لماذا يتقاضى الرؤساء التنفيذيون الذين يجيدون لعب الجولف رواتب أعلى، على الرغم من أدائهم السيئ في سوق الأوراق المالية؟

حتى ترى مدى سهولة أن يقفز الذهن إلى استنتاجات خاطئة، حاول أن تشترك افتراضيًّا في تجربة صغيرة …

… تخيل أنك تُقدَّم إليك معلومات عن مجموعتين من الناس لا تعلم عنهما شيئًا. فلنسميهما الأزاليين والبيجونيين.

تُمنَح قائمة من السلوكيات الإيجابية والسلوكيات السلبية لكل مجموعة. فقد يتمثل أحد السلوكيات الإيجابية في رؤية أحد الأزاليين يعاون سيدة مسنة على عبور الطريق، وقد يتمثل أحد السلوكيات السيئة في تبول أحد البيجونيين في الشارع.

فتقرأ تلك القائمة التي تتضمن سلوكيات حسنة وأخرى سيئة للأزاليين والبيجونيين، ثم تصدر بعض الأحكام بشأنهما. ما عدد مرات صدور سلوكيات حسنة وسيئة عن كل منهما، وما هي تلك السلوكيات؟

ما سوف تلحظه هو أن البيجونيين يبدون مخادعين؛ فهم مَن تجدهم أكثر نزوعًا إلى إلقاء شرائح الهمبورجر داخل صناديق البريد ودق أجراس الأبواب ثم الجري بعيدًا. وعلى العكس منهم، تجد الأزاليين أكثر تعقُّلًا؛ هم ليسوا طاهري الذيل بالتأكيد، ولكنهم أشخاص أفضل بصفة عامة.

إنك قد تُسَرُّ بالحكم الذي أطلقته، ولكن استعد للصدمة. فسيتكشَّف لك لاحقًا أن نسبة السلوكيات الحسنة إلى السلوكيات السيئة لدى كل من الأزاليين والبيجونيين متطابقة تمامًا. فالأزاليون سُجِّل لهم ١٨ سلوكًا إيجابيًّا مقابل ٨ سلوكيات سلبية. أما البيجونيون فكانت النسبة ٩ سلوكيات إيجابية إلى ٤ سلبية.

وواقعيًّا، كل ما في الأمر أن المعلومات المتوفرة لديك عن البيجونيين كانت أقل. فما حدث أنك بنيت صلة وهمية بين السلوكيات السيئة الأكثر تكررًا وبين البيجونيين؛ إلا أنها لم تكن أكثر تكررًا، وإنما هكذا بدت فحسب.

وعندما تنتهي التجربة، تكتشف أن معظم الأشخاص الآخرين فعلوا الشيء ذاته مثلك، إذ خلصوا إلى أن البيجونيين أسوأ من الأزاليين.

تفسير الوهم

إنَّ تلك الطريقة التجريبية مستمدة في الواقع من دراسة كلاسيكية أجراها هاملتون وجيفورد (١٩٧٦)، تتمحور حول كيفية رؤيتنا للخِصال الإيجابية والخصال السلبية لدى الآخرين. ففي إطار التجربة، كوَّن الناس تصورات مختلفة عن المجموعتين، تصورًا حسنًا عن الأغلبية وآخرَ سيئًا عن الأقلية، لمجرد أن معلوماتهم عن الأغلبية أوفر. فليس من العسير أن نرى سبب احتمال إسهام تلك العملية في تكوُّن التحيز لدى المجتمع ككل.

المهم أن علماء النفس لم يتفقوا على كيفية تفسير مثل هذا الارتباط الوهمي وغيره.

يتمثل أحد التفسيرات في أن الناس يبالغون في تقييم القدرة التشخيصية للأحداث النادرة. وبعبارةٍ أخرى، إذا كان ثمة مرِّيخي واحد مقيم في شارعك وكان يستمع إلى موسيقى الجاز، فإنك ستميل إلى اعتقاد أن المريخيين كافة يحبون الجاز بالتأكيد. وفي المقابل، إذا كان نصف الشارع ممتلئًا بمريخيين يحترمون القانون، ولا يروق الجاز سوى لقليل منهم، فستظن أن الجاز لا تهتم به سوى قلة بينهم.

ويقول آخرون إن الارتباطات الوهمية منبعها كيفية عمل الذاكرة أو عملية التعلم وأنها قائمة على معلومات ناقصة لا أكثر. وأيًّا كان التفسير، فإننا نرى تلك الارتباطات الوهمية في كل مكان فعلًا.

الجولف وأسعار الأسهم

إليك مثالًا على نوع من الارتباط الوهمي أكثر فجاجة بكثير مأخوذ من عالم الرؤساء التنفيذيين. فعندما تكون بصدد تحديد راتب رئيس تنفيذي، ما العوامل التي تضعها في الاعتبار؟ أنا واثق من أنه يمكنك عدُّ بضعة عوامل، ولكن ماذا عن إجادته للجولف؟ هل يمكن أن تدفع لرئيس تنفيذي أكثر لأنه أكثر إجادةً للجولف؟ لا؟

نظر أحد التحليلات في الارتباط القائم بين إجادة رياضة الجولف ورواتب الرؤساء التنفيذيين في الولايات المتحدة الأمريكية (هوجارث وكوليف، ٢٠١٠)؛ فوجد أنه كلما زادت إجادتهم للجولف، ارتفعت رواتبهم. وفي المعتاد، يتقاضى مَن لا يلعبون الجولف أقل الرواتب.

وإليكم المفاجأة الكبرى: كلما زادت إجادة المديرين التنفيذيين للجولف، تدهوَر أداء أسهمهم في البورصة. فارتبطت إجادة الجولف في أذهان الناس بارتفاع الراتب، وإن كانت في الحقيقة مرتبطة بتدهور الأداء!

فنفترض في هذه الحالة أن ثمة ارتباطًا وهميًّا قائمًا هنا؛ فبصورة أو بأخرى من المفترض أن تستتبع إجادة شخص ما للجولف إجادته لأمور أخرى، مثل إدارة شركة متعددة الجنسيات، ولذا يتقاضون رواتب أعلى.

في عالم الأعمال، تتواجد جميع ضروب الارتباطات الوهمية في أسواق الأسهم. ومن المؤشرات التي يستخدمها المضاربون في البورصة أحيانًا بغية التنبؤ بتحركات الأسعار رسمٌ بيانيٌّ على شكل «رأس وكتفين»؛ فتشبه حركة أسعار الأسهم برأس شخص وكتفيه: أو بمعنى آخر، قمتان صغريان تتوسطهما قمة كبرى.

وعلى الرغم من أنه يُعتبَر مؤشرًا موثوقًا، ومتعلقًا بزيادة التداول، فإن شكل الرأس والكتفين لا يتنبأ بتقلبات الأسعار بصورة مثمرة (بيندر وسايمون، ٢٠١٢). فهو ليس أكثر من ارتباط وهمي آخر؛ مما تراه أذهاننا النهمة إلى المعنى في كل مكان.

إلا أن النوع المفضل لديَّ من الارتباطات الوهمية يشبه الحالة التي تشغَّل فيها مفتاح الإضاءة ثم تنقطع الكهرباء، أو عندما تضرب الأرض بقدميك وتسمع هزيم الرعد في الوقت ذاته. فللحظة، تشعر أنك خارق القوى.

Illusory Correlations: When The Mind Makes Connections That Don’t Exist by Jeremy Dean. Psyblog. May 9, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.