ما رأينا عدوًّا للشعب بلغ من الظلم له والقسوة عليه والاستخفاف بعقله وذكائه بعض ما بلغه أولئك المتيمون المتلهفون، الذين يتهمونه بالجهل وسوء الفهم، ويزيدون على ذلك أن يسجلوا عليه دوام هذه التهمة غدًا وبعد غد إلى يوم الدين، بغير أمل في تبديل ولا تحويل، وبغير احتمال بعيد أو قريب للتحسن أو التحسين.

يدعون إلى ترك الكتابة بالفصحى وتعميم الكتابة باللهجات العامية؛ لأنهم يستكثرون على الشعب أن يفهم كلامًا باللغة الفصيحة، ولو كتبه كاتبوه بلغة الصحافة التي لا فرق بين أكثرها وبين لغة السوق والطريق غير حركات الإعراب في أواخر الكلمات. ثم يسجلون عليه أن يظل على جهله هذا مدى السنين، ويدعون إلى ترك الوزن في الشعر؛ لأن الشعر الموزون لم يسلك سبيله إلى قلوب الشعب، وقد يجعله ترك الوزن وسطًا بين الزجل والمقال المنثور.

ويدعون إلى الهبوط «بمستوى الثقافة»؛ لأن الثقافة العالية غير مفهومة عند سواد القراء.

هذه دعوات «محبي الشعب المتيمين»، فكيف تكون دعوات الأعداء المنتقمين؟!

هل من محبة الشعب أن يبلغ اليأس منه غايته التي لا أمل وراءها بعد عشر سنوات أو بعد عشرين سنة؟

وهل من يضمر الأمل في تقدم الشعب وتقدم إدراكه للثقافة واللغة بعد عشرين سنة، يملك عقله حين يشير عليه بهدم لغته وإهمال تراثه من أجل حالة عارضة تزول في أقل من نصف حياة الجيل الواحد، إذا قدرنا للجيل المشترك قرنًا من الزمان؟!

على أن الحق الصراح الذي نلمس دلائله في كل يوم وفي كل مكان أن شعبنا لم يعجز عن فهم اللغة الفصحى، ولم يذهب عنده كلام الكاتبين بها سدًى في الصحافة ولا في خطب المساجد أو المحافل السياسية.

ولم يكن الشعب غريبًا عن فهم الفصحى، وهي موزونة على أوزان البحور العروضية فضلًا عن المنثور منها أو المكتوب بلغة الصحافة اليومية.

وقبل خمسين سنة — ولا نقول في أيامنا هذه — كان عامة الشعب يتغنَّون على قوارع الطرقات بأناشيد سلامة حجازي في الحماسة والغزل، وأشيعها على الأفواه قصيدة الفخر على لسان صلاح الدين:

إن لم أصن بمهندي ويميني

ملكي فلست إذن صلاح الدين

وأشيعها في الغزل قصائد شهداء الغرام، وأشهرها:

أجولييت ما هذا السكون ولم أكن

لأعهد منك الصمت عني في قربي؟!

وإلى اليوم نسمع في الطرقات غناء الكبار والصغار بأبيات شوقي التي يغنيها عبد الوهاب، ويقول منها:

لم أدرِ ما طيب العناق على الهوى

حتى ترفق ساعدي فطواك

أو بأبياته الدينية التي تغنيها أم كلثوم، وهي منظومة بأسلوب البردة وعلى منهجها في المعاني والكتابات.

وما كان الوزن يومًا بالحائل بين العامة وفهم الكلام أو التعبير به عما أرادوه، فإن الأزجال العامية كلها منظومة على أوزان البحور العروضية، بل على أصعب من هذه البحور وأكثرها عناية بضروب الجناس والمحسنات اللفظية. ولم يحل وزن الزجل دون اقتدار الناظم على تسجيل الحوادث التاريخية وأسماء الأبطال المشهورين بها قبل مائة وخمسة وستين، ولا نقول في هذه الأيام بعد انتشار الكتابة والقراءة وامتلاء الحضر والريف بمعاهد التعليم.

