هو كتاب آخر موضوعه أبو نواس الشاعر العباسي، مؤلفه الأستاذ عبد الحليم عباس من أدباء عمان — شرقي الأردن — نشرته له مكتبة المعارف في سلسلة «اقرأ».

وقد تناولنا في مقال سابق كتاب الأستاذ صدقي، ونقول في هذا الفصل إن المؤلفَين الأديبَين يتشابهان في الإحاطة بأخبار أبي نواس وشعره، وقد أثبت الأستاذ صدقي في كتابه أسماء المراجع التي اعتمد عليها، أما الأستاذ عبد الحليم فأهمل ذلك، ولكن وفاء إحاطته بموضوعه ظاهر من كتابه بغير حاجة إلى ذكر المصادر أو المراجع.

وكتاب الأستاذ عبد الحليم أوجز ولكنه لم يترك شيئًا، وفيه — على إيجاز — بعض ما أهمله الأستاذ صدقي مما لا يقدم ولا يؤخر، ولكنه لا ترتيب له ولا نظام، وإن لم يكن هذا مما يصح أن يعاب به الكتاب.

وقد دافع عن أبي نواس في مواطن شتى، فنفى عنه ما علق به من جراء صحبته لوالبة، وليس لهذا قيمة، وصحيح أن فيما جرَّتْه عليه هذه الصحبة شكًّا غير قليل، وأن ما يُعزَى من الشعر القبيح إلى أبي نواس كله أو أكثره منحول على الأرجح، ولكن المهم والذي له قيمة هو أن صحبة والبة وأنداده عدلت بأبي نواس عن نهج إلى نهج، فلو أنه لم يعرف والبة ومن إليه من العيارين لكان الأرجح في الاحتمال أن تكون سبيله في الشعر وفيما يتناوله فيه من الأغراض غير ما صار إليه.

ونفى عنه الشعوبية أيضًا فأصاب، وهوَّن تهمة الزندقة وقال: «إن الشاعر يترجم عن عواطفه أولًا، وهذه العواطف تسكن وتثور، وترضى وتغضب، فتجيء بحالاتها هذه التي يترجمها الشاعر شعرًا بما يحمل على الإيمان وما يحمل على الجحود وفي الشيء ونقيضه، وقد يكون الشاعر لم يقصد هذا كله أو قصده في لحظة ولم يقصده في كل اللحظات، ويجيء مؤرخو الأدب فيقول أحدهم آمن الرجل، ويقول غيره بل أغرق في الإلحاد، وكلهم يدلل على قوله بحديث لحظة من تلك اللحظات التي مرت بحياة الشاعر، وليس هذا هو الحق والصواب، وإنما الحق والصواب أن تمزج هذه اللحظات التي تكون حياة الشاعر ثم يمزج معها حالة مزاجه، ويستخرج من هذا كله حديث الإيمان والجحود، وهكذا يجب أن يكون الأمر في زندقة النواسي.»

وبعد أن ساق طائفة من الشواهد انتهى إلى «أن حالة النواسي لم تكن لتساعده على زندقة مغرقة وكفر، ولكنها تساعده أتم مساعدة على التظرف بالاستهانة بألفاظ الدين … وأن حديث الزندقة عند النواسي هو حديث أعصاب متقلبة، وليس المستغرب منها هذه الحالات من الإيمان والتطرف الموفي على الزندقة، وإنما المستغرب أن تكون إلى غير هذه الحالات ما برحت مضطربة غير مستقرة».

وأنا أوافقه على جملة الرأي، ومن أصدق ما قاله الكاتب في أبي نواس أنه «لم يرتفع في ملذاته عن رغائب الحس القريبة التناول، ولم يشغل باله وخاطره بغيرها وبغير الحديث عنها، حتى الطبيعة إذا صار إلى وصفها لم يستطع أن يصف منها إلا الجانب الذي يراه طالب هذه اللذائذ، ففيها ورد وريحان، وفيها ماء وأغصان، وهذا مما يعين على الشراب، فكأنَّ هذه الطبيعة حانة لرواد الحانات بل هي ليست شيئًا، وخير من وصفها وصف الخمر».

وقوله: «ومن الظلم أن تحمل أعصاب النواسي (ما يجاوز طاقتها) ونطالبها بفلسفة فيما عدا الحديث العابث في الخمر واللهو وما يتبعهما من مجانة؛ إذ كنا لا نستطيع أن نقول للنواسي في معرض من معارض الفكر أصبتَ أو أخطأتَ ولا هو يطلب ذلك منا، ولكنه يطلب ويلح في الطلب ونستطيع أن نقول له أجدتَ في هذا الوصف وأبدعتَ في الشعر وأطربت، وبذلك نريح أنفسنا من عناء لا طائل تحته في البحث في ديوانه عن أبيات تستهدف غايات فلسفية أو هي من أبيات الحكمة، ثم نتخذها دليلًا على أن النواسي كانت له فلسفة وكان حكيمًا!»

