ما عسى أن يكون هذا الاتصال القائم بين حكومتنا وبين الحكومة البريطانية لتمهد السبيل إلى المفاوضات في تحقيق المطالب المصرية؟! هذا الاتصال الذي تحدَّثَتْ عنه خطبةُ العرش إلى البرلمان فقالت الحق كل الحق، ولكنها لم تنبئ البرلمان ولا الشعب بنبأ جديد؛ فالعلاقات الدبلوماسية قائمة — فيما نعلم — بيننا وبين حلفائنا لم تُقطَع في يوم من الأيام لِتُوصَل من جديد، كما قُطِعَتْ بيننا وبين الإيطاليين والألمانيين وغيرهم من المحاربين الأعداء، ولم تُوقَف في يوم من الأيام كما وُقِفَتْ بيننا وبين حكومة فيشي، ثم وُصِلَتْ بَعْدُ بيننا وبين الحكومة الفرنسية المؤقتة.

وإذا كانت علاقاتنا بحلفائنا الإنجليز لم تُقطَع قط، ولم تُوقَف قط، فقد كانت موصولة دائمًا بالطبع، وقد كانت حكومتنا على اتصال دائم بالحكومة البريطانية، لنا سفير في لندرة وللبريطانيين سفير في مصر، وسفيرنا يذهب ويجيء بين السفارة المصرية ووزارة الخارجية البريطانية، كما يذهب السفير البريطاني ويجيء بين سفارته ورياسة مجلس الوزراء.

فهذا هو الاتصال كل الاتصال، فإذا أنبأتنا الحكومة بأنها على اتصال بالحكومة البريطانية فهي لا تنبئنا بجديد، وإنما تتحدث إلينا بما نعرفه جميعًا. ولكن حكومتنا لم تنبئنا بهذا الاتصال العام المطلق، وإنما خصصته وحددت غرضًا من أغراضه؛ وهو تمهيد السبيل إلى المفاوضات في تحقيق المطالب المصرية، وهي على هذا كله لم تنبئ البرلمان ولا الشعب بشيءٍ جديد.

فقد علمنا من الحكومة ومن غير الحكومة بأن رئيس وزرائنا تحدَّثَ مشافهةً إلى السفير البريطاني — في حين ودعه قبل سفره — برغبة مصر في هذه المفاوضات، وبأن السفير سمع منه وكتب عنه، ووعده بإبلاغ حديثه إلى وزارة الخارجية، وبهذا تحقق الاتصال الخاص بالمفاوضات بعد أن كان الاتصال العام متحققًا دائمًا!

فخطبة العرش لم تزد إذن على أن أنبأتنا بهذا النبأ الذي كنا نعرفه قبل أن يجمع رئيس الوزراء هيئته السياسية، وقبل أن تقرر هذه الهيئة — ويقرر بعدها مجلس الوزراء — أن ذلك الوقت الذي اجتمعت فيه تلك الهيئة كان أشد الأوقات مناسبة للمفاوضات.

لم تحدثنا خطبة العرش بما كان من أثر لذلك الحديث الذي ألقاه النقراشي باشا إلى اللورد كيلرن، أقَبِل الإنجليز حديث رئيس وزرائنا قبولًا حسنًا أم قبلوه قبولًا سيئًا؟ أأجاب الإنجليز على طلب رئيس وزرائنا بنَعَم أم بلا؟ أم هم خرجوا بالصمت من لا ونعم؟ ثم لم تحدثنا خطبة العرش بما كان من أمر هذا القرار الذي اتخذته هيئة الحكومة السياسية — واتخذه بعدها مجلس الوزراء — بأن ذلك الوقت كان أشد الأوقات مناسبةً للمفاوضات، أأُبْلِغ هذا القرار إلى الحكومة البريطانية إبلاغًا رسميًّا أم قرأته الحكومة البريطانية في الصحف كما قرأناه نحن؟! أتلقَّتْه الحكومة البريطانية لقاءً حسنًا أم تلقَّتْه لقاءً سيئًا؟ أأجابت عليه بنعم أم بلا؟ أم خرجت بالصمت من لا ونعم؟

لم تَقُل لنا الحكومة عن هذا كله شيئًا، ولكن المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية قال للبرلمان البريطاني وللشعب البريطاني وللشعب المصري وللناس جميعًا كل شيء. قال مرة إنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا، ولكنه اطلع على ملاحظات رئيس الوزارة المصرية في البرلمان المصري وسيدرس الأمر بعناية، حتى جاء الوقت المناسب مقدِّرًا تلك المصالح المشتركة بين البلدين. وقال مرة أخرى إنه لم يتلقَّ من الحكومة شيئًا يمس السودان، وإنه لا يحب أن يثير — ولا ينصح أحدًا — بأن يثير هذه المسألة، وإنه لا يستطيع أن يزيد على تصريحه السابق شيئًا.

