ليس للناس حديث في هذه الأيام إلا هذا المجلس الذي يجتمع في لندرة، مؤلفًا من وزراء الخارجية للدول الخمس الكبرى؛ فأحاديث هذا المجلس هي التي تُغذِّي أنباء البرق، وإذاعة الراديو، ومقالات الصحف.

وهذه الأحاديث منوَّعة بالطبع، لا تختلف باختلاف الموضوعات التي يمكن أن يدرسها هذا المجلس فحسب، بل تختلف كذلك باختلاف النظرات التي تنظرها الأمم المختلفة إلى كل موضوع من هذه الموضوعات أيضًا.

ويكفي أن نتَّخِذ لذلك مثلًا واحدًا؛ فهذا المجلس يدرس فيما يدرس معاهدةَ الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وواضح جدًّا أن نظر الدول الكبرى إلى هذه المعاهدة يتفق من جهة، ويختلف اختلافًا شديدًا من جهة أخرى. يتفق في أن إيطاليا دولة مغلوبة يجب أن يُفرَض عليها صلح يُصوِّر اندحارها وانتصار الحلفاء، ويتفق كذلك في أن إيطاليا قد سبقت إلى الاستسلام، فيسرت للحلفاء بعض شئون الحرب، وأعانتهم على الفوز شيئًا ما، فيجب أن تُؤخَذ ببعض الرفق. ثم يختلف بعد ذلك اختلافًا شديدًا، مصدره اختلاف المصالح التي يحرص الحلفاء على تحقيقها في أوروبا، وفي البحر الأبيض المتوسط، وفي شرق هذا البحر وغربه على السواء …

فالولايات المتحدة الأمريكية مثلًا لا تملك أرضًا في أوروبا، ولا في أفريقيا، ولا في آسيا، مما يوازي البحر الأبيض المتوسط، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تحقق مصلحة استعمارية بالمعنى الدقيق، وإنما يعنيها أن يستقر في هذه الأقطار سلام عادل، مشبع بالديموقراطية على المعنى الأمريكي، لا بالاشتراكية البريطانية ولا بالشيوعية الروسية، سلام من شأنه أن تسترد إيطاليا شيئًا من قوتها في وقت قريب لتكون مصدرًا من مصادر التوازن في هذه المنطقة، سلام من شأنه كذلك أن يُعِينَ على انتشار الرخاء، ورواج التجارة، واستئناف الأخذ والعطاء بين العالم الجديد وهذا الجزء من العالم القديم.

وليس لروسيا ممتلكات في هذه الأقطار، ولكن لها حلفاء وأنصارًا يعنيها أن ينتفعوا من معاهدة الصلح مع إيطاليا، فلا بد من أن تظفر يوجسلافيا المظلومة بشيء من الإنصاف على حساب إيطاليا الظالمة، وقد يكون لروسيا آمال اقتصادية في هذه المنطقة من الأرض، ولكن لها قبل كل شيء آمالًا سياسية تتصل بأحلامها القديمة في امتداد نفوذها إلى البحر المتوسط.

وإلى هنا يمكن أن تكون الولايات المتحدة وروسيا عنصرين من عناصر الاعتدال، وتحقيق التوازن في الصلح الذي سيُفرَض على إيطاليا. وقد كدت أنسى الصين؛ لأن وجودها في هذا المجلس بالقياس إلى هذه المعاهدة الإيطالية يوشك أن يكون نظريًّا. ولا كذلك الأمر فيما يمس بريطانيا العظمى وفرنسا؛ فلكل واحدة منها مصالح خطيرة في هذا الجزء من العالم، ففرنسا جارة إيطاليا في أوروبا، وهي جارة إيطاليا في أفريقيا، وهي شريكة إيطاليا في البحر الأبيض، وهي بعد هذا كله موتورة لم تَنْسَ بَعْدُ غَدْرَ موسوليني لها في يونيو سنة ١٩٤٠. ومصالح بريطانيا العظمى ومطامعها في غرب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، وأوضح من أن تحتاج إلى بيان.

