إنَّ حياة الأديب في العصر الحديث عَسيرةٌ شَاقَّة، ولنْ يَكُون الحديث عنها يَسيرًا ولا سَهلًا، وقد كُنَّا نَقْرَأ — وما زلنا نقرأ — أخبار الأندية والمَجَالس التي كان الأدباءُ يتحدثون فيها عن مِهْنَتِهم، فنَجِدُ فيها لذة أي لذة، ومَتاعًا أي متاع.

أمَّا الآن، فأخشى كل الخشية أنْ يكون الحديث عن حياة الأديب شاقًّا عسيرًا لا يخلو من بعض الإظلام، ولا يخلو من إثارة شيء من التشاؤم وضِيقِ النَّفس؛ لأنَّ ظُروفَ الحَياةِ تغَيَّرت تَغيُّرًا شَديدًا، وأصبحَ الأدبُ أدنى إلى الجد الصارم منه إلى أي شيء آخر، وأصبحت حياة الأديب مُعَقَّدة تعقيدًا لم نَعْرِفه فيما مضى. ينشأ هذا التعقيد منَ الظروف التي نعيش فيها، فقد كانت الحرب العالمية الأولى؛ فتعقدت الحياة أشد التعقيد.

ولم يكد الإنسانُ يفيقُ من الحرب الأولى حتى تبعتها الحرب الثانية، وكانتْ أخطر وأشد هولًا، وقد نَشَأ عن هاتين الحربين اللتين ثارتا في أقل من نصف قرن أن اضطربت شئون الناس الاقتصادية، واضطربت شئون السِّياسة، وظَهَرتْ نَزَعات اجتماعية خطيرة لم تكن تخطر إلا للمُفكرين والفَلاسِفة الذين يُحِبُّون أنْ يُفلسفوا حياة النفس، وننظر فإذا العَالم قد انقسم إلى قسمين:

قسم يؤمن بالحرية، ويُحاول أن يُلائم بينها وبين العدل الاجتماعي، ولكن لا يُريد بحال أن يُضحي بالحرية في سبيل العدل، وقسم آخر يطلب العدل ويُضحي بكل شيء حتى بالحرية وبالشخصية الفردية والاجتماعية، وكذلك انقسم العالم إلى القِسْمَين اللذين يضطربان في السلم الآن، ويُخشَى أن يتجاوز السلم إلى الحرب.

وكذلك اضطربت آراء الناس في الحياة كلها: قلق من خوف الحرب، وقلق من الاضطراب الاجتماعي، وقلق من الاضطراب الاقتصادي وغيره في هذه الحياة المُعَقدة التي لا نعرف فيها كيف نُصبح حين نصبح، فإذا أمْسَينَا لم نعرف بما يُسفر عنه صبح الغد. في هذه الحياة المُضطربة، يقف الأدب مَوقفًا في حيرة، ورُبَّما كان مَوقِفُه أشدَّ حيرة من مواقف الناس؛ لأنَّ واجب الأديب الأوَّل هو أنْ يكونَ هاديًا ومُرشدًا. فهو لا يدري إلى أي وجه من وجوه الحياة يَضطرب، وهو لا يدري كيف يواجه المُشكلات التي ضَاقَتْ بها الإنسانية، وعجز التفكير الفلسفي عن حلها، ووقف الناس موقف المُرتبك الذي تأخذه الحيرة من جميع أقطاره.

وما أظن الأديب احتاج لأنْ يُلقي السؤال الذي ألقاه الفَلاسفة: من أين نحنُ؟ وإلى أين نُريد؟ وماذا نريد؟ ما أظنُّ أنَّ الأديب احتاج لأن يُراجع نفسَهُ وضميره ويُفَكِّر ويَتَّصِلَ التفكير بمِقْدَار ما هو مُحتاج إلى هذا الآن. كل شيء من حوله مُخْتَلِطٌ مُضْطرب يعيش في ظلمة مُبْهَمَة لا يدري كيف الاتجاه فيها.

مِنْ أجل هذا كان الحديث عن حياة الأديب عسيرًا، كما أن حياته عسيرة شاقة. ولو عاش أو إذا بُعث بعض أدبائنا القدماء وسمعوا لأحاديث المُعاصرين حين يَلقى بعضهم بعضًا؛ لما فهموا شيئًا، ولأعرضوا عنها مُنكرين، فكان شعراؤنا وكُتَّابنا القدماء إذا لقي بعضهم بعضًا تحدثوا في أدبهم، ينقدون ويُقرظون، يرضون عن شاعرٍ ويَسخطون على شاعر، يُبينون أوجه الرِّضا والسخط، وهكذا.

