لم يستطع هذا العنف الهائل الذي انتهت إليه الحرب في غرب أوروبا ووسطها أثناء هذه الأسابيع، أن يصرف المتتبعين لشئون السياسة عن التفكير المتصل المُلِحِّ في المشكلات التي نشأت وما تزال تنشأ عن تحرير البلاد الأوروبية المحررة؛ لأن هذه المشكلات ليست أوهامًا يُشغَل بها الذهن، فيمكن أن يُصرَف عنها حين تعرض الحوادث وتلم الخطوب، وليست فروضًا يجد العقل في تصورها والتماس المخرج منها شيئًا من هذه اللذة العقلية التي يعمد إليها المفكرون في أوقات الفراغ، وإنما هي حقائق ماثلة تعلن نفسها إلى الناس، وتفرض نفسها عليهم، وتخيرهم بين أن يواجهوها مخلصين ليجدوا لها الحلول الملائمة وبين أن يدوروا حولها يلتمسون لها الحلول المعوجة، فلا ينتج ذلك إلَّا ازدياد القلق واشتداد الخوف وارتباك الأمور.

وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى هذا الاجتماع الذي يُهيَّأ له بين المستر روزفلت والمستر تشرشل والماريشال ستالين، وإلى أن هذا الاجتماع سيواجه المشكلات الخطيرة التي تشغل أوروبا في هذه الأيام، وتختلف فيها الآراء اختلافًا شديدًا، فقد ظهر في هذا الأسبوع نوع من التفكير في أن يصبح هذا الاجتماع رباعيًّا لا ثلاثيًّا، وأن تُمثَّل فيه فرنسا ما دامت قد استردَّتْ مكانتها الممتازة بين الدول الكبرى، وما دامت هذه الدول الكبرى نفسها قد اعترفت لها بهذه المكانة، وما دامت فرنسا قد أمضت موثق الأمم المتحدة في أول هذا العام.

والظاهر أن هذه الفكرة كانت مستقرة في نفس الفرنسيين، يطمحون إليها ويصرون عليها، ولكنهم ينتظرون الفرصة الملائمة لإعلانها والمطالبة بها.

وقد سنحت هذه الفرصة أخيرًا بإمضاء فرنسا موثق الأمم المتحدة أولًا، وبزيارة المستر تشرشل فرنسا للمرة الثانية بعد الاعتراف بالحكومة المؤقتة ومقابلته للجنرال ديجول في آخر الأسبوع الماضي، واشتراك الجنرال ديجول في المحادثات العسكرية التي دارت في باريس، وبعد أن تحقق البريطانيون والأمريكيون أن الحرب لا يمكن أن تمضي في طريقها المرسومة لها والمنتهية بها إلى الفوز دون أن تشترك فيها فرنسا اشتراكًا قويًّا يلائم مكانتها، ويلائم حاجتها، ويلائم آمالها في تنظيم السلم.

وقد تم كل هذا، واتفق البريطانيون والأمريكيون على أن يمدوا فرنسا بكل ما تحتاج إليه من الأسلحة والأدوات ليكون لها الجيش العظيم الذي كان لها من قبل، واقتسم البريطانيون والأمريكيون فيما بينهم هذا التموين الحربي، فستنهض أمريكا بإمداد فرنسا بالأسلحة الثقيلة، وستنهض إنجلترا بإمدادها بالأسلحة الخفيفة وما يحتاج الجند إليه من كساء وغذاء.

وقررت فرنسا نفسها تعبئة الفرنسيين، بحيث لا تنتهي أشهر قليلة حتى يزيد جيشها على المليون، والمحقق أن فرنسا سيكون لها حسب هذا الاتفاق في الأسابيع القليلة المقبلة جيش لا يقل عن أربعين فرقة.

ومعنى هذا كله أن فرنسا قد أصبحت تحتل المكانة السياسية التي كانت تحتلها قبل الكارثة، وهي ستحتل بعد أسابيع المكانة العسكرية التي كانت لها من قبل. وإذن فلا ينبغي أن يُقضَى في أمر العالم وهي غائبة؛ لأن غيابها يجعل هذا القضاء مشكوكًا في قيمته كل الشك.