وكذلك تنظر كل دولة من هذه الدول الخمس إلى الصلح مع إيطاليا نظرتين، إحداهما مشتركة مع زميلاتها، والأخرى خاصة بها وبما تحرص على تحقيقه من المصالح والأطماع.

ثم إن الأمر ليس مقصورًا على هذه الدول الخمس الكبرى، فهناك دول أخرى لها مصالح ومطامع وآمال، وهي تنظر إلى المعاهدة الإيطالية بمقتضى هذه المصالح والمطامع والآمال؛ فاليونان موتورة من إيطاليا، وهي تطالب بجزر الدوديكانيز، وتركيا تنظر إلى هذه الجزر نظرة فيها كثير من الأمل الذي يريد أن يظهر ولكنه يستحي؛ لأن تركيا لم تشترك في الحرب إلا بعد انتهائها، ويوجسلافيا موتورة، وهي تطالب بجزء من الأرض طال الاختلاف عليه بينها وبين إيطاليا، حتى النمسا لها مطامعها في التيرول، فإذا تركنا هذه الأمم كلها، ونظرنا إلى الأمم العربية … فسنرى مصر موتورة من إيطاليا التي أخذت بعض أرضها في القرن الماضي، ونغصت على الحزب الوطني حياته، ولم يَنْسَ أحد قصة الملحقات.

وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت عليها في هذا القرن، وعدلت حدود ليبيا على حساب مصر بمعونة البريطانيين، فأخذت جغبوب، وما يتصل بها في تلك المعاهدة التي أمضاها دولة صدقي باشا، والتي دفعت مصر ودفع البريطانيون ثَمَنَها غاليًا في هذه الحرب. وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت على أرضها في هذه الحرب الأخيرة، فوصلت مع حلفائها الألمان إلى العلمين، وضربت مع حلفائها الألمان مدن مصر ومَرَافقها.

ومن شأن هذا كله أن يدفع مصر إلى العناية بمعاهدة الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وإلى المطالبة بأن تُرَدَّ إليها الأرض التي اقتطعتها إيطاليا منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وأن تطالب بتأمين حدودها بحيث لا تتعرض للعدوان الإيطالي مرة أخرى، وأن تطالب بعد هذا كله بشيء من السعة في حريتها العملية في هذا الجزء المجاور لها من شمال أفريقيا، وبحقها في التعويضات التي ستُفرَض على الإيطاليين.

ومصر حين تطالب بهذا كله لا تتجنى ولا تتكلف؛ فهي لم تَدْعُ الإيطاليين إلى أن يقتطعوا بعض أملاكها في شرق أفريقيا، ولا إلى أن يقتطعوا جغبوب، ولا إلى أن يُغِيروا على أرضها، ويضربوا مدنها ومرافقها. ومن أبسط حقوقها أن تطالب بردِّ ما أُخِذَ منها، وأن تحتاط لمستقبلها، وتكفل لنفسها أمنًا معقولًا.

والظريف في هذه القصة أن البريطانيين هم الذين كانوا يحرصون على إرضاء إيطاليا، وهم الذين أرضوا إيطاليا على حساب مصر في القرن الماضي وفي هذا القرن، وهم الذين لقوا من إيطاليا جزاء سنمار! فمن الطبيعي أن يبذلوا الآن كل ما يملكون من جهد؛ ليردوا إلى صديقتهم وحليفتهم مصر ما أخذوا منها وأعطوه إلى عدوتهم إيطاليا، وقد وعد البريطانيون مصر أثناء وزارة الوفد الأخيرة بأن يبذلوا ما يملكون من جهد لتشترك مصر في مؤتمر الصلح، عندما تُدرَس المسائل التي تعنيها، ووعدوها كذلك بأن بريطانيا لن تدخل في مفاوضات تمس مصالح مصر إلا شاورت مصر في شأن هذه المفاوضات.