وقوله: «إن شهرة النواسي تستمد من قوة شعره (ونحن نخالفه في وصف شعره بالقوة) وبراعة وصفه وتصويره، وتستمد أيضًا من هذه السيرة الداعرة، بل هي مدينة لهذه السيرة أكثر من دينها لقوة الشعر، وما كان ليخفى على النواسي — وهو الذكي — أية شهرة يمدها له سلوكه هذا إلى الجانب الذي يستهينه الشعراء.»

وقوله: «وكان النواسي يعلم أنه لا يجيد المديح إجادة العتاهي على الأخص، وأما الغزل فما نظنه كان يجهل أن شعره فيه تنقصه عواطف المحبين حقًّا، وقد جرب نفسه في البصرة فلم يأت بكبير طائل، فلم يبق إلا وصف الخمر والإغراق بهذا الوصف حتى يعرف بأنه شاعرها.»

ثم يقول: «ليس المعول في تقدير قيم الشعراء والأدباء على سلوك طريقة جديدة أو قديمة، وإنما هو على مقدار الإبداع في هذه الطريقة.»

وقد أطلنا الاقتباس؛ لأننا استغربنا أن ينتهي بعد هذه المقدمات إلى نتيجة لم تكن منتظرة، فقد جاء في ختام هذا الفصل أن منزلة أبي نواس منزلة رفيعة بلغها بحق وعن جدارة بهذا الشعر (الذي بين أيدينا)، وأن الركاكة القليلة التي لا يخلو منها شعره لا تضير هذه المجموعة والثروة الضخمة من شعره الذي هو من مفاخر الشعر العربي.

فأما أن أبا نواس شاعر فهذا ما لا شك فيه، وأما أن شعره ثروة ضخمة ومفخرة من مفاخر الشعر العربي، وأن الشاعر بلغ هذه المنزلة التي لا يزال يتبوأها بحقٍّ وعن جدارة — فهذا ما نخالف المؤلف فيه، فلسنا نراه أكثر من شاعر ظريف مجيد في بابه على قلة قيمته، يطيب للمرء أن يتسلى ويتلهى به في ساعات الفراغ حين يؤثر اللهو على الجد، ولكنه ليس بشاعر عظيم ولا من شعراء الطبقة الأولى، ولو ذهب شعره كله ما نقص الأدب العربي شيئًا يستحق الذكر أو الأسف، وما على القارئ إلا أن يسائل أيهما يخسر الأدب العربي بضياع شعره خسارة جسيمة، المعري والمتنبي وابن الرومي مثلًا، أم هذا النواسي؟ وأحسب أن الجواب مما لا يقع عليه الخلاف، وإذا نحن وصفنا أبا نواس بالعظمة، ووضعناه في الصف الأول فبماذا نصف المعري والمتنبي وأين نضعهما يا ترى؟ وأين يكون محل ابن الرومي وأبي تمام … إلخ، إلخ.

إنه شعر لهو وعبث يبتسم المرء وهو يقرؤه — وقد يرثي لقائله أحيانًا — ويتسلى به ويعجب ببراعته فيه، ولكنه لا يوسِّع أفق النفس أو العقل، ولا يعمِّق الشعور، ولا يترك أثرًا له شأن في الحياة.

كلا، لم يكن أبو نواس إنسانًا فحلًا، أو شاعرًا فحلًا، وإنما كان مخلوقًا ضعيفًا عجز عن النهوض بأعباء الحياة؛ فلاذ بالخمر وعكف عليها فرارًا وخورًا، وقد شرب غيرُه من الشعراء الخمر واستطابوها، ولكنهم لم يتضعضعوا كما تضعضع، ولم يجعلوا الحياة كلها «خمورًا وأمورًا» ولا شيء إلا الزق والقينة، وماذا تراه كان يصنع بالقينة وهو مخمور يحسب «الديك حمارًا»؟ وكأن الحياة داء وبلاء، ومعاناتها عذاب وأوجاع وشقاء، ومن الرحمة أن يحقن المرء بالمورفين ليستريح منها! وما الفرق بالله بين خمريات صاحبنا وكلام الحشاشين ومدمني المخدرات في طيب ما يفيدون من متعة؟ ولسنا ننظر بهذا القول إلى القيمة الأخلاقية للشعر ونضعها في المقام الأول، وإنما ننظر إلى قيمة الحياة نفسها وإلى معناها في نظر الشاعر، وقد أُعطِينَا الحياة لنحياها لا لنهرب منها ونغيب عنها، ولكفى بالموت غيبة طويلة.

وقد آن أن نضع كل شيء في موضعه، وأن نضبط موازيننا ونحكمها ونتقي أن نغالي أو نهول بشيء، وليس ألزم لنا من تصحيح الموازين والمقاييس القديمة الموروثة.

والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.