ففي سنة (١٢١٣ هجرية) كانت حملة نابليون تنظم في ملحمة يحفظها الشعب ويذكر فيها الناظم سنين التواريخ وأسماء المجاهدين على مثال هذه الأبيات:

في عام ثلاثة بعد العشرة

والألف والمايتين أشاع الأمة

أن الفرنسيس بالمراكب صالوا

في اسكندرية بالقتال في همة

مير اللوى إبراهيم سريعًا عدى

إلى أبي أيوب يريد المشورة

قال له: أنا وجدي بقوة ربي

أجعل عساكرهم تعود مكسورة

أما أبو مرزوق نصب في بولاق

وصحبته الباشا ورا متراس

قال للرعايا: ساعدوني لله

في نصب دالمتراس ونادوا الناس

… إلخ، إلخ.

وناظم صعيدي هو الذي يتغنى لمحبوبته بلغة الوزن والجناس والكناية والتورية:

خايف أقول لا يقول له

والقلب مشغول وراجف

ابقى قولي له يا قله

حين توردي ع الشفايف

فإذا كانت صعوبة الوزن على «الشعب» هي التي تبكي عيون المتيمين المساكين إشفاقًا عليه ورحمة به، فليتفضل واحد منهم — بدلًا من إرسال حفنة حارة من الدموع — أن يدلنا على بيت واحد باللغة الفصحى أصعب وزنًا وأكثر تنميقًا وتحسينًا من هذه المنظومة التي لا حجاب فيها بين القلب والقلب في صميم الشعب، ولا نزال نسمعها اليوم في أقصى الصعيد كما سمعناها في ماضٍ بعيد، يبلغ الخمسين من السنين أو يزيد!

وبالله عليكم يا متيمون يا «ذائبين» من الهوى والجنون!

أهو الشعب الذي تهيمون به أو هو معشوق آخر تهدرون من أجله كل شعب على الأرض، وأوَّلهم هذا الشعب الذي لا نجاح له في هدم تراثه ولا في تضييع لغته ولا في فقدان الرجاء في كل تقدم وكل ارتقاء، إلا أن يكون هبوطًا إلى الحضيض ورجوعًا إلى الوراء؟

قولوها كلمةً صريحةً على غير العادة منكم وممن تسترونه وراءكم، وأجركم على ذلك المعبود المستور، ولا خفاء به بين السطور ولا فوق السطور!

ومن بحر الشعر في هذا الأسبوع الذي يسبق مهرجانه يخرج لنا هذا السؤال من مولد الشعر في فجر التاريخ: هل هو سابق لمولد النثر أو كان مولد النثر سابقًا عليه؟

يقول صاحب السؤال «عبد الصمد أحمد مجدوب» أنه سمع في أحاديث مذاعة توكيدًا بأن «النثر سابق للشعر بالطبع …»، مما يذكرني برأي لي نشرته قبل سنوات يخالف هذا الرأي، فيسألني: «أي الرأيين الآن هو الصواب؟»

والصواب البديهي «بالطبع» أن الشعر هو الفن الأسبق لجميع الفنون وليس لفن الكلام المنثور دون سواه.

ولكن الذي جزم بسبق النثر «بالطبع» إنما يلتبس عليه الأمر، فيحسب أن النثر مرادف للنطق بألفاظ الكلمات الجارية على كل لسان.

وليس هذا هو المقصود «بالطبع»؛ لأننا لا نقول عن الصبي المتكلم إنه «ناثر»، ولا عن المتحدثين في أحاديث المعيشة اليومية إنهم ناثرون!

هؤلاء متكلمون أو ناطقون، ولا يقال عنهم إنهم «ناثرون» إلا إذا انتقل الكلام إلى فن مكتوب أو مسموع، يقرن في التاريخ بفن الكلام المنظوم.

وينقسم «الكلام الفني» إلى أقسامه الثلاثة: النظم والنثر والخطابة.

ولا محل للشك في سبق الشعر بالطبع …

لأن الإنسان تغنى بالصوت الموزون والكلام الموزون، أو بالشعر كيف كان قبل أن تكون للكتابة النثرية قاعدة، وقبل أن يكون للكلام الملفوظ أو المكتوب نسق يدخل في عداد الفنون والصناعات.

وكذلك تغنى الإنسان «بالطبع» قبل أن يتطور المجتمع إلى هيئة منتظمة تستخدم فيها الخطابة، ويظهر فيها الخطباء من الزعماء وغير الزعماء.