ولسنا ندري أحقق البريطانيون هذا الوعد الذي أعطوه على أنفسهم أم لم يحققوه، ولسنا ندري إلى أي حد مضوا أو يريدون أن يمضوا في الوفاء بهذا الوعد. فحكومتنا لم تحدثنا بشيء من ذلك، ولكننا نعلم أن الحكومة المصرية نفسها قد أرسلت مذكرة إلى المجلس المعقود الآن في لندرة، عرضت فيها ما ترى أنه يصور رأي مصر في معاهدة الصلح مع إيطاليا، ولسنا ندري أكانت هذه المذكرة موضوع تشاور بين مصر وحليفتها، أم أرسلتها مصر من تلقاء نفسها دون أن يسبق الاتفاق عليها مع أصدقائنا البريطانيين.

والشيء الذي لا شك فيه هو أن المذكرة المصرية قد تكون محررة تحريرًا دبلوماسيًّا يجمع بين الدقة والاعتدال، ولكنها على كل حال فاترة لا تصور الاقتناع بالحق، ولا الحرص على بلوغه، ولا الإلحاح في الوصول إليه، ولعلها أن تمتاز بشيء من الغموض الخطير، فقد يكون من الحق والعدل أن تستفتي ليبيا، ولكن من الحق والعدل قبل كل استفتاء أن ترد إلى مصر الأرض التي أُخِذَتْ منها بمقتضى معاهدة صدقي باشا، ثم تستفتي ليبيا بعد ذلك.

وقد يكون من الحقائق الواقعة أن مصر وبريطانيا العظمى تشتركان الآن في إدارة السودان، كما تقول المذكرة، ولكن من الحقائق المصرية المقررة التي لا ينبغي أن تشك فيها حكومة مصرية أو تعرضها للشك، أن السودان وما أُخِذَ منه وما يمكن أن يُرَدَّ إليه جُزْءٌ من الوطن تشمله سيادة واحدة لا ينبغي أن تتجزأ؛ وهي سيادة الشعب الذي يسكن وادي النيل، فكان ينبغي أن تطلب الحكومة المصرية أولًا أن يُرَدَّ إلى مصر ما أُخِذَ منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وثانيًا أن تُتَّخَذ الإجراءات لتأمين حدود مصر في شمال أفريقيا وشرقها، وثالثًا أن يكفل لمصر حقها في التعويضات، ثم تظهر مصر بعد ذلك رأيها في مستقبل ليبيا الذي يقوم على الاستفتاء. وإن كنت أنا أشك في قيمة الاستفتاء الذي سيجريه البريطانيون المستقرون الآن في هذا الجزء من أفريقيا الشمالية، ولا سيِّما إذا لُوحِظَتْ طبيعة الأرض الليبية، وتفرق الشعب الذي يسكنها، فقد يمكن الاستفتاء في المدن، ولكن الاستفتاء في الصحراء شيء مشكوك فيه.

فهذه صورة من نظرة الأمم العربية إلى المعاهدة التي تُهيَّأ الآن في لندرة لِتُفْرَض على الإيطاليين، ولكن هناك شيئًا آخر نوشك نحن في الشرق العربي أن نغفل عنه، أو أن نهمله، وهو هذه المفاوضات التي تدور على هامش المجلس، جهرة مرة وعلانية مرة أخرى، والتي تمس مصالح الشرق العربي من قريب جدًّا؛ فوزير الخارجية الفرنسي لا ينفق وقته كله في لندرة دارسًا لمعاهدة الصلح مع إيطاليا، ولكنه يدرس أشياء أخرى، ويفاوض فيها بالفعل رأي زميله البريطاني، ويستطلع فيها بالفعل رأي زملائه الآخرين. فهو يدرس مشكلة غرب ألمانيا، وهو يدرس مشكلة الشرق الأدنى، وهو يدرس مشكلة الشرق الأقصى، وهو يهيئ للاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على هذه المشكلات، وهو يهيئ لعقد التحالف البريطاني الفرنسي الذي تأخر عقده أكثر مما ينبغي.

