يقول المثل العربي القديم: إن الحرب أولها كلام.

ويظهر أن الحرب آخرها كلام أيضًا؛ فقد كثر الحوار واشتد الجدال في أقطار الأرض كلها قبل أن تنتهي الحرب بوقت طويل، وقد انقطع دوي المدافع في أوروبا وانتهى تبادل الموت بين المتحاربين، ولكن حرب الكلام لم تزدد إلَّا اضطرامًا واحتدامًا.

وما من شك في أنها ستمعن في الاضطرام والاحتدام كلما تقدمت الأيام حتى ينعقد مؤتمر الصلح وينتهي إلى القرارات التي يمكن أن ينتهي إليها.

ومن يدري؟! لعل هذا أيضًا لا يضع حدًّا للحرب الكلامية؛ فحاجة من عاش لا تنقضي، وآمال الناس لا تُضبَط، ومطامعهم لا تُحَدُّ، ولا بدَّ لهم من أن يختصموا. وهم سعداء كل السعادة حين ينتهي اختصامهم إلى مثل ما هم فيه الآن من اختلاف الرأي، وتباين الأهواء، والازدحام على المطامع والمآرب. ولا يتجاوز ذلك إلى مثل ما كانوا فيه في هذه الأعوام الأخيرة من تهادي الموت، وتقارب الدمار، وإسراف بعضهم في إثناء بعض.

والأمريكيون يحبون الإحصاء ويغلون في حبه ويقحمونه في كل شيء، وهم قد أحصوا المشكلات التي يواجهها المنتصرون في أوروبا، فرأوها تنيف على الثلاثين. منها ما يتصل بشرق أوروبا، ومنها ما يتصل بغرب أوروبا، ومنها ما يتصل بأوروبا الوسطى، ومنها ما يتصل بأوروبا الجنوبية، ومنها ما يتصل بأقطار أخرى يفصلها البحر عن أوروبا، ولكن بينهم وبين أوروبا أسبابًا لا تريد ولا ينبغي أن تنقطع.

والعالم الحديث يحب التخصص ويحرص عليه، وليس من شك في أن بين الذين يُعنَون بسياسة هذه المشكلات التي نيفت على الثلاثين طوائف تحرص على التخصص، فتؤثر كل واحدة منها أن تفرغ لمشكلة من المشكلات أو لجماعة من هذه المشكلات، تقتلها بحثًا ودرسًا وتمحيصًا، وتستكشف من أسرارها وغوامضها ما يزيد حرب الكلام اضطرامًا واحتدامًا. ولكن هؤلاء المتخصصين لم يستطيعوا بعد أن يمتازوا، ولا أن يرفعوا صوتهم فوق الأصوات، وإنما نحن الآن في طور الاختلاط الذي يعرض فيه كل إنسان لكل شيء، ويكتب فيه كل كاتب في كل موضوع. وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلم تنتهِ الحرب الأوروبية إلَّا منذ أسبوع.

وعلى كل حال، فهناك مراكز أساسية لهذه الحرب الكلامية الخطيرة، وهي: لندرة، وموسكو، وواشنطون، وباريس. وقد كان يظن أن سان فرنسيسكو ستكون أهم هذه المراكز وقتًا ما، ولكن سان فرنسيسكو لم تلبث أن فقدت خطورتها حين انتهت الحرب الأوروبية، فتفرق عنها وزراء الخارجية للدول الكبرى، وعادوا إلى بلادهم يشرفون من قرب على إدارة الحرب الكلامية الظاهرة والخفية بعد أن انتقلت إليهم أمور الحرب من زملاءهم وزراء الدفاع والهجوم، وأصبحت سان فرنسيسكو الآن في المنزلة الثانية أو الثالثة، يكثر فيها الكلام ويقل فيها العمل.

وليس أدلُّ على ذلك من أن المسائل الكبرى التي كانت تُدرَس في سان فرنسسكو ويشتد حولها الخلاف والجدال قد سافرت هي أيضًا مع وزراء الخارجية إلى المراكز الكبرى لحرب السياسة والكلام، وأصبحت من الأمور التي لا تشترك في درسها الأمم الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وإنما تتأثر بدرسها والقضاء فيها الدول الكبرى وحدها.

وهذه الدول الكبرى كانت أربعًا؛ وهي: بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا والصين. فأصبحت خمسًا بعد أن رُدَّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي بقرار إجماعي من مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرنسسكو.

