في العددِ الأخير (عدد يوليو ١٩٦١، انظر المقال السابق.) من مجلة الأزهر عقَّبنا على المقالين اللذين نشرتهما مجلةُ «التاريخ اليوم» الإنجليزية للأستاذ «سوندرس» المُحاضِر الأول بقسم التاريخ في جامعة نيوزيلاندا، وقد جعل عنوان المقالين «الخليفة عُمَر المستعمر العربي»، وذهب فيهما إلى أن ابتداء انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية إنما كان من عمل هذا الخليفة، ولم يكن عملًا داخلًا في برنامج الدعوة المحمدية … لأن محمدًا عليه السلام لم يفكِّر في دعوة أحدٍ غير العرب إلى الإسلام.

وكان موضوع التعقيب أننا أخذنا على الكاتب دعواه هذه وقلنا إنها — مع حسن النِّيَّةِ — سُوْء تطبيق لِعِلمِ المُقارَنة بين الأديان، التماسًا لوجوه الشبه التي لا وجود لها بين الدعوة إلى الموسوية، والدعوة إلى المسيحية، والدعوة إلى الإسلام، فإن أتباع موسى عليه السلام قد دخلوا أرض الميعاد بعد وفاته، وأتباع عيسى عليه السلام هم الذين قاموا بتوجيه الدعوة إلى العالم بعد حصرها في بني إسرائيل، فينبغي على هذا القياس ذهابًا مع شهوة المقارَنة بين الأديان في غير موضعٍ للمقارنة أن يكون خلفاء النبي هم الذين نشروا الإسلام بين الأمم غير العربية، ولم يكن ذلك من برنامج محمدٍ ﷺ ولا من أصول رسالته إلى قومه.

أمَّا إذا ساءتِ النِّيَّاتُ، وما أكثر الدواعي إلى سُوءِ النِّيَّةِ في كِتَابةِ تاريخ فلسطين … فقد يُفهَم من كلام الكاتب أن دخول الإسلام إلى فلسطين إنما كان عملًا من أعمال الاستعمار العربي، ولم يكن هدايةً دينيَّةً خالصةً لوجهِ الله، ويرد هذا على الخاطر — قسرًا — إذا اطَّلَع القارئُ في العدد نفسه على مقالٍ مُسهبٍ عن دخول اليهود إلى فلسطين، ليتخذوها مأوى لهم وموطنًا موعودًا من عهد الخليل إبراهيم.

وقد وصل إلينا عددُ شهر يونيو من المجلة الإنجليزية، فقرأنا فيه تصحيحًا لدعوى الأستاذ النيوزيلاندي بقلم الأستاذ أحمد إبراهيم الشريف مُدرِّسُ الفلسفة بالمدارس الثانوية، أشار فيه إلى الأدلة الكثيرة التي تُثبِتُ دعوة الإسلام العامَّة، ثم قال: «إننا إذا تركنا هذه الأدلة جانبًا واكتفينا بالنظر في القرآن الكريم وحده، فهناك أكثر من أربعين آية يُذكَر فيها اللهُ سبحانه وتعالى باسم رَبِّ العالمين، وهذا عدا الآيات التي ذُكِر فيها بالنَّصِّ الواضح أنه ﷺ قد أُرسِلَ إلى الناس كافة، وأن القرآن قد تنزَّلَ عليه ليقرأه على الناس.»

وقد أحالت المجلة هذا الرد إلى الأستاذ «سوندرس»، فعاد يقول: إن هناك أدلةً تفيد أن محمدًا «صلوات الله عليه» قد أراد بدينه أن يُنشَر على الناس، كما أن هناك أدلةً أُخرى تفيد أنه لم يفعل ذلك، فهي إذن مسألة من مسائل الشك لا يُقطَع فيها بأي القولين.