وقد اعترف الحلفاء منذ وقت طويل بحق فرنسا الكامل في أن تشارك في حل المشكلات التي تتصل بألمانيا بعد الصلح، وبحقها الكامل في كل ما تحتاج إليه سلامتها من الضمانات المتصلة بألمانيا، ولكن هذا يكفي لدولة تريد أن تعيش آمنة مطمئنة كريمة ليس غير. فأمَّا إذا أرادت هذه الدولة ألَّا تؤثِر نفسها بالأمن والطمأنينة، وأن تشارك في احتمال التبعات العالمية الكبرى لتكفل الأمن والطمأنينة للعالم كله؛ فلا بد من أن تنهض بمثل ما تنهض به بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا من الأعباء.

وهذا هو الذي تريده فرنسا لأنه طبيعتها الثانية، ولأنه ملائم كل الملاءمة لمزاجها السياسي الذي لا يحب الأثرة ولا يحب التخلف، ثم لأن فرنسا لا تعرف عصرًا من عصور تاريخها الطويل تخلفت فيه عن النهوض بالأعباء العالمية الكبرى. ولذلك لم يكد يظهر الاتفاق الأخير على إمداد فرنسا بما تحتاج إليه من الأسلحة حتى ظهر في أمريكا التفكير في دعوة فرنسا إلى الاجتماع المقبل بين الرؤساء الثلاثة، ثم ظهر هذا التفكير في فرنسا نفسها، وجعل الفرنسيون يتحدثون به ويلحون فيه، وأعلن بعض ساستهم في الراديو أمس أن اجتماع الرؤساء الثلاثة لن ينتج ما يُنتظَر منه إذا لم تشترك فيه فرنسا؛ لأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر الحرب والسلم، ولأن فرنسا هي العنصر الذي يستطيع أن يُقرِّب بين وجهات النظر المختلفة التي ستنشأ قطعًا بين الرؤساء حين تُعرَض المشكلات الكبرى للبحث والتمحيص.

وأكبر الظن أن روسيا ستؤيد فرنسا في تحقيق ما تطمح إليه بحكم ما بينهما من الحلف والمودة، وأكبر الظن أيضًا أن البريطانيين والأمريكيين لن يمانعوا في ذلك لأنهم يُقدِّرون حاجة العالم إلى معاونة فرنسا، ويُقدِّرون المشكلات الخطيرة التي تنشأ عن تخلف فرنسا واعتزالها، وهم قد أظهروا من العطف على فرنسا أثناء محنتها ومن تأييدها منذ حُرِّرَتْ ما يكفل الثقة بأنهم سيعينونها على أن تخطو الخطوة الأخيرة لتسترد مكانتها التقليدية غير منقوصة.

والواقع أن الرؤساء الثلاثة سيعرضون لمشكلات لا سبيل إلى حلها دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها؛ ففرنسا دولة عظيمة من دول البحر الأبيض المتوسط، فلا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة اليونان دون أن تشترك فرنسا في حلها، وقد كانت فرنسا ضامنة لاستقلال اليونان قبل الحرب. ولا يمكن أن تُحَل مشكلة يوجسلافيا دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها، وقد كانت فرنسا حليفة ليوجسلافيا قبل الحرب. وليست مشكلة يوجسلافيا بأقل تعقيدًا من مشكلة اليونان، وقد أخذت هذه المشكلة تظهر شديدة التعقيد في اليومين الأخيرين حين قابل المستر تشرشل ومعه المستر إيدن ملك يوجسلافيا لمناقشته في الأمور الخطيرة التي تم عليها الاتفاق بين وزارته والماريشال تيتو وأقرتها روسيا، والتي تحتاج إلى أن ينشأ في يوجسلافيا نظام وصاية كالذي أُنْشِئَ في اليونان حتى يتم استفتاء الشعب في نظام الحكم الذي يرضاه.

