أما أن نقول ونكثر القول، فذلك شيء يسير، وربما كان محببًا إلى النفوس، وأما أن نجتمع ونعدد الاجتماعات، فذلك شيء شاقٌّ بعض الشيء، ولكن السبيل إليه سهلة أيضًا، وله مزاياه؛ فقد نلتقي وقد يتحدث بعضنا إلى بعض، وقد تتاح لنا فرصة القول والإكثار فيه.

وأما أن ننشر أخبار الاجتماعات وما كان فيها من كلام، فأمر لا بد منه؛ ليعلم الناس أنَّا لا نُنفق أوقاتنا في لعب وعبث، ولكنَّا نجتمع ونلتقي ونسعى إلى هذا الاجتماع من أقصى أطراف المدينة، ثم نتكلم ونتحمس ونصفق للكلام والحماسة، ونتفق على وجوب الكلام والحماسة، ونُجمِع على قرارات فيها الإنكار والاحتجاج، ثم ننتخب من يبلغ القرارات والاحتجاجات، ويسعى هؤلاء إلى الوزراء والرؤساء، وينشر سعيهم وحديثهم وما تَلقَّوا من إقبال وإعراض.

كل هذا نفعله، وكل هذا نرغب فيه ونحرص عليه، وكل هذا يراه القراء فيرضون ويعلنون الرضى، أو يسخطون ويكتمون السخط، وكذلك أدت الصحافة واجبها بدونه، وبحقِّ زميلها السجين، ودافع الصحفيون عن أنفسهم يوم تدور عليهم الدائرة، وتدول من حولهم الدول، ويتعرض كل واحد منهم لمثل ما يتعرض له توفيق دياب الآن، وما تعرض له غيره مِن قبلُ.

أما وزير الحقانية فيبتسم ويطرق، ثم يرفع رأسه ويقول كلامًا قد يكون حلوًا، وقد يكون مرًّا، ولكنه يدع توفيق دياب حيث هو، ويبقيه فيما هو فيه.

وأما رئيس النواب ووكيل الشيوخ فيتظرفان ويتلطفان ويقولان كلامًا قد يكون عذبًا سائغًا، وقد يكون ملحًا أجاجًا، ولكنه يدع توفيق دياب حيث هو الآن، ويبقيه فيما هو فيه، ويُعرِّض الصحفيين جميعًا لمثل ما يلقاه هذا الصديق.

وأما النواب فمنهم من يظهر العطف، ومنهم من يظهر الاستهزاء، ومنهم من يظهر الشماتة، ولكنهم جميعًا يحبون الأناة، ولا يرون بأسًا بأن يظل توفيق دياب حيث هو الآن، ويبقى فيما هو فيه، وأن يتعرض الصحفيون لمثل ما يتعرض له.

ولكن هناك قوة أخرى لا تدع توفيق دياب حيث هو، وهي قوة الآلام والمرض التي قد تلحُّ على صحته فتُضنيها، ولكن هناك قوة أخرى لا تبسط سلطانها على توفيق دياب وحده، وإنما تبسطه على قوم آخرين، هم أسرة توفيق دياب وأصدقاؤه وزملاؤه، الذين يألمون ويشفقون على تفاوتٍ في الألم والإشفاق.

ولكن هناك شيئًا آخر قد يكون أعز من توفيق دياب، وقد يكون أحوج إلى أن يُدافع عنه من توفيق دياب؛ وهو كرامة الرأي والصحافة التي تمتهن حين يُعامل المفكرون والصحفيون معاملة اللصوص وقطاع الطريق العام.

كل هذا في حاجة إلى أن يعمل الصحفيون شيئًا، ولكن الصحفيين قد اجتمعوا غير مرة، وخطبوا غير خطبة، وقد زاروا الوزراء والرؤساء، وقد نشروا في الصحف أنباء هذا كله، وهم يرون — فيما يظهر — أن هذا يكفي. أما الحقائق الواقعة فترى غير ما يرون؛ فما زال توفيق دياب حيث هو يعامل معاملة المجرم العادي، وما زالت كرامة الصحافة ممتهنة تدعو الصحفيين إلى استنقاذها من هذه الذلة، وما زال شرف الصحفيين المصريين مُعرَّضًا لسخرية الصحفيين الأجانب، وما زالت حاجة الصحفيين المصريين إلى التضامن الصحيح الذي يقوم على الشعور الصادق بكرامة المهنة، وكرامة النفس، وحق الرأي في أن يحترم، ما زالت هذه الحاجة قائمة ولن يرضيها الكلام.

وإذن فما الذي يرضيها، وما الذي يجب أن يصنع؟

الذي يرضيها والذي يجب أن يُصنع شيءٌ يسير، يسيرٌ جدًّا، لا خروج فيه على نظام، ولا مخالفة فيه لقانون، وإنما هو شيء طبيعي مألوف يعمله الصحفيون جميعًا إذا أُهدِرت حقوقهم، أو امتهنت كرامتهم، أو أبت السلطات أن تنصفهم.

وهذا الشيء قد لا يحقق للصحافة ما تريد، ولكنه يُشعر السلطة ويُشعر الشعب أن الصحافة قوة حقيقية لا تتكلم فحسب، ولا تتخذ الكلام غاية لوجودها، وإنما هي تتكلم لأنها ترى الكلام وسيلة إلى العمل.

هذا الشيء يحتاج إلى شجاعة يسيرة، وتضحية يسيرة، وشيء يسير جدًّا من الإيثار الذي هو أقرب إلى الأثرة. هذا الشيء هو احتجاب الصحف يومًا أو أيامًا، ولكني واثق بأن الصحف لن تحتجب؛ لأنها لن تتضامن — مع الأسف الشديد — في تقدير ما يصيب كرامتها من الذلة والامتهان.

يوم تشعر الصحافة بكرامتها شعورًا قويًّا واضحًا يُمكِّنها من التضحية، ويهون عليها الاحتجاب يومًا أو أيامًا؛ تُتَّخذ كل وسيلة لإرضائها وتقرير حقوقها، وتصبح خليقة في مصر بأن تُسمَّى كما تُسمَّى في غير مصر صاحبة الجلالة الصحافة. فأما قبل هذا اليوم فلْتُسَمِّ نفسها ولتُسَمِّها أنت بما شاءت وشئت من الأسماء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.