قال: «أمَّا أن محمدًا قد آمَن بأن الله هو إله الجميع، فليس محلَّ مناقشةٍ، ولكنه ليس بموضع البحث فيما نحن بصدده، ولنا سَنَدٌ من القرآن نفسه حيث ترد الآياتُ التي يمكن الاستدلال بها على القولين، فقوله في أول سورة الفرقان: () (الفرقان:١) قد يقابله في سورة (القصص: ٤٦) قوله: () وهو يشير — كما هو واضح — إلى العرب، ومثله قوله في سورة الشورى: () (الشورى: ٧) فإنه يدعو إلى التساؤل عن القرآن العربي، هل يخاطب به أناس غير المتكلمين بالعربية.»

قال: «إن الأوروبيين المتخصصين للإسلاميات ينقسمون انقسامًا شديدًا في هذه المسألة، فإن «موير» يرى أن الدعوة من البداية إلى النهاية كانت دعوةً للعرب وحدهم، ولم يُدع بها أحدٌ غيرهم … ولكن «نولدكه» و«جلدزيهر» و«أرنولد» — وكلهم ثقات — يقولون إن محمدًا ﷺ أراد بدينه منذ أوائل الدعوة أن يكون دينًا عالميًّا، ولم يرد به أن يكون مجد عقيدة وطنية محلية. ونقول: إنه لو كان قد ثبت أنه كتب إلى هرقل وملك الفرس وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى الإسلام لانتفى الشكُّ بالواقع، ولكنَّ آراء الباحثين — مع الأسف — لا تميل إلى قبول هذه الأخبار، و«مونتغومري وات» يقول: إن هذه القصة لا يمكن أن تُقبَل على حسب هذه الروايات.»

ثم ختم جوابه على تعليق الأستاذ الشريف قائلًا: «وعندنا صعوبة كهذه في أمر المسيحية، فهل كان المسيح عليه السلام ينظر إلى نفسه كأنه صاحب ديانة جديدة كما جاء في مَتَّى؛ حيث يقول: اذهبوا وعَلِّمُوا جميع الأمم؟ أو كان ينظر إلى نفسه كأنه مُصلِح لليهودية ليس إلا، وأنه ما جاء إلا لِهداية خِراف إسرائيل الضالة؟ وأحسب أنني أمام هذا الخلاف قد كنتُ متحرزًا حيث قلت: إن البرهان القاطع غير موجود.»

والأمرُ البيِّن بعد قراءة هذا الجواب أن الأستاذ لم يكن متحرزًا كما قال في ختام جوابه، ولكنه — كما قدرنا — قبل الاطلاع على هذه المقارنة بين الدعوة المسيحية والدعوة المحمدية في كلامه الأخير، كان منساقًا مع إغراء المقارنة في غير موضع للمقارنة، فلم يظهر له الفارق الشاسع بين موقف الخلفاء من الدعوة المحمدية، وموقف بولس الرسول وإخوانه من الدعوة المسيحية، فإن بولس وإخوانه لم يكن في وسعهم أن يُبشِّرُوا اليونان والرومان بمسيح منتظر في بني إسرائيل لخلاصهم واستعادة مُلكهم الذي قضى عليه الرومان أنفسهم، فلا جرم تتحول الدعوة من إسرائيلية إلى عالمية لهذه الضرورة التي لا محيص منها، وليست هناك مشابهة قطُّ بين الدعوة الخاصة ببني إسرائيل وبين الدعوة إلى الناس كافةً، كما وردت في القرآن الكريم بذلك الوضوح الذي فهمه الكاتبُ ولم يستطع أن يتجاهله في جوابه على اعتراض الأستاذ الشريف.

فهذه هي الثغرة التي نفذ منها خطأُ القياس إلى رأي الأستاذ النيوزيلاندي مع تقدير حُسن النِّيَّةِ فيما قرَّرَهُ مِن حصر الدعوة الإسلامية بين أبناء الجزيرة العربية.

