هذه الأحلاف التي يقيمها الغرب: حلف الأطلنطي، وحلف بغداد، وحلف جنوب شرقيِّ آسيا، ثم الحلف الرابع المقترح في غرب البحر الأبيض المتوسط؛ ما مصيرها؟ وهذه الخدعة التي تسوِّقها فرنسا، أو تُساق إليها فرنسا بغية ضم المغرب وتونس ومن بعدهما الجزائر إلى ذلك الحلف الرابع، هل ستنطلي على شعب المغرب وعلى شعب تونس؟ وهل ستصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين؟ ويقظة الشعوب العربية، وقوة الجمهورية المتحدة، هل سترتد وتنحسر وتنام أمام ما يريده لها الغرب من تطويق بالأحلاف؟

هذه الأسئلة يجيب عليها عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، في هذا المقال الذي يلخص عنوانه تلك الإجابة.

ولكنها واضحة كل الوضوح، لا تخفى إلا على الأغبياء والمحمقين، وإخواننا العرب في شمال أفريقيا ليسوا من الغباء ولا من الحمق في شيء؛ فلن تخفى عليهم هذه الخدعة، ولن تخفى عليهم أسرارها ولا دخائلها.

وإنما الغباء والحمق نصيب الذين ابتكروا هذا اللون من الخداع في فرنسا وأمريكا، أو في أمريكا وفرنسا، لا أدري.

فهذا الحلف في غرب البحر الأبيض المتوسط ليس أذكى ولا أنضى من حلف بغداد، وإنما هو عبث من العبث؛ تُنفق فيه الأموال، تُشترى فيه الضمائر، وينتهي آخر الأمر إلى غير شيء.

هؤلاء الذين فكَّرُوا فأطالوا التفكير، وقدَّروا فأمعنوا في التقدير، ثم تكشَّف تفكيرهم وتقديرهم عن هذا السخف الذي يسمونه حلف البحر الأبيض المتوسط الغربي، أشبه شيء بالجبل الطويل في السماء، العريض في الفضاء، الذي يروع منظره ويبهر مظهره، الذي يتمخض من حين إلى حين، فلا يلد في كل مرة إلا فأرًا، والذي يتمخض فَيَلِدُ فأرًا ولا يَلِدُ معه شيئًا آخر، والذي قضي عليه أن يتمخض.

فهذه الدول الغربية قد أبرمت من قبلُ حلف الأطلنطي، وملَئوا الدنيا ضجيجًا وعجيجًا بعد إبرام هذا الحلف، الذي ضموا إليه كبار الدول وصغارها، ولكنه لم يُغنِ عنهم شيئًا.

لم يخيفوا خصمهم، ولم يرهبوه، ولم يضطروه إلى أن يغير من سياسته شيئًا، ولم يستطيعوا إلى أن يخلصوا منه جزءًا ضئيلًا أو كبيرًا من الأرض التي يحتلُّها، ثم لم يحمهم من الخوف ولم يذُد عنهم الهلع.

فالأوروبيون الغربيون قلِقون، لا يعرف الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون في كل يوم — بل في كل ساعة — أن تشب الحرب، وأن يكونوا أول ضحاياها. والأمريكيون على ما يملكون من قوة قلِقون، لا يجد الاطمئنان إلى قلوبهم سبيلًا، يخشون أن تشب الحرب وأن تدور عليهم الدائرة؛ لأنهم لا يثقون ولا يمكن أن يثقوا بتفوُّقهم في القوة والبأس على خصمهم ذاك العنيد، بل هم لا يثقون ولا يستطيعون أن يثقوا بأنهم يساوون خصمهم ذاك في البأس والقوة والاستعداد.