أمَّا الآن، فإنَّ الأدباء قد اجتمعوا في البندقية، ولا يكادون يتحدثون عن الأدب والشعر أو النقد أو الذوق، وإنما عمَّا هو أهون شأنًا، ولكنه في الوقت نفسه أجل خطرًا. يتحدثون عن الحياة كيف يحياها الأديب، ويحتمل أعباءها، ويُؤدي مُهمَّته في العالم الحديث.

الأديبُ تحت ظل الملوك والأمراء

وكانت مُشكلات الحَياة المادية بالقياس إلى الأدباء في العصور القديمة يسيرة تُوشك أن تحل نفسها، فكان الأديب بين رجلين: أن يكون صاحب مهنة أو عمل يكسب منه القوت، ويَفتَنُّ في أدبه على أنه لون من ألوان الترف، وفن من فنون المتاع العقلي.

وإما أن يكون لا مهنة له، ولكنه انقطع إلى أحد الملوك أو السلاطين فعاش من عطائه، وأفنى عُمره في ظله، أو يتنقل بين الملوك والأمراء يبيعهم فنه، ويأخذ مالهم.

أما الآن فقد تعقَّد الأدبُ وأصبح من العَسير أن يُضيف لفنِّه مِهنة يكسبُ منها القوت؛ لأن الأدب في العصر الحديث يحتاج إلى كثير من الاطلاع، وكثير منَ القِرَاءة والبحثِ والاستقصاء، ثم إلى كثيرٍ من الرَّوية والتفكير لينتج، فإذا حاول الإنتاج احتاج إلى كثير من الجَهْد ليُصحح معَانيه ويُصوبها، ثم ليتخير الألفاظ التي تُؤديها صادقة من جهة، ويكفل شيئًا منَ الجَمال الفني يخلب السمع، ويُرضي القلب، ويُغذي العقل.

وكل هذه الجهود خليقة أن تَسْتَغرق وقْتَه، وكل هذه الجهود خليقة أن يَضِيقَ بها وقته، فإذا احتاج ليعمل في مِهْنَةٍ غير الأدب، فهو أنْ يأخذ شيئًا من وقته أولًا، وجهده ثانيًا، وقوته على العمل والإنتاج ثالثًا، وإذن فهو لا يستطيع أن يفرغ لأدبه ويقف عليه جهده، وقد:

ذهب الذينُ يُعاش في أكنافهم

وبَقيتُ في خَلفٍ كجلد الأجرب

فليس هناك ملوك ولا أمراء يَرعون الأدباء، ولو وُجدوا لأعرض عنهم الأدباء، ونفروا منهم أعظم النفور؛ لسبب بسيط وهو أنَّ الأدبَ قد تَحَرَّر واستَقَلَّ، وأكبر نفسه عن أن تُباح للكُبراء، ويُشترى بالمال، فلم يبق بدٌّ للأديبِ مِنْ أنْ يَعْتَمِدَ على نَفْسِه ليكسِبَ القوتَ، وفي كثير من الأحيان لا يعيش الأديب وحده؛ لأنه إنسان له من يعوله، فيجبُ عليه أن يكسب قوته وقوت من يعول؛ ويفرغ مع ذلك لإنتاجه الأدبي، ولا أريد مُجرد النظم، وإنما أريد الإنتاج الرفيع الذي لا يهان، وإنما يرتفع بقرائه إلى أرفع من عالمهم الذي يضطربون فيه.

نشاطك وفراغ بالك

فكيف يستطيع الأديب أن يُلائم بين هذين الأمرين المتناقضين: فراغ للأدب، وكسب للقوت؟ وكان الجاحظ يستطيعُ أنْ يقول للمُتعلمين للأدب: «خذ من وقتك ساعة فراغك.» أمَّا الآن فلا يستطيع أن يقول ما قال في رسالته التي يطلب فيها أن لا يفكر الأديب في أدبه وهو مشغول البال.

فالأديب مشغول في هذه الحياة. كيف يستطيع إذن أن يوفق بين المتناقضين؟ هذه ناحية، والناحية الأخرى رُبَّما كانت أشد عسرًا؛ وهي ناحية الاحتفاظ بالحُرِّية كما ينبغي أن يحتفظ بها الأديب.

فالحرية هي أنَّه إذا فرغ الأديب لأدبه، وأوحي إليه أو كشف لونًا من ألوان التفكير، وأدى هذا اللون في فن من التعبير، فيجبُ أنْ يكونَ مُحتفظًا بحُرِّيته كامِلَةً لا تَشُوبها شَائِبَة مَهْمَا تكن الظروف.