فحكومتنا تنبئ البرلمان والشعب في خطبة العرش بأنها على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات، والحكومة البريطانية تنبئ البرلمان البريطاني والشعب البريطاني بأنها لم تتلقَّ من حكومتنا شيئًا. وليس هناك تناقض قليل أو كثير بين خطبة العرش في البرلمان المصري وأحاديث المستر بيفن في البرلمان البريطاني؛ فحكومتنا على اتصال دائم بالحكومة البريطانية لأن العلاقات الدبلوماسية بين الحليفتين موصولة، لا مقطوعة ولا موقوفة، ورئيس وزرائنا قد تحدَّثَ مشافهةً إلى السفير البريطاني برغبة مصر في تحقيق مطالبها.

ولكن حكومتنا لم تتخذ إجراءً دبلوماسيًّا صريحًا حازمًا حاسمًا لطلب المفاوضات. فإذا قالت خطبة العرش أن حكومتنا على اتصال؛ فقد قالت الحق، ولكنها لم تنبئنا بشيء جديد، وإذا قال وزير الخارجية البريطانية إنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا فقد قال الحق، ولكنه ينبئنا بأن حكومتنا خائفة تترقب تود لو أقدمت ولكنها لا تستطيع الإقدام.

ومع ذلك فقد ذهب السفير البريطاني إلى لندرة ومعه حديث من رئيس الوزراء، وعاد السفير البريطاني من لندرة، فهل كان معه شيء من وزير الخارجية البريطانية؟! هذا هو السؤال الذي لم تستطع خطبة العرش أن ترد عليه؛ لأن السفير عاد بعد أن أُلْقِيَتْ بيوم كامل. وقد ظن الناس حين أسرع السفير إلى لقاء رئيس وزرائنا أنه حمل إليه شيئًا، وليس من شك في أنه قد حمل إليه تحيته أولًا وحمل إليه بيان المستر بيفن عن قضية فلسطين ثانيًا. فأمَّا الرد على الحديث الذي يعد به العهد فليس يدري أحد أحمله السفير إلى رئيس الوزراء أم لم يحمله بعد، وليس يدري أحد بالطبع علامَ يشتمل هذا الرد إن كان السفير قد حمله على وجهه الصحيح.

وأكاد أثق مائة في المائة — كما يقول المعاصرون — بأن السفير لم يحمل ردًّا على هذا الحديث، أو لم يحمل ردًّا مقنعًا على هذا الحديث؛ فقصار الوزارة متلهفون تذوب نفوسهم وتتحرق قلوبهم شوقًا إلى الرد أو إلى ما يشبه الرد، ولو قد حمل السفير من ذلك شيئًا إلى رئيس الوزارة لطارت به البشرى، ولسجل به الانتصار، ولخرجت به الوزارة من هذا الموقف المؤلم الذي لا تُحسَد عليه.

ونحن نعرف آراء المستر بيفن فيما يريد أن يستأنف من الصلات بين بريطانيا العظمى ومصر، وليس في هذه الآراء ما يدعو إلى رضا أو ابتهاج، فهو قبل كل شيء لا يريد سيطرة على مصر، وإنما يريد شركة بين بريطانيا العظمى تقوم على المساواة، فإذا سألت عن هذه الشركة: ما موضوعها؟ لم تظفر بجواب أو ظفرتَ بجواب يملأ قلبك غيظًا وضيقًا، فلن تكون أمور بريطانيا العظمى وإمبراطوريتها موضوعًا لهذه الشركة — كما قال أحد نقادنا السياسيين — ولن تكون البلاد الأخرى المستقلة أو المحررة موضوعًا لهذه الشركة كما قال أحد نقادنا السياسيين، ولن تكون البلاد الأخرى المستقلة أو المحررة موضوعًا لهذه الشركة بالطبع. وإذن فستكون مصر نفسها موضوعًا لهذه الشركة، وإذن فلن تخلص مصر لنفسها، بل سيشاركها البريطانيون في أمورها إن وُفِّق المستر بيفن إلى ما يريد.