ثم أبرموا بعد ذلك حلفًا آخر في الجنوب الشرقي أو الشرق الجنوبي لآسيا — لا أدري — فلم يُغن عنهم شيئًا أيضًا، لم يُذهب عنهم الخوف، ولم يذُد عنهم القلق. وهم يذهبون ويجيئون، ثم يجيئون ويذهبون، ليجتمعوا في مقر ذلك الحلف، وليتفرقوا دون أن يصلوا باجتماعهم وتفرُّقهم إلى شيء.

ثم عقدوا حلفًا ثالثًا في بغداد؛ فوُلِدَ ميتًا، أو وُلِدَ حيًّا، ثم لم يلبث أن مات. وهم كذلك يذهبون ويجيئون، ويجيئون ويذهبون، إلى حيث يدبرون أمر هذا الحلف الفقيد.

وهم الآن يحاولون أن يعقدوا حلفًا رابعًا، في غرب البحر الأبيض المتوسط، تشترك فيه كبار الدول وصغارها في هذه الناحية من أنحاء الأرض، ولن يغني عنهم حلفهم الرابع شيئًا، كما لم تُغنِ عنهم أحلافهم الأخرى شيئًا.

يريدون بحلفهم هذا الأخير أن يخدعوا مراكش وتونس عن استقلالهما، وأن يمكنوا لأنفسهم في أرضهما، وأن يُنسوهما الجزائر، وما يُراق فيها من دماء، وما يُنتهك فيها من حرمات، وما يُهدر فيها من حقوق الإنسان.

ويريدون بحلفهم هذا — أو يخيلون إلى أنفسهم — تطويق الجمهورية العربية المتحدة، وأخذها بين حلفين: حلف في الشرق سُمي حلف بغداد، وحلف في الغرب لا أدري ماذا يسمونه. وسيولد هذا الحلف ميتًا، أو حيًّا لا يلبث أن يموت؛ لسبب بسيط وهو أنهم إن أُتيح لهم هذا الحلف فلن يحالفوا الشعوب، وإنما يحالفون أفرادًا، لا تلبث الشعوب أن تخذلهم وتنصرف عنهم إلى غير رجعة، لتمضي في جهادها حتى تبلغ غايتها التي ليس من بلوغها بُدٌّ، وهو الاستقلال الكامل الصحيح.

والمراكشيون والتونسيون أذكى وأنفذ بصيرة، وأقوى ذاكرة، وأحرص على الشرف من أن ينسوا الجزائر، وما يصب عليها من الهول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. وهم أذكى قلوبًا من أن يخلصوا من الاستعمار الفرنسي أمس ليُسلموا إليه أنفسهم اليوم أو غدٍ وهم صاغرون، وهذه الجمهورية العربية المتحدة التي يريدون أن يطوقوها لن تحفل بهذا التطويق إن كان؛ لأنه تطويق لا يُغني عن أصحابه شيئًا، ولا يَثْبُتُ للخطوب، ولا يستطيع أن يصرفها عمَّا تسمو إليه، وما تجد فيه من تحقيق العزة العربية في مستقبل الأيام كما كانت فيما مضى من الأيام. هي خدعة إذن، ولكنها واضحة كل الوضوح، لن تخفى على أحد، ولن تضر أحدًا، ولن تؤذي أحدًا إلا الذين يحاولونها؛ لأنهم يتعلقون بالأوهام، ويمنون أنفسهم أماني لا سبيل إلى تحقيقها.

فالشعوب إذا استيقظت لا يمكن أن تردها الأحلاف إلى النوم، والاستعمار إذا مات لا يمكن أن ترد إليه الحياة.

وقد استيقظت الشعوب العربية، فلا سبيل إلى أن تنام، وآية ذلك أن حلف بغداد لم يسلط النوم على الشعب العراقي، كما أن ذلك الحلف الآسيوي لم يسلط النوم على تلك الشعوب التي اشتركت حكوماتها فيه، إنما هي صور متحركة ليس وراءها شيء تعلل الذين يحركونها، ثم لا تجر عليهم نفعًا ولا ترد عنهم مكروهًا. ولو قد عقلوا واستبصروا للاءموا بين حياتهم وبين الحياة الجديدة التي تحياها الشعوب، التي خضعت لهم حينًا ثم أفاقت واستكملت قوتها وتمردت على سادتها القدماء.