وكلنا يَعْلَمُ إلى أي حد أصبح هذا عسيرًا في العصر الحديث! أصبحَ عسيرًا لأنَّ الأديبَ مُعَرَّض لألوانٍ منَ الرقابة مُختلفة، ليسَت رقابة الحكومة بأشدها عُسرًا، ولكنها أهونها احتمالًا!

هناك رقابة الرأي العام أو الجمهور، وهناك رقابة الحكومة في السلم والحرب. وهذه الرقابة قوامها أن تحد حرية الأديب، فالرأي العام يُريد أن يكتب الأدباء ما يحب أن يقرأ، وأظنُّ القُرَّاء يوافقونني على أنَّ كتابة ما تحب الجماهير أن تقرأ ليست محببة للأديب إذا كان أديبًا بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأنَّ هناك فرقًا بينَ العُصور القديمة والحديثة، ففي القديم كانتْ القرَاءة مَقصورة على أقليات أرستقراطية، أمَّا في العصر الحديث فقد أصبح التعليم إجباريًّا، وأصبحت الدولة مُكلَّفة أن تعلِّم النَّاس القراءة وتثقفهم وتهيئهم للأدب وما يقرءون.

فإذا ألَّف الأديب كتابًا، فهذا الكِتَابُ لنْ تقرأه طَائِفَةٌ ضئيلة من المُثقفين، ولو قرأته هذه الطائفة لما استطاع الأديب أن يعيش، فلا بد أن يكون الكتاب قادرًا على أن يتجاوز طبقة المثقفين إلى طوائف أخرى من أوساط مُتواضعة قلما يستطيعون أن يتذوقوا الأدب الرَّفيع بمعنى الكلمة، فهم يَضيقون بما يُكلِّفهم عناء ومشقة، وهم يُحبون أن يقرءوا لينتفعوا، وهم يَجِدُّون أثناء النهار في أعمالهم، فإذا أتيحت لهم الراحة والنظر في الكتاب، فلا يضيفون تعبًا إلى تعب. وإذن فالأديبُ مُخَيَّر بين أن يكتبَ للطائفة الضيقة المحدودة التي لا تغنيه من جوع، أو الطبقة الواسعة التي إن قرأته فلا بد أن يهبط إليها؛ لأنه لا يستطيع رفعها إليه.

كيف يستطيع الأديب أن يفرغ لأدبه من جهة، ويتحرر من تبعات كسب الحياة المادية من جهة أخرى؟ فإذا أتيح له شيء من التحرر فكيف يتحرر من القيود التي تفرضها الحياة الاجتماعية حين ترضى عن الأدب، وحين تسخط عليه؟ وكيف يلائم بين حريته وبين القوانين التي تُسَنُّ في بعض البلاد حتى يُضيَّق على الأدباء في حريتهم تضييقًا لا يُطاق؟

ثم كيف يخلص من الرقابة الحكومية؟ وبعد هذا كيف يحتفظ بأدبه الرَّفيع ويرفع قرَّاءه دونَ أنْ يَهْبِطَ على حساب الفن والجمال؟

شقاء بالنهار وعناء بالليل

هذه بعض المشكلات التي يشقى بها الأدب في العصر الحديث، وكان مُتخففًا من كثير منها في العصور الماضية؛ ففي العصور الماضية كان الأديبُ غير محتاج أن يضيع وقتًا ليكسب قوتًا، وإذا احتاج لقوته فطبيعة الحياة تُعفيه ما أضاع من الوقت؛ لأنه لم يكن فيها تعقيد من بُعد المواصلات والمسافات في الانتقال وأمثال هذه الأشياء، ولا سيما إذا كان موظفًا.

فأديبٌ ممتاز يقتضيه كسبُ القوتِ أنْ يَعْمَل مع رئيس سخيفٍ، ويسمع أوامره. كل هذا كان الأديب معفي منه أو معفي من أكثره، أما الآن فحَياتُه مُنَغَّصة مِنْ أوَّل النَّهار إلى آخره، فإذا انقضى النهار بعنائه وأقبل الليل كان مكدودًا، ثم لم يكتف الشقاء بأن يجمع على الأديب كل هذه المشكلات، ولكن رُقيَّ الإنسان والتقدم في المدنية أبى إلا أنْ يُضيف إلى الشقاء ألوانًا من الشقاء، فظهرت منافسات خطيرة للأدب. منافسات أخشى كما خشي كثيرٌ من الأُدباء في أوروبا وأمريكا أنْ تعرض الأدب لأحد شرين: إما أن تهبط به فيُصبح يسيرًا، وإمَّا أن يُفرض عليه حظر! وهذه المنافسات تأتيه من الصحافة والراديو والسينما. وهي المحن الثلاث التي امتُحن بها إنتاج الأديب في العصر الحديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.