كانت أيامًا خطيرة حقًّا في تاريخ العالم الجديد، هذه هي التي بدأت يوم الخميس الماضي ٢ أغسطس، وانتهت يوم الخميس ٩ أغسطس.

ففي اليوم الثاني من هذا الشهر أعلن رؤساء الدول الثلاث الكبرى بعض ما اتخذوا من قرارات في اجتماعهم ببوتسدام، وفي السابع من هذا الشهر عرف العالم هذا الحدث الخطير، حدث استعمال القنابل الذرية على أنها وسيلة من وسائل التعجيل بإنهاء الحرب. وفي اليوم التاسع من هذا الشهر عرف العالم أن روسيا قد أعلنت الحرب على اليابان، وكذلك يسعى العالم القديم سعيًا سريعًا نحو غايته، وهي الفناء في العالم الجديد الذي ينتظر أن يقوم مقامه بما يهيأ له من نظم، وبما يرسم له من خطط، وبما يؤمل فيه من إصلاح شامل وأمن كامل وسلام طويل.

ولست أدري إلى أي حدٍّ يحسن التفاؤل، ولا إلى أي حدٍّ يفرض التشاؤم على الذين يحسنون التفكير فيما كان والتقدير فيما هو كائن، والتنبؤ بما يمكن أن يكون؟ فقد رأى بعض فلاسفة التاريخ منذ زمن طويل أن حياة الناس يشبه بعضها بعضًا كما تشبه القطرة من الماء قطرة من الماء، وأن حياة الناس يباين بعضها بعضًا كما يكون التباين بين الليل والنهار، وأن تاريخ هذا النوع الإنساني يقوم على هذين القانونين الخطيرين؛ قانون التوافق من جهة، وقانون التخالف من جهة أخرى. فبحكم قانون التوافق يكون التفاهم بين الأفراد والجماعات، ويكون التعاون بين الأمم والشعوب، ويتم ما يتم من رقي الحضارة وتقدم المعرفة وتسلط الإنسان على ما يعترض سبيله من المصاعب والعقبات، وبحكم قانون التخالف يكون افتراق الكلمة وانشقاق العصا بين الأفراد والجماعات في الوطن الواحد، ثم يكون تباين المنافع وتغاير الأهواء وتدابر المصالح، وما ينشأ عن ذلك من التنافس والخصام والحرب.

وليس من سبيل فيما يظهر إلى أن يخلص النوع الإنساني خلوصًا تامًّا من سلطان هذين القانونين أحدهما أو كليهما، وإنما هو خاضع لهما في جميع الأوقات وفي جميع الظروف. وكل ما في الأمر أن هذين القانونين يختصمان، فيسود أحدهما حينًا ويسود أحدهما الآخر مرة أخرى.

وواضح جدَّا أننا نعيش الآن في عصر يسود فيه قانون التخالف. فلم تكن الحرب العالمية الأولى، ولم تكن الحرب العالمية الثانية، ولم يكن التنافس بين الحربين إلَّا مظاهر لهذه السيادة البغيضة. ولست من الذين يكلفون بفلسفة التاريخ أو يؤمنون بقوانينها هذه العامة التي ترسل إرسالًا وتخلب العقول بما يظهر عليها من مظاهر الدقة والشمول. ولكن من المحقق أن العصر الذي نعيش فيه ليس بعصر اتفاق ووئام، وإنما هو عصر اختلاف وخصام. وقد قيل لنا في أول القرن: إن الحرب العالمية الأولى ستقضي على أسباب الفرقة، وسترد العالم إلى الوفاق الكامل والأمن المطمئن والأمل العريض والنشاط الخصب. فلما لم تحقق تلك الحرب هذه الوعود الخلَّابة ولم يستقر السلم في الأرض؛ قال القائلون: إنها لم تنتهِ في سنة ١٩١٨، وإنما كانت هدنة بين الحربين، ثم استؤنف الخصام. وقيل لنا بعد ذلك: إن انهيار ألمانيا، وخضوعها الكامل لسلطان المنتصرين، واحتلال جيوشهم المظفرة أرضها في الشرق والغرب؛ هو الذي سيبلغ الحرب غايتها، وسيقر السلام على الأرض، وسيضع الأساس المتين للعالم الجديد.

