هُمْ هؤلاء الإنجليزُ الذين يَعْمَلون في خِدْمة الإدارة المصريَّة مع رجال الشرطة المصريين، فقد يَظْهَر أنَّ القَيْظَ اشتدَّ عليهم في بلاد القَيْظ، وأنَّ أكبادَهم تتحرَّق عطشًا، وأنَّ أفواهَهم قد جفَّتْ من الظمأ، وأنهم في حاجة إلى أنْ يَبُلُّوا هذا الظمأ، ويَرْوُوا هذا الصدى، وينسوا هذا الغليلَ الذي لا يستطيعون الصبر عليه.

ويظهر أنَّ ماء النيل يستطيع أنْ يَبُلَّ ظمأ المصريين لا ظمأ الإنجليز، وأنْ يشفي غلة المصريين لا غلة الإنجليز، ويظهر أنَّ في مصر شيئًا واحدًا هو النافع الناجح في بَلِّ الظمأ وشفاء الغليل إذا تحرَّقَتْ لهما أو بهما أفْئِدَةُ الكونستبلات الإنجليز، وهو دم المصريين!

فقد سَمِعْنا أمس، وقَرَأْنَا اليوم نبأً لا نستطيع أنْ نَشُكَّ فيه؛ لأن الذي حدَّثنا به أصْدَقُ من أنْ يرقى إلى كلامه الشَّكُّ، وأنْزَهُ عندنا وعند الإنجليزِ أَنْفُسِهم مِنْ أنْ يسعى إلى أخبارِه الرَّيْبُ.

سَمِعْنا أنَّ هؤلاء الكونستبلات من الإنجليز كانوا قُسَاةً أمس إلى أقصى حدود القسوة، حين انصرف رئيس الوفد من صلاة الجمعة، وكانوا مُتْرَفِين في قسوتهم يَفْتَنُّون فيها افتنانًا، ويصطنعون فيها أناةً لا تَصْدُر إلَّا عن المترفين الذين يفكرون قبل أنْ يُقْدِموا، ويُقَدِّرون قبل أنْ يَعْمَلوا، ويَسْتَبْقُون اللذة ما وَسِعَهُم استبقاؤها. كانوا لا يُفَرِّقون الناس حين يستقبلون رئيس الوفد وإنما يُفَرِّقونهم بعد أنْ يمر رئيس الوفد، وكانوا لا يُفَرِّقونهم بالقول ولا بالإشارة وإنما يُفَرِّقونهم بالمقارع والعصي، يَهْوُون بها إلى الرءوس، ويَصُبُّونها على الأبدان. ولو أنهم صبروا عليهم بعض الوقت لتفرَّقوا بعد أنْ رأوا زعيمهم وحيَّوْه.

ولكنهم — فيما يظهر — لم يكونوا يريدون تفريقًا ولا محافظة على الأمن، ولا حماية للنظام، وإنما كانوا يريدون صَبَّ العذاب، وإنزال العقاب، وشفاء الغليل الذي تتأجج ناره في الصدور.

لقد حَدَّثَنا مُحَدِّثُنا الذي لا نَشُكُّ في صِدْقه، أنه رأى رجلًا من هؤلاء الإنجليز يَصُبُّ عصاه الغليظة صبًّا على رجل من الناس، بعد أنْ مَضَتْ سيارةُ رئيسِ الوفد، فيسقط هذا الرجلُ على الأرض، وقد شُقَّ رأسه شقًّا، وتفجَّرَتْ منه الدماءُ، كما يتفجَّر الماء من الينبوع، والإنجليزي لا يعنيه ولا يُبْقِي عليه، وإنما يمضي في ضربه وإيذائه، كأنما يريد المزيد من هذا الدم الذي يتفجَّر، فيصبغ الأرض ويتطاير بعض رشاشه إلى الثياب.

وحدَّثَنا هذا المُحَدِّثُ الذي لا نرتاب في صدقه أنه التفت مرَّةً يَنْظُر إلى هذه المعركة الآثمة، فرأى رجلًا من هؤلاء الإنجليز وقد اصطبغتْ مواضعُ من ثيابه بهذا الدم المصري البريء، وكانت الإجيبشيان جازيت قد أنبأتْ قُرَّاءها صباح أمس بأن تدبيرًا خاصًّا سيُدبَّر لصلاة الرئيس، فقد رأينا إذن هذا التدبير، وهو مضاعفة القوة المحشودة والإكثار من الإنجليز القساة؛ لأن المصريين لا يُحْسِنُون القسوة على المصريين، وإعمال العصيِّ والسِّياط في الناس، لا صرفًا لهم عن استقبال الرئيس، بل عقابًا لهم على هذا الاستقبال بعد أنْ تَمَّ وفرغ الناس منه.