وقد قَبِلَ مَلِكُ اليونانِ نظامَ الوصاية، وأُنْشِئَ هذا النظام منذ أسبوع، ومن المرجح أن يقبل ملك يوجسلافيا نظام الوصاية أيضًا، ومن المرجح أن ينشأ هذه النظام في الأيام المقبلة. ولكن إنشاء نظام الوصاية في اليونان ويوجسلافيا لا يحل المشكلات اليونانية واليوجسلافية، وإنما يُمَهِّد لحلها. فلا بد إذن من أن تُدرَس هذه المشكلات في اجتماع الرؤساء، ومن أن تشترك فرنسا في درسها.

وسيدرس الرؤساء في اجتماعهم مشكلة بولندا، وقد كانت بولندا حليفة لفرنسا قبل الحرب، وفرنسا قد أعلنت الحرب من أجل بولندا كما أعلنتها بريطانيا العظمى. وبين فرنسا وروسيا مودة تقليدية وحلف مجدد؛ فاشتراك فرنسا في هذه المناقشات سيعين من غير شك على تذليل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.

كل هذا ولم تعرض لهذه المصالح المشتبكة خارج أوروبا، والتي لا تستطيع فرنسا أن تهملها أو تغفل عنها أو تقبل القضاء فيها وهي غائبة. فلا غرابة إذن في أن يفكر الرأي العام العالمي في أن فرنسا يجب أن تشهد هذا الاجتماع، ولا غرابة في أن تطالب فرنسا نفسها بشهود هذا الاجتماع.

ولسنا ندري أيعرض الرؤساء في اجتماعهم المقبل لمشكلات الشرق الأوسط والأدنى، أم يرجئونها إلى حين، ولكن المحقق أن هذه المشكلات في حاجة إلى أن تُدرَس، وإلى أن يظهر فيها اتجاه الرأي عند الحلفاء، ويكفي أن نلاحظ أمرين لهما خطرهما العظيم، فهناك أحاديث قد أخذت تُذاع هنا وهناك بأن روسيا تريد أن تُعيِّن وزير دولة يقيم في طهران، كما أن لبريطانيا العظمى وزير دولة يقيم في القاهرة. ومعنى ذلك أن روسيا تريد أن تكون لها كلمة مسموعة في الشرق الأوسط كما أن لبريطانيا العظمى كلمة مسموعة في الشرق الأدنى. وإذن فلا بد من اتفاق بريطانيا العظمى وروسيا على تدبير هذه الأمور وتيسيرها، ولا بدَّ من أن تسمعا في ذلك كلمة أمريكا وفرنسا.

والثاني أن الرأي العام في البلاد العربية كلها مهتم أشد الاهتمام بمسألة فلسطين، ومن مصلحة العالم أن يطمئن هذا الرأي العام العربي، وأن يعلم علم ثقة ويقين أن الحلفاء لا يريدون أن يخدعوه، ولا أن يأخذوه على غرة، ولا أن يختلسوا منه مسألة فلسطين اختلاسًا، ولا أن يضعوه أمام الأمر الواقع في هذه المسألة.

وليست بريطانيا العظمى أقل من فرنسا حاجة إلى إرضاء هذا الرأي العام العربي، والثقة بأنه مطمئن إلى سياستها، لا ينظر إليها في قلق ولا في ضرر ولا في ارتياب.

ومن يدري؟! لعل أمريكا وروسيا تحتاجان إلى ثقة الرأي العام العربي كما تحتاج إليه بريطانيا العظمى وفرنسا.

ومعنى هذا كله أن المشكلات العالمية — ما ظهر منها وما لم يظهر بَعْدُ — تحتاج لا إلى تعاون ثلاثي بل إلى تعاون رباعي لحلها، وأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر هذا التعاون.

وواضح جدًّا أننا إنما نُصوِّر في هذا كله اتجاه السياسة الأوروبية كما يراه الأوروبيون والأمريكيون، فأمَّا تصوير الاتجاه السياسي كما تراه الشعوب التي تثور فيها هذه المشكلات فقصة أخرى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.