وليس البريطانيون أقل من الفرنسيين رغبة في تحقيق هذا الاتفاق والانتهاء إلى هذا التحالف، والأمريكيون يتمنون أن ينجح هذا السعي؛ لأنه سيحمي غرب أوروبا من الشيوعية، وسيكفل لرأس المال نفوذًا كافيًا في الشرق الأدنى، والشرق الأقصى على السواء.

وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق من غير شك — فمصير الشرق الأدنى يُدرَس الآن في لندرة، ويُراد أن يُقضَى فيه، والشرق الأدنى ساهٍ لاهٍ مشغول بصغائر الأمور، وقد بيَّن الجنرال دي جول في حديثه مع «التيمس» في أول هذا الأسبوع وجهة النظر الفرنسية، ورحَّبَ البريطانيون الرسميون وغير الرسميين بوجهة النظر هذه ترحيبًا حارًّا كما يُقال.

ووجهة النظر هذه بسيطة جدًّا؛ وهي التعاون الدقيق الصريح الخالص من كل شائبة بين البريطانيين والفرنسيين في كل ما يمس الشرق الأدنى، ومعنى هذا في اللغة الفرنسية أن يُحتفَظ لفرنسا بنفوذها كاملًا في مناطق نفوذها في البحر الأبيض المتوسط، وأن يُحتفَظ بمثل ذلك لبريطانيا العظمى، وأن يتعاون أولئك وهؤلاء على الاحتفاظ بهذا النفوذ.

وكذلك يستأثر الفرنسيون والبريطانيون بالنفوذ السياسي والثقافي في الشرق الأدنى، ويجوز أن يسمحوا لغيرهم بشيء من النفوذ الاقتصادي، أو التوسع الثقافي البسيط.

وأغرب ما في الأمر أن هناك جامعة عربية قد أُنْشِئَتْ في هذا العام، وكان الإنجليز يرحبون بإنشائها، وكانت هي حريصة على تحقيق الاستقلال التام لأعضائها، ولكن الإنجليز يتناسون الآن قليلًا قليلًا لترضى فرنسا، أمَّا الفرنسيون فيذكرونها بأطراف ألسنتهم، ويرفعون الأكتاف، ويهزون الرءوس، وأما هي فتنظر إلى نفسها في المرآة، وترضى عن وجودها، وعن أهدافها، ولكنها ترجئ بلوغ هذه الأهداف إلى أن يشاء الله.

وأشد ما في الأمر خطورة أن الدول الكبرى لا تكتفي بالنظر في المرآة، ولا ترجئ بلوغ الأهداف وتحقيق الآمال، وإنما تنتهز الفرص وتحسن انتهازها.

ويُخيَّل إليَّ أن الجامعة العربية تُحْسِن إلى نفسها وإلى أعضائها إذا أَلْقَتْ بينها وبين المرآة حجابًا صفيقًا، ونظرت إلى الحوادث من حولها بدل أن تنظر إلى نفسها، هنالك سترى أن الكيد يُكاد من حولها، وأنها توشك أن تتورط فيما يُنْصَب لها من شراك، وأن النتائج الطبيعية التي ستنتج عن إطالة النظر في المرآة، وعن كثرة التحدث عن النفس، والإعلان لما لا خير فيه، هي أن تستحكم حلقات النفوذ الأجنبي حول الشرق العربي، قد يجد منها مخلصًا، وأن تذهب قضية فلسطين ضحية للنظر في المرآة، والتحدث عن النفس، والاكتفاء بما يُنشَر هنا وهناك من كلام لا غناء فيه.

إني لا أتمنى شيئًا كما أتمنى أن يكذب الذين كانوا يقولون إن الجامعة العربية لم تكن إلا خدعة بريطانية أُثِيرَ أمرها أثناء الحرب، فلما جاء السلم أُهْمِلَ أمرها إهمالًا.

أتمنى أن يُكذَّب الذين يقولون هذا القول، وتكذيبهم سهل؛ لأنه في يد الجامعة العربية نفسها ألَّا تمعن النظر في المرآة، وأن تتجه إلى الشعوب العربية أكثر مما تتجه إلى الحكومات الأوروبية والأمريكية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.