وأغرب ما في هذا الحلف الغربي أن فرنسا تريد أن تعقده دون أن تنزل عمَّا تزعم لنفسها من حق في الجزائر؛ فهي تُحْفِظُ أهل المغرب وأهل تونس حين تستمسك بوهمها الجزائري، وتزعم أن الجزائر جزء من فرنسا، تُحْفِظُهُمْ وتملأ قلوبهم غيظًا وغلًّا.

تسفك دماء إخوانهم في الليل والنهار بمنظر ومسمع منهم، وتريد أن تُمكن لنفسها ولحلفائها في أرضهم وتدعوهم مع ذلك إلى الحلف، وتغريهم به وترغِّبهم فيه، تخدع نفسها وتخدع حلفاءها أو يخدعها حلفاؤها، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك أنها لن تخدع مراكشيًّا واحدًا ولا تونسيًّا واحدًا، ولن تصد الجزائريين عن هذا الاستقلال الذي يجاهدون في سبيله منذ سنين.

بل ليس من شك في أن الحكومة الفرنسية التي تدعو إلى هذا الحلف أو تقبل الدعوة إليه لا تخدع شعبها نفسه؛ فشعبها — مهما تكن ظروفه — يعلم حق العلم ويؤمن أقوى الإيمان، بأن شمال أفريقيا قد فارقه إلى غير رجعة، وبأنه لم يعُد ذلك الشعب القوي العزيز، الذي يستطيع أن يقهر غيره من الشعوب، وإنما هو قد أصبح شعبًا لا يريد إلا أن يعيش، وأن ينتهز فرص الحياة، ويستمتع بطيباتها في دعة وأمن، لا يحارب أحدًا ولا يحاربه أحد، أصبح الشعب الذي يذكر بقول الشاعر القديم:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

وهو طاعم كاسٍ حقًّا، وهو فوق ذلك لاعب لاهٍ مُغْرِقٌ في اللهو واللعب، لا يريد ولا يتمنى إلا أن تُخلي حكومته بينه وبين ما هو فيه من الاستمتاع.

حكومة فرنسا إذن لا تخدع إلا نفسها، وهي تحاول محاولة اليائس الذي تقطعت به أسباب الرجاء، وحلفاؤها يريدون ويحاولون أن يريحوها من بعض ما تجِد في شمال أفريقيا؛ ليفرغوا هم لخصمهم ذاك العنيد من جهة أخرى، ولكنهم لا يجدون الشجاعة على أن يواجهوها بالحقائق ويصدروها عن الغرور، ويطلبوا إليها في حزم أن تدع شمال أفريقيا لأهله، يدبرون أمرهم فيه كما يريدون لا كما يريد لهم الفرنسيون.

وسيُخفق الحلفاء في هذه المحاولة كما أخفقت فرنسا في محاولات أخرى كثيرة، ولا بد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يعلم فيه عشَّاق الأحلاف والتطويق أنهم إنما يبذلون ما يبذلون من الجهود، وينفقون ما ينفقون من الأموال، ويقدرون ويفكرون، في غير طائل؛ لأن التاريخ أقوى منهم، ولأن يقَظة الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش أقوى وأنفذ من حيلهم. وسيعلمون حق العلم بأن الخير لهم، إنما هو أن يجاروا التاريخ، ويسلكوا معه الطريق التي يسلكها، ويعترفوا بالحقائق مهما تكن مُرَّةً، ويلائموا بين مصالحهم ومصالح الشعوب اليقِظة التي تأبى أن تعيش إلا كريمة، يُظِلُّهَا الاستقلال.

وصدق الله حين قال في تصوير المنافقين: ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.