وقد انهارت ألمانيا واحتلت الجيوش المنتصرة أرضها كلها، واجتمع رؤساء الدول المنتصرة في عاصمتها؛ ليضعوا أساس الصلح، وليحكِّموا نظام السلم. ولكن يقال لنا: إن الحرب لم تبلغ غايتها بعد، فما زالت اليابان تقاوم في أقصى الشرق، ولا بدَّ من أن تنهار كما انهارت ألمانيا؛ ليكون الحديث عن السلم صريحًا صحيحًا منتجًا. كل هذا قيل، وكل هذا ما زال يقال. وقد حرص الإنجليز والأمريكيون والصين على أن يفرغوا من حرب اليابان؛ ليعجِّلوا وصول العالم إلى هذا السلام الذي يتحرق شوقًا إليه، فأرسلوا إلى اليابان إنذارًا نهائيًّا خطيرًا يطلبون إليها فيه أن تسلم كما سلَّمت حليفتها الهتلرية بلا قيد ولا شرط. فلما أبت رموها بقنبلتين هائلتين في أقل من أسبوع، بل في أقل من ثلاثة أيام … رموها بالقنبلة الذرية يوم الإثنين الماضي، ثم رموها بإعلان الحرب الروسية عليها يوم الأربعاء. وهم الآن ينتظرون أن تتدبر اليابان عاقبة أمرها. فإما أن تستسلم بلا قيد ولا شرط فيعود السلام الشامل، وإمَّا أن تصرَّ على العناد فتصب عليها القنابل الذرية صبًّا، وتغزوها جيوش الحلفاء من كل وجه، والغاية محققة لا شك فيها وهي انهزام اليابان واستسلامها في أقرب وقت ممكن.

وكذلك نخرج — بإذن الله — من سلطان قانون التخالف لندخل — بإذن الله — في قانون التوافق في ظل ذلك السلطان، يسيطر على العالم سلام قوامه النظام والانسجام والوئام الذي لا يعرف اختلافًا ولا افتراقًا. وكذلك تجري الأمور ميسرة سهلة في أحاديث الناس حين يتحدثون، وعلى أقلام الكتَّاب حين يكتبون، ونستطيع أن نتمثل باسمين مطمئنين قول الشاعر القديم:

