسرق البائس، ولم يسخر الابن من أبيه، ولم يخن الصديق صديقه في ديوانه، ولم تأثم المرأة في عرضها. كل هذا سحر، ويجب أن يزول، وأي شيء أيسر من زواله؟

لقد كان الطبيب الأوروبي حدَّثه أن قليلًا من دوائه يردُّ البصر، وأن كثيرًا من هذا الدواء يذهب به، فما أسرع ما يهوي صاحبنا إلى الزجاجة فيصبها في عينه، وإذا صيحة تتبعها ظلمة منكرة قد أسدلت على عيني هذا الرجل فعاد مكفوفًا كما كان! وهو يدعو إليه أصحابه وامرأته فيُقبلون مبتسمين عابسين به كما كانوا يعبسون به من قبل، ويتلقاهم هو راضيًا سعيدًا؛ لأنه لا يحس منهم إلا ما يحب، وهو يتناول عوده فيغنيهم — كما كان يفعل منذ حين — لذة العيش، وجمال الطبيعة، وبهجة الحياة.

لم تظفر هذه القصة برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، وقد تكلف النقاد فعللوا هذا الإخفاق بأن في القصة طولًا هو بالخطابة أجدر منه بالتمثيل، ولكن التعليل الصحيح فيما يظهر هو أن هذه القصة لم تلائم هذا «الطاغية» الذي يتسلط على الأدب والأدباء في كثير من الأحيان؛ فيفسد عليه وعليهم كل شيء. وهذا «الطاغية» هو الذوق العام؛ فليس يكفي أن تنظم الشعر فتجيده، أو تكتب النثر فتحسنه، أو تضع القصة فتتقن وضعها لترضي الناس، وإنما يجب مع هذا كله، بل قبل هذا كله أن تُرضِيَ الذوق العام، وبعبارة أدق أن تتملق الذوق العام لترضي الناس.

وليست الإجادة الفنية وحدها، وليست إصابة الحق وحدها تكفي لإرضاء الذوق العام، بل يظهر أن شيئًا من تملق بعض العواطف والميول، شيئًا من النفاق الأدبي بعبارة صريحة، ضروري ليرضي الذوق، وليعجب الناس. وآية ذلك أنَّا نعجب الآن بطائفة من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة كرههم معاصروهم كرهًا شديدًا؛ فأهملوا بعضهم إهمالًا، وآذوا بعضهم إيذاءً، وقضوا على فريق منهم بالموت، فإذا التمسنا الأسباب التي اضطرت الناس إلى أن يهملوا هؤلاء الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة، أو يؤذوهم أو يقتلوهم، فلن نجد إلا سببًا واحدًا هو النفور بين الشخصيات الفردية القوية ونفوس الجماعات وما كان يصورها من ذوق عام.

هذا المفكر يرى في الدين رأيًا لا يلائم الجماعة فتنكره ثم تقاومه، ثم تؤذي صاحبه إيذاء يلائم مزاجها من جهة، ومقدار ما بينهما وبين هذا الرأي من التنافر من جهة أخرى.

وهذا الشاعر أو الكاتب يذهب في الفن الشعري أو النثري مذهبًا جديدًا فتنكره، ثم تقاومه مقاومة تختلف قوة وضعفًا باختلاف مزاج الجماعة وما بينه وبين المذهب الجديد من تنافر.

بعض الكُتَّاب والشعراء والمفكرين يؤثرون الراحة والعافية فيُماشون الجمهور، ويظفرون برضاه، وبعض الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة يؤثرون شخصياتهم أول الأمر، فإذا أحسوا مقاومة الجمهور ضعفوا وأذعنوا إذعانًا تامًّا، أو إذعانًا فيه شيء من المهارة والمداورة.

أولئك وهؤلاء يتبعون الجماعة، فهم ظلالها، وقليل جدًّا من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة يؤثرون شخصياتهم، فإذا أحسوا مقاومة الناس لم تزدهم هذه المقاومة إلا قوة وشدة، فتكون الحرب بينهم وبين الجماعة، وتختلف حظوظهم من الفوز والهزيمة باختلاف الظروف المعاصرة لهم، ولكنهم ينتهون في أكثر الأحيان إلى فوز محقق تظفر به آراؤهم ومذاهبهم، بعد أن تذهب أشخاصهم وينساهم الناس.

فأنت ترى أن حرية الأديب أسطورة من الأساطير، وأن من الإسراف والغرور أن يُنظر إليه كما ينظر إلى الرجل الذي يستمتع بحرية كاملة أو شبيهة بالكاملة، فقد رأيت في غير هذا الحديث أن الأديب مقيد في الإنتاج الأدبي نفسه بمزاجه وطبيعته، فهو لا يقدر على أن ينتج ما تريد، وإنما هو ينتج ما يستطيع، وأنت ترى الآن أنه قلما يستطيع إذاعة كل ما ينتجه، وإنما هو مقيد في ذلك بالبيئة التي يعيش فيها أو بالذوق العام.

وأنت تعلم أن هناك سلطانًا آخر يقيد الأديب ويغله في الإنتاج وإذاعة ما ينتج، وهو سلطان الحكومة، تهيمن على حماية المظاهر العامة للحياة الاجتماعية؛ كالدين والأخلاق والنظم المختلفة، أفبعد هذا كله تذكر حرية الأدباء في الإنتاج والإذاعة دون أن تقترن بهذا الذكر ابتسامة ملؤها السخرية والإشفاق؟ ليس الأدباء أحرارًا، وإنما هم مغلولون، ومَن يدري لعل من هذه الأغلال ما يحمي الأدباء أنفسهم ويحمي الجماعات من شر كثير؛ فليست الحرية كلها خيرًا، وليست الأغلال كلها شرًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.