والظريف الطريف في هذا أن الوفد الكندي هو الذي اقترح أن يُرَدَّ هذا المركز إلى فرنسا، وأن الوفد الذي أيَّده في هذا الاقتراح هو وفد أفريقيا الجنوبية، وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن المارشال سمطس هو الذي يرأس وفد أفريقيا الجنوبية، والمارشال سمطس هو الذي ألقى منذ حين حديثًا لم ينسَه الناس بعد ولم تنسَه فرنسا بعد، وقد أعلن فيه أن فرنسا قد فقدت مكانها بين الدول العظمى إلى وقتٍ بعيدٍ جدًّا. فمن الطريف أن يكون المارشال سمطس هو الذي يؤيد الاقتراح الذي يردُّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي الممتاز. وهذا يدل على شيئين؛ أحدهما: أن حقائق الحياة أقوى جدًّا من تفكير الناس وتقديرهم. والثاني: أن الناس لم يخطئوا حين قدروا أن المارشال سمطس سياسي عظيم؛ لأنه يلائم بين آرائه وبين حقائق الحياة، ولا يمتنع من الرجوع عن الخطأ حين يظهر له أنه كان مخطئًا.

وربما دلَّ هذا على شيءٍ آخر ينبغي أن نتدبره نحن ونطيل التفكير فيه، وهو أن اليأس إن كان بغيضًا خطرًا بالقياس إلى الأفراد، فهو سخيف كل السخف بالقياس إلى الشعوب.

ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي كان الألمانيون يحتلون فرنسا كلها ويسيطرون على أمرها سيطرة تامة، وكان الحلفاء يتهيأون للغزو، وكان الألمانيون يسخرون من هذا الغزو ويرونه مغامرة صائرة إلى الإخفاق.

ثم بدأ هذا الغزو في يونيو، وحررت باريس نفسها في أغسطس، ولم يتم العام دورته حتى أصبح المغلوب غير الغالب، وأصبحت فرنسا كما كانت إحدى الدول الكبرى، وأصبحت ألمانيا محتلة كلها يشارك الفرنسيون أنفسهم في احتلالها. فإذا كان هناك شيءٌ ينبغي أن تتجنبه الأمم، وأن ترد عنه ردًّا عنيفًا، فإنما هو اليأس الذي لا يلائم الشعوب الحية ذات المجد القديم وذات الثقة بقدرتها على الحياة.

أقول هذا وأنا أفكر في حلمٍ مَرَّ ببعض النفوس في مصر أثناء الحرب؛ لكثرة ما احتملت مصر من المشقة وما بذلت من الجهد وما سمعت من الشكر والاعتراف بالجميل، وما تلقَّتْ من الوعود، وما زُيِّن لها من الأماني، فقد وجدت بين المصريين من اتسعت آمالهم إلى أبعد حدٍّ. فقدروا أن انتهاء الحرب لن يكفل لهم استكمال الاستقلال فحسب، ولكنه سيكفل لهم شيئًا آخر أعظم خطرًا من استكمال الاستقلال، وهو الاشتراك الفعلي الخطير في تدبير الشئون العالمية الكبرى. ولم يكن هذا الحلم غريبًا ولا شاذًّا؛ فقد كانت مصر نقطة عظيمة الخطر حقًّا في مصير الحرب، وقد عرفت كيف تَفِي لحلفائها، وكيف تحمي ظهورهم حين كان الألمان يسرعون إلى الإسكندرية وإلى وادي النيل، وكيف تشد أزرهم حين ولى الألمان مدبرين، وكيف تمنحهم الود حين قلَّ الأصدقاء، وكيف يثبت قلبها حين تخلعت القلوب.

كل ذلك قد كان، وكل ذلك عرفه الحلفاء جميعًا وشكروه لمصر شكرًا مجددًا متصلًا.

وكان هؤلاء المصريون يعتقدون أن هذا كله لن يذهب مع الريح، ولن يُكافأ بكلمات الشكر وألفاظ الثناء وحدها. وكانوا واثقين بأن انتهاء الحرب سيكون من آثاره الأولى أن تُرَدَّ إلى مصر حقوقها الكاملة في وادي النيل كله، وأن تُدْعَى مصر إلى الاشتراك في تدبير الشئون العالمية الكبرى على أنها تستحق ذلك استحقاقًا لمركزها الجغرافي من جهة، ولوفائها بالعهد حين قلَّ الأوفياء بالعهد من جهة أخرى، ولمستقبلها الخطير، سواء أراد الناس أو لم يريدوا من جهة ثالثة.