وليس مما يتصوره العقل أن تكون هناك رسالة نثرية أو خطابية سابقة لترديد الغناء، ولو كان من قبيل ترجيع الأصداء فيما دون عالم الإنسان من عوالم الأحياء.

***

ومن بحر الشعر أيضًا يرد إلينا هذا السؤال الأخير في يوميات هذا الأسبوع قبل أسبوع المهرجان.

ويقول الأستاذ «عبد المعطي علي القيعي» بكفر الزيات:

… في كتاب المنهاج الإعدادي في آداب اللغة العربية للأستاذ محمد الصاوي ومحمد أحمد عبد الله، أخذ المؤلفان يوازنان بين أبيات ابن الرومي:

ولي وطني آليت ألا أبيعه

وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا

عمرت به شرخ الشباب منعمًا

بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا

وحبب أوطان الرجال إليهمو

مآرب قضَّاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو

عهودَ الصبا فيها فحنوا لذلكا

يوازن المؤلفان بين هذا التعبير الجميل وبين قول أحمد شوقي:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي!

فيقول المؤلفان ما نصه: كلٌّ من ابن الرومي وشوقي يعلي من مكانة الوطن ويشير إلى تعلق النفس به وحبها له، إلا أن شوقي أعذب لفظًا وأوضح معنًى وأقل عبارة؛ فلقد أحاط في بيت واحد بما أورده ابن الرومي في خمسة أبيات ووصل إلى الغرض الذي قصده وزاد عليه.

وإنقاذًا لعقول التلاميذ المساكين وعقول بعض المدرسين … نرجو الرد على هذا الكلام في اليوميات!

والسيد القيعي مرجو ألا يغضب لهذه المناسبة التي يحتاج عالمنا القارئ للشعر والبلاغة إلى مناسبات كثيرة مثلها لإظهار الفرق البعيد بين من يحسنون فهم الشعر الأصيل ومن لا يحسنون من فهمه غير ما هو من ذلك القبيل.

إن الناقدين «الحصيفين» يظنان أن ابن الرومي قال أبياته في «وطن قومي» يجمع بينه وبين الملايين من أبناء بغداد والعراق، ولم يفطنا لقوله إنه كان «مالكًا» لذلك الوطن، ولا لقوله إن أناسًا سكنوه معه قد أصبحوا في خدمة الأمير الذي يمدحه بأبياته.

وإنما نظم ابن الرومي هذه الأبيات في وصف مسكن له نشأ فيه مع أهله وأوشك أن يغتصبه منه بعض جيرانه.

وفي الجزء الثالث يقول صاحب «زهر الآداب»: «… وكان الناس يتشوقون إلى أوطانهم ولا يفهمون العلة في ذلك حتى أوضحها علي بن العباس الرومي في قصيدة لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التجار يعرف بابن أبي كامل كان أجبره على بيع داره واغتصبه بعض جدرها …»

أما بيت شوقي الذي يقول فيه:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي!

فمحصوله الذي يتغنى الناقدان الحصيفان بعذوبة لفظه ووضوح معناه أن القائل شغل عن وطنه ولم يشغل عنه في وقت واحد، وماذا من النسيان أكثر من الشغلان؟ وماذا من تزكية «الوطنية» أن يحسب القائل أنه في الخلد «غريب» وليس بذي وطن يصير إليه جميع الغرباء في دار الفناء؟

ليس في هذا القول معنًى واضح ولا غير واضح، وليس الشغلان والمنازعة من عذوبة اللفظ في شيء!

وإنه لمن المقارنة التي لا موضع لها أن يطلب من شاعر يذكر دار مسكنه أن يأتي بمعاني الشوق إلى الأوطان التي تأوي إليها ملايين السكان، وأن يتحدث عن الدار التي يملكها وحده ولا يقبل أن يملكها أحد غيره كما يتحدث عن «مملكة» يعيش فيها مع الملايين من شركاء الأوطان!

ولقد يفسر هذا الوطن الخاص بمعنى الوطن العام على سبيل التوسع في المجاز، ولكنه لا يصح أن يفسر بهذا المعنى إذا أريدت المقارنة بين ما يقال فيه وما يقال في الأوطان القومية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.