فَلْنُسجِّلْ أنَّ الإجيبشيان جازيت قد أصبحتْ — فيما يظهر — لسانًا من ألسنة الإدارة تنطق باسمها، وتُعْرِب عما أرادتْ أو تريد، أو فَلْنُسجِّلْ أنَّ العناية برئيس الوفد وتفريق الناس عنه، وعقاب الناس إذا أحاطوا به والتفُّوا حوله قد خرجت من أيدي الإدارة المصريَّة، إلى أيدٍ إنجليزيَّة خاصَّة تستطيع الإجيبشيان جازيت أنْ تعلم علمها، وتتلقى عنها الوحي، وتذيع أعمالها في الناس قبل أنْ تتم هذه الأعمال!

ثم لِنُهَنِّئِ الإجيبشيان جازيت بهذه المكانة الجديدة التي ظفرَتْ بها عند الإدارة المصريَّة، أو عند هذه الإدارة الإنجليزية الخاصَّة، ثم لِنُسجِّلْ بعد ذلك على الإنجليز غير شَاكِين؛ فالمصريون — بحمد الله — أكبر من الشكوى، لِنُسجِّلْ على الإنجليز أنهم يُظْهِرون في هذه الأيام، كما أظهروا في بعض الأيام الماضية مَيْلًا إلى القسوة والعنف، وظمأً إلى الدم المصري، ورغبةً جديدة في صبغ الأرض المصريَّة بدماء أبنائها المصريين على حين لا يثور المصريون بالإنجليز، ولا يتحدونهم ولا يخاصمونهم إلَّا في حدود السَّلْم، ولا يجادلونهم إلَّا بالحق وبالتي هي أحسن.

ثم لِنَسْأَلْ بعد ذلك وزيرَ الداخلية القيسي باشا رأيَه في هذا؛ أراضٍ هو عنه أم ساخط هو عليه؟! أهو الذي أَمَرَ به، وتقدَّمَ فيه، وإِذَنْ فهو يُسلِّط عصا الأجانب وسياطَهم وقسوتَهم وعُنْفَهم على مواطنيه، أم لم يأمر به، وإِذَنْ فماذا يصنع بسلطان الوزير، وما بقاؤه في الوزارة إذا كانت الأمور تَجْرِي على غير ما يريد، وإذا كانت الأحداث تَحْدُث والدماء تُراق، وهو لم يأمر بذلك ولم يَنْهَ عنه؟!

ثم لِنَسْأَلِ النائبَ العام ما رأيه في هذا، وما مَوْقِفُه بإزائه؟ أَيَرَى النائبُ العام أنَّ الشرطة إنْ كانت تَمْلِك تَفْرِيقَ الناس مُحافِظَةً على النظام فهي لا تَمْلِك عِقاب الناس إذا خالفوا النظام، وإنما عقاب الناس إذا تجاوَزَ الحدودَ رهين بتحقيق النيابة وحكم القضاء؟ وإذا كان النائب العام يَرَى هذا، وما نَظُنُّه يَرَى غيرَه، فهل يرى النائب العام أنَّ مِنَ الحقِّ على النيابة أنْ تسأل عن هذا الدم المصري كيف أُرِيقَ؟ وعن هذا العِقاب كيف صَبَّهُ على الناس مَنْ لا يملك صبَّ العِقَابِ؟!

أَيَرَى النائبُ العام أنَّ إراقة الدم المصري في هذه القسوة وبهذا العنف خليقةٌ أنْ تكون موضوعًا للتحقيق؟

أَيُوافِقُنا النائبُ العام على أنَّ إراقة الدم المصري على هذا النحو، ليستْ أقلَّ استحقاقًا للعناية واستلزامًا للتحقيق من سرقة تُقترَف، أو صدام يقع، أو خطبة تُلْقَى، أو فَصْل يُكْتَب، أو كلمة تُقال؟

وإذن، فهل نستطيع أنْ نرجو من النائب العام سؤالًا عمَّا كان أمس، وتحقيقًا فيما كان أمس، فقد يكون لهذا السؤال إنْ صَدَر عن النائب العام، وقد يكون لهذا التحقيق إنْ أَمَر به النائبُ العام أَثَرٌ من الآثار، يَمْنَعُ قُساةَ الإنجليز من ضرب المصريين، ويَمْنَع عصا الإنجليز من تَفْلِيقِ هامات المصريين، ويَمْنَعُ أيديَ الإنجليز من إراقة دماء المصريين؟

لقد سَمِعْنَا أنَّ النيابة تسأل عن تحطيم الإنجليز للعَلَمِ المصريِّ، فأَرْضَتْنا عنايةُ النيابة بكرامة العَلَمِ المصريِّ، فهل نَسْمَع أنَّ النائب العام يسأل عن إراقة الإنجليز للدم المصري؟! لِنَنْتَظِرْ، فمن يدري؟! لَعَلَّ النائبَ العام يُجِيبُنا إلى ما نريد …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.