ولست أعتقد ولا أقول إن الأيام قد كذبت هذه الأحلام؛ فإن الحرب لم تَنْتَهِ في أوروبا إلَّا منذ أسبوع، والأسبوع شيءٌ قليلٌ في تاريخ الناس، وإنما أتمنى أن تنبئنا الأيام والأسابيع المقبلة بخير مما نبأتنا به الأيام والأسابيع الماضية، وقد كان من الخير أن تقول السياسة العالمية شيئًا في استكمال الاستقلال المصري، وأن يقول حلفاؤنا فيه شيئًا بنوع خاص، واستكمال الاستقلال المصري لا شأن له بمؤتمر الصلح ولا بمؤتمر سان فرنسيسكو، فهو ليس قضية معلقة بيننا وبين المحور المنهزم، وليس قضية معلقة بيننا وبين الروس والأمريكيين والفرنسيين والصينيين، وإنما هو شيءٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين وحدهم. وقد أثبتت الحرب وأهوالها أن كل شيءٍ بيننا وبين البريطانيين يجب أن يقوم على المودة وعلى التكافؤ في الأخذ والعطاء.

ولكن شيئًا لم يُقَلْ إلى الآن، فلننتظر حازمين عازمين واثقين بأن هذا الشيء يجب أن يُقال، ويجب أن يصبح حقيقة واقعة.

وكان هؤلاء المصريون يُقدِّرون أن مصر لن تكون عضوًا مؤسسًا في جمعية الأمم المتحدة وحدها، بل ستكون عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، سواء تألف من أحد عشر عضوًا أو أكثر من ذلك أو أقل.

وقد يبدو هذا غريبًا عند الذين ينظرون إلى الأمور نظرة الشك، وقد يضحك من هذا بعض الأقوياء الذين تغرهم القوة فتغريهم بالاستطالة والاستعلاء، ولكن هذا الحلم ملائم كل الملائمة لحقائق الأشياء ولطبيعة السلم إن أُريد التماس السلم الصحيحة، فقد أظهرت الحرب ألَّا سبيل إلى السلم في أوروبا ولا في الشرق القريب أو البعيد إذا لم تكن شئون البحر الأبيض المتوسط مستقرة آمنة، وألَّا سبيل إلى أن تستقر شئون البحر الأبيض المتوسط وتأمن إلَّا إذا شاركت مصر في إقرارها وتأمينها.

وهناك سبيلان لمشاركة مصر في إقرار هذه الشئون وتأمينها، إحداهما لا أمل فيها، وهي إكراه مصر على هذه المشاركة بالقهر والقسر والاستعلاء، فقد انقضت الأيام التي كان يمكن أن تُساس فيها مصر بما لا تريد، والثانية أن تكون هذه المشاركة نتيجة للحرية الكاملة والرغبة الصادقة والاقتناع بأن مصر مؤثر خطير في شئون الحرب والسلم في هذا الجزء من أجزاء الأرض.

إذن؛ فلا غرابةَ في أن تُستشار مصر في كل ما يتصل بشئون البحر الأبيض المتوسط، ولا غرابة في أن تشير مصر في كل هذه الشئون.

وسبيل ذلك أن تكون مصر عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فلم يَقُل أحد ولن يقول أحد إن الحرب قد ذهبت إلى غير رجعة، وإن السلم قد استقرت في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى آخر الدهر، وإنما الذي يُقال هو أن الحرب قد انتهت الآن وتركت أوتارًا وحفائظَ وضغائنَ وأحقادًا ومطامعَ، وكل هذا خليق أن يعيدها يومًا ما إلَّا أن يحسن الاحتياط لذلك، ولن يحسن الاحتياط لذلك إذا أهملت مصر ولم تَرْعَ حقوقها وكرامتها وآمالها.

وأعود فأقول إن هذه الأحلام قد يضحك منها الشاكون، ويسخر منها الأقوياء الظافرون، ولكنها مع ذلك ملائمة أدق الملاءمة وأصدقها لحقائق الأشياء.

ومهما يكن رأي الشاكين والظافرين، ومهما يكن رأي بعض الصحفيين الأجانب الذين ينظرون إلى هذه الأحاديث نظرة لا تخلو من بعض الإشفاق ولا تخلو من بعض المكر، ويرون أنها أحاديث تصور المهارة أكثر مما تصور الحق الواقع.

مهما يكن رأي أولئك وهؤلاء، فإن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن علينا نحن الذين يبصرون الشعب المصري بحقوقه وواجباته، ويكشفون له عن آماله وأمانيه أن نقول للشعب المصري في صراحة وحزم وعزم إن من حقه أن يظفر باستقلاله كاملًا لوادي النيل، وإن من حقه أن يشارك مشاركة فعلية دائمة في تدبير أمور السلم، وإن من الواجب عليه لنفسه وللحضارة أن يعمل ويأمل ويجد في الظفر بهذه الحقوق والنهوض بهذه الواجبات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.