منى إن تكن حقًّا تكُن أحسن المنى

وإلَّا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا

وأكبر الظن أن هذه المنى ليست حقًّا، وأن قانون التخالف جزءٌ مقوم للطبيعة الإنسانية، وأن منافع الأفراد والجماعات ومنافع الأمم والشعوب ستصطدم دائمًا في ظل السلم ما دامت الدولة متعبة مكدودة. فإذا استراحت واستجمعت واستردت قوتها الحربية والاقتصادية ظهر التنافس العنيف والتخاصم المخيف، وصرح قانون التخالف عن نفسه واستؤنف الاصطدام المسلح. وقال لنا القائلون: إن الحرب الثانية لم تنهِ الحرب، وإنما وصلت بالعالم إلى هدنة طويلة أو قصيرة، كتلك الهدنة التي كانت بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٣٩. ذلك أن كل ما أعلن من القرارات التي اتخذت في بوتسدام لا يدل على أن الإنسانية قد رُدَّت إلى العقل، وثابت إلى الرشد، وآثرت العافية، ووضعت الأسس لسلام متصل صحيح. وما أحب أن أعرض لهذه القرارات التي اتخذها الرؤساء الثلاثة بشأن الشعب الألماني، فهم منتصرون قد لقوا من ألمانيا المحاربة هولًا عظيمًا، وهم مضطرون إلى أن يقسوا على هذا الشعب الظالم كما قسا على شعوبهم وعلى غيرها من الشعوب، وهم مضطرون إلى أن يجرِّدوه من السلاح تجريدًا تامًّا، ويمرنوه على الحضارة تمرينًا دقيقًا، ويغيِّروا عقليته التي أفسدها الطغيان. ولست أدري أينجحون في ذلك أم يخفقون؟ ولكني أفهم هذه المحاولة وأكاد أجد ما يسوغها. أمَّا الذي أريد أن أعرض له هو هذه المواقف التي اتخذها الرؤساء الثلاثة من أنفسهم أولًا ومن حلفائهم ثانيًا، ومن الأمم الأخرى المحايدة آخر الأمر. فهم قد وقفوا من أنفسهم موقفًا فيه كثيرٌ جدًّا من الأثرة وقليلٌ جدًّا من القصد، فأعطوا أنفسهم ما استطاعوا أن يعطوها، ولم يكادوا يعطون غيرهم شيئًا. ومن الحق أن بريطانيا العظمى وأمريكا لم تأخذا شيئًا من الأرض الألمانية، بل تكتفيان بالاحتلال الذي يقصر أو يطول، ولكن روسيا قد أخذت لنفسها جزءًا من ألمانيا، وفيه مدينة كونجسبرج مدينة الفيلسوف الألماني العظيم كانت، وأعطت جزءًا آخر لبولندا لتعوضها عما أخذت منها في الشرق حين غيرت الحدود. فأمَّا مصانع الألمان فقد قسمت بين الدول الثلاث تقسيمًا تفوقت فيه روسيا؛ لأنها احتملت من الشر أكثر مما احتمل حليفاتها، وواضح جدًّا أن هذا التقسيم الأثِر لن يُحفظ ألمانيا وحدها، ولكنه يترك في نفس الحلفاء الآخرين الذين مستهم الحرب بمثل ما مسَّت به غيرهم من الأذى آثارًا خطرة على السلام المستقبل. ومهما يكن من شيء فلن يستطيع أحد أن يقول إن فرنسا وبلجيكا وهولندا واليونان راضية كل الرضا عن هذا المذهب الذي ذهبه الرؤساء الثلاثة في بوتسدام. أمَّا الأمم الأخرى المنبثة في أقطار الأرض، فقد كان موقف الرؤساء الثلاثة منها غريبًا أيضًا لا يخلو من هذه الأثرة الظاهرة. فرومانيا وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا خاضعة للنفوذ الروسي ما في ذلك شك، والنمسا موضع خلاف بسيط. أمَّا الشرق الأدنى فلم يجهر الرؤساء برأيهم فيه؛ لأن فيه مشكلات لم تستطع حكومة العمال الجديدة فيما يظهر أن تقطع فيها برأي قبل أن تدرس وتقلب وجوه التفكير. فلروسيا مطالب عند الترك ونظرة خاصة إلى المضايق … وفي البلاد العربية مشكلات خطيرة ليست مشكلة فلسطين أقلها خطرًا. وإذن، فالتمهل فيها خير وحلَّها شيئًا فشيئًا أدنى إلى اليسر وأقرب إلى النجح. وأمَّا مسألة إيران، فلم يقل المؤتمرون فيها شيئًا، ولكن ظهر اليوم أنهم قد اتفقوا بشأنها على المقدمات الأولى التي تعلل الأطفال، ولكنها لا تقيد المستقبل تقييدًا خطيرًا، فسيجلو الحلفاء عن طهران فورًا، فأمَّا الجلاء عن إيران فمسألة فيها نظر يمكن البحث عنها بعد أن تستسلم اليابان. وكذلك وُضعت للعالم الجديد أسس لا تختلف عن أسس العالم القديم؛ لأنها تقوم قبل كل شيء على الأثرة التي يشتد لها التنافس من جهة، وعلى التوازن الدولي الذي يخيف بعض المنتصرين من بعض من جهة أخرى، ثم على المساومة والمداورة التي تؤجل حل المشكلات المعقدة من جهة ثالثة. وواضح جدًّا أن ما ظفرت به روسيا من التفوق قد كان ثمنًا معجلًا لما قرأنا من إعلان روسيا الحرب على اليابان اليوم. فأمَّا الثمن المؤجل فستنكشف عنه الأيام في تركيا أو في إيران أو فيهما معًا، وفي الشرق الأقصى على كل حال. والنتيجة الواضحة لكل هذا هو أن من الممكن أن يظفر العالم بسلام طويل، ولكنه سيكون كالسلام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم، قوامه القوة والتفوق والبأس، وقد استأثرت الدول الثلاث بالقوة والتفوق والبأس، فستفرض سلمها على الإنسانية، وأقول: سلمها، وأنا أريد ما أقول. لن تفرض على الإنسانية سلامًا إنسانيًّا يستمتع به الناس جميعًا في حدود العدل والمساواة، ولكنها ستفرض عليها سلامًا سكسونيًّا روسيًّا يظل شاملًا ما استقامت الأمور بين الروس والسكسون، فأمَّا سائر أمم الأرض فليس عليها إلَّا أن تسمع وتطيع، فإن أبت فالقنبلة الذرية موجودة تستطيع أن ترد العقل إلى المجانين، وأن تحبب الأمن والنظام إلى الذين يخطر لهم أن يكدروا صفو الأمن والنظام. ولكن المسألة الخطيرة التي ينبغي أن نلقيها على أنفسنا هي هذه، أيهما سيكون أقوى سلطانًا على الناس وأمضى أثرًا في توجيه الإنسانية: قوة القنبلة الذرية أم قوة الحق والعدل والمساواة؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.