… الفرق شاسع بين المجنون والعبقري؛ فالأول — وهو المجنون — لا يكاد العالم يشعر بوجوده ولعله هو لا يشعر بوجود نفسه، ونقول عنه إنه شاذ … والعبقري يقال عنه أيضًا إنه «شاذ» لمخالفته سائر الناس، وهو ذو فضل على الناس بما يجنيه المجتمع من ثمرات بحوثه واختراعاته ومجهوداته، فهل من الإنصاف والوفاء أن نُطلِق عليه وصف الشذوذ، ونسوِّي بهذه الصفة بينه وبين المجانين؟ ألا يوجد فرق بين المجنون والعبقري؟ أرجو توضيح ذلك — إن سمحتم — بيوميات الأخبار.

إبراهيم محمود رضوان، طلخا، شارع المنشية

إن الذنب على الترجمة في مقابلة الكلمة الأجنبية بالشذوذ، وهي في لغتها موضوعة للدلالة على معنى الاستثناء، ومخالفة العادة الشائعة فيما يُستحسن وفيما يُستهجن على السواء، وهي كلمة Except Lonae.

فالعبقري مخالف للمألوف، والمجنون مخالف للمألوف، ولكنها مخالفة إلى الزيادة من جهة وإلى النقص من الجهة الأخرى، وبينهما فرق لا يلتبس في مظهره ولا في نتيجته، وهو الفرق بين الإنتاج والعقم، أو بين التفوُّق على المستوى والهبوط دونه درجات، قد ترتفع إلى الذروة العليا وقد تنحدر إلى الوهدة السفلى، ومن العقم أو من نتاج الشر والإيذاء.

ويظهر أن الكلمات التي تفيد الخروج على «المستوى» العام عُرضة لهذا الخلط بين الطرفين في كل اصطلاح تتداوله الألسنة ويطول به الاستعمال؛ فإن كلمة «النبوغ» في اللغة العربية تفيد معنى البروز والتميُّز من خط الاستواء بين الناس، فما زالت على الألسنة حتى دلت على «النابغة» وهو المتفوِّق العقلي، كما دلت على المرأة الناشزة المنبوذة من البيئة الشريفة … وكذلك كلمة الناشزة من النشز، وهو المحل المرتفع، والنشز وهو التمرُّد والخروج على العُرف المحمود.

وقد يقال عن العبقري إنه خارق للعادة فلا يسلَم بعد حين من معنًى مكروه من معاني الاختراق والمخرقة والخرق، وهو الحماقة والطيش، فلا حيلة إذن غير التفرِقة المعنوية بين دلالات الألفاظ، كما نفرق اليوم بين الشيء «المُحرَّم» من التحريم، وبين الشيء «المُحرَّم» من الحرمة والصيانة، وليست هي أول ضحية من ضحايا العبقرية، ولا أول مصيبة من مصائب الجنون.

رأينا في المرأة

… نغمة جديدة من العقاد في دفاعه الأخير عن قاسم أمين، فهل هي رأي جديد في المرأة غير الذي عرَفناه من مؤلف كتاب المرأة في القرآن الكريم؟

فتحية أحمد عبادة

بين أقدم كلام كتبته عن قاسم أمين، وأحدث كلام كتبته عنه خمسون سنة، لا اختلاف بينهما في الثناء والتقدير، بل لعل الكلام الأول أبلغ في الحماسة العاطفية والفكرية من الكلام الأخير.

كان كتاب «خلاصة اليومية» أول كتاب طبعته قبل خمسين سنة، وفيه أقول:

تحرير المرأة ليس من الأعمال الطنانة التي أكثر ما فيها دوي ورنين، ولكنه عمل هادئ رصين ينزوي في البيوت والخدور، لا يبرز إلا قليلًا على قوارع الطرقات، ولا يصرخ إلا نادرًا على منابر المنتديات.

فالمرأة المصرية مَدينةٌ لقاسم لأنها كانت سجينةً فأطلقها، وكانت أَمَةً فأعتقها، والأُمَّة المصرية مدينة لقاسم لأنها كانت شَلَّاءَ فأبرأها من ذلك الشلل الذي أمسك شقها عن الحركة دهورًا وأعوامًا، والإنسانية مدينة لقاسم لأنه أنقذها من رِقٍّ لا تجرؤ مصلحة الرقيق على مطاردته، والفخر في تحرير المرأة لا يزال الآن وبعد الآن من نصيب قاسم، أما من قَفَوْهُ في هذا المقصد فإنما درجوا على طريق بيِّنة الآثار.

ولا يرتفع الجديد من كلامي عن صاحب تحرير المرأة إلى مقامٍ أرفَعَ من هذا المقام في عرفان الفضل والإنصاف من أراجيف الجهلاء وأتباع التقليد والجمود.

وأحسب أن السيدة فتحية قد فَهِمَتْ على السماع أن تحرير المرأة مذهب لا أرضاه ولا أقول به من قديم، فإن كان هذا ما فهمته فهو خلاف الواقع الذي كتبتُه مرارًا عن المرأة عامة وعن نسائنا المشهورات؛ إذ ليس تحرير المرأة ما أعارضه وأناقش الداعين إليه، وإنما أعارض اللغط الذي يخالف العلم والواقع والتاريخ؛ لأن اللاغطين به يزعمون أن المرأة والرجل جنس واحد سواء في وظائف الجسم والعقل، وفي واجبات الحياة وحقوقها، ولا يذهب إلى هذا صاحبُ مذهب يتأمل لحظةً في معنى ما يذهب إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.