ومهما تتحقق المساواة بين الشريكين فأحدهما ليس مستقلًّا بما يشارك فيه؛ لأنه لا يستطيع أن يمضي فيه أمره كاملًا، يمكن أن يقول نعم فيقول شريكه لا، ويمكن أن يقول لا فيقول شريكه نعم.

وهذا بالضبط هو ما نريد أن نخلص منه؛ لنقول نعم أو لا فلا يقول البريطانيون شيئًا، فحكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات في تحقيق المطالب المصرية، والحكومة البريطانية تقول بلسان وزير خارجيتها إنها تريد شركة بينها وبين مصر في أمور مصر، على أن تكون المساواة قوام هذه الشركة دون التسلط والسيطرة.

ومعنى ذلك أن حلفاءنا يتفضلون علينا بتحقيق المساواة بينهم وبيننا في إدارة الشئون المصرية الخاصة. هذا غريب — فيما أظن — ولكن أغرب منه من غير شك أن يقرأ رئيس الوزراء هذا الكلام وأن يقرأه الوزراء، ثم لا يفتح الله على أحد منهم بكلمة يقولها ردًّا عليه، بل لا يفتح الله على الحكومة بكلمة تقولها لتبيِّن أنها تفهم الاستقلال على وجهه الصحيح، وأن الاستقلال لا يقبل شركة تقوم على المساواة أو على شيء غير المساواة.

ماذا أقول؟! إن المستر بيفن لا يكتفي بهذه الشركة التي تقوم على المساواة دون السيطرة والتسلط، وإنما يريد شيئًا آخر أبلغ من هذه الشركة. يريد أن يحقق العدل في مصر، العدل الاجتماعي الذي يسعى إليه العمَّال في بريطانيا العظمى، يريد أن يصلح الاقتصاد، وأن يرفع مستوى المعيشة، وأن يغني الفقراء وينقذ البؤساء، ويعصم الجائعين من الجوع، ويحمي العراة من عاديات البرد والحر، يريد أن يحقق البريطانيون في مصر من هذا العدل الاجتماعي ما لم يحققه المصريون لمواطنيهم.

فهو إذن لا يريد شركة قوامها المساواة فحسب، ولكنه يريد شركة غايتها العدل الاجتماعي، غايتها إنصاف المظلوم من الظالم، والفقير من الغني، والمحروم من الميسور. وما الذي يبقى للمصريين إذن؟! وما عسى أن يصنع المصريون في وطنهم إذا تدخل البريطانيون لحملهم على تحقيق العدل الاجتماعي بين المواطنين؟!

وهذا الكلام الذي قاله المستر بيفن في غير خطبة من خطبه قد أعجب الإنجليز بالطبع؛ فرضوا عنه وأثنوا عليه. لم ترضَ عنه صحف العمال وحدها بل رضيت عنه صحف المحافظين أيضًا، أثنت عليه الديلي تلغراف وبالغت التيمس فلم تكتفِ بالثناء وإنما بدأت في التحقيق؛ فأرسل إليها مكاتبها من مصر يصور لها حاجة المصريين إلى أن يتحقق بينهم العدل الاجتماعي وحاجتهم إلى الحكومة الحازمة التي تستطيع أن تحقق هذا العدل.

كل هذا يُقال، وكل هذا يتم، وكل هذا يكثر فيه الحديث هنا وهناك، وحكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات، والسفير البريطاني يذهب إلى لندرة ومعه مشافهة من رئيس الوزراء، ويعود إلى لندرة ولسنا ندري أمعه مشافهة من المستر بيفن أم ليس معه شيء.

ومع ذلك، فقد قال جميل لبثينة:

وقلنا لها قولًا فجاءت بمثله

لكل كلام يا بثين جواب

أيمكن أن يكون السفير قد حمل هذا الجواب؟! أيمكن أن يكون هذا الجواب شيئًا غير هذه الشركة التي لا يريدها المصريون؟! أيمكن أن يكون الجواب شيئًا غير المشاركة في تحقيق العدل الاجتماعي؛ لأن المصريين يريدون أن يحققوا هذا العدل بأنفسهم لا بتدخل الأجانب، وإن كان هؤلاء الأجانب هم حلفاءنا الإنجليز؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.