ولسنا نرى دليلًا على التحرز — ولا على الجد — في استناد الكاتب إلى نزول القرآن باللغة العربية لتعزيز حُجَّتِهِ على تخصيص الإسلام بمَن يتكلمون اللغة العربية؛ إذ كيف كان يريد أن تكون الدعوة إن كانت عالمية إنسانية، ولم تكن مقصورة على المتكلمين بِلُغَةِ الرسول؟ إنه يمنع بذلك أن توجد في العالم دعوة عالمية إنسانية على الإطلاق، أو يفترض فيمَن كان يُرسَل بهذه الدعوة أن ينطق بألسنة الناس أجمعين.

ولا نحسب قرَّاءَ الأستاذ النيوزيلاندي قد استفادوا شيئًا من اليقين أو الترجيح بما استشهد به من أقوال المختلفين على عموم الرسالة المحمدية أو خصوصها بين زملائه المستشرقين، بل كل ما يستفيده القارئُ المطَّلِعُ من وقوع هذا الخلاف أنَّ أُناسًا غير قليلين بين «جهابذة المستشرقين» يقرءون الكتاب المُبِين ولا يستبينون منه أظهر معانيه، بل أظهر كلماته، التي لا تحتاج إلى مراجعة من أخبار الإسلام أو أخبار التواريخ.

فإذا كانت كلمة الناس كافةً تحتمل اللبس في أذهان هؤلاء المستشرقين لسبب من أسباب التأويل في اللُّغةِ أو في المنطق، فما هو اللَّبس في وصف العباد الذين تكرَّرَ الخطاب بإنذارهم ودعوتهم إلى الدين؟

إننا نذكر مِن وصف هؤلاء العباد في الكتاب العربي مثلًا واحدًا، وهو قوله في خطاب النبيِّ بالعربية: () (إبراهيم: ٣١–٣٣).

فمَن يقرأ وصف هؤلاء العباد الذين سُخِّر لهم البحر، وسُخِّر لهم الأنهار، وسُخِّر لهم الليل والنهار، لا يخطر له لحظة أنهم أبناء الجزيرة العربية دون غيرهم من بني الإنسان في جميع البلدان.

وإذا كان عرب الجاهلية قومًا لم يأتهم نذير من قبلُ، فالدين الذي جاء به صاحب الدعوة المحمدية يعم المتدينين الذين سبقت إليهم الرسل، ويقوم النبي العربي بالدعوة إليه ليُظهِره على الدين كله: () (الصف: ٩).

وأيًّا كان القول في اللُّغةِ التي تكلَّمَ بها النبيُّ، وفي صلاح هذه اللُّغةِ للدعوة العالمية، فإن النوع الإنساني يشمل أُم القرى وما حولها، ولا تعتبر هداية أهلها عزلًا لهم عَمَّن عداهم من الناس؛ إذ كان خطاب الناس كافةً يمنع أن يكون الخطاب مقصورًا على أُم القرى ومَن حولها، ولكن خطاب أُم القرى ومَن حولها لا يمنع أن يعمَّ الناس أجمعين.

وبعدُ، فكيف يسيغ العقل أن يكون صاحبُ الدعوة المحمدية خاتمَ النبيين، إذا كانت رسالته مقصورةً على قومٍ لم يأتهم من قبلُ نذيرٌ؟!

إنَّ طائفةً من المستشرقين تسيغ ما لا يسيغه العقل في أمر القرآن وأمر الإسلام، ولا نحب أن يشيع لأحدٍ من هؤلاء قولٌ مسموعٌ في العصر الحاضر؛ لأننا نقرأ لغيرهم من فضلاء الأوروبيين المحدثين صفوةً من الآراء السديدة في الإسلام ونبيه ﷺ، يُنزِّهُونَها عن هوى الاستعمار والتبشير ما استطاعوا، ويُحسِنون بها إلى قُرَّائِهم وقُرَّاءِ العربية غاية إحسان العَالِم الأمين على عِلمه، وليس مِن هؤلاء — ولا ريب — مَن يذكر الخليفة الفاروق اليوم فلا يعرف له صِفةً إلا أنه مستعمرٌ قديم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.