كان مصرع «همنجواي» مثارًا للبحث في قضية من أكبر قضايا الأدب والفن في عصرنا الحاضر، وهي قضية التجاوب بين نفس الإنسان العصري وبين الحياة.

إن الأدب هو أصرح الفنون تعبيرًا عن حياة الإنسان في عصره، فهل يعتبر انتحار الأديب الكبير اعترافًا عمليًّا من أدب العصر بفقدان قيمة الحياة؟ وهل يعتبر صنيع «همنجواي» ترجمانًا لأدبه المُمثِّل لعصره، أو هو ترجمة خاصة بالرجل لا علاقة لها برسالة الأدب، ولا بجانب التعبير منها عن رسالة الحياة؟

لقد كانت شهرة «همنجواي» توقع في أذهان الناس أنه مثال الرجل العصري، الذي ينبغي أن يرضى عن حياته، وأن يكون شهادة للحياة العصرية بحق التفاؤل، وحق الثقة والطمأنينة إليها.

وكان يبدو للنظر نموذجًا للرجل الرياضي في صحة البنية، ودفعة النشاط، والإقبال على الحركة، والاستعداد للكفاح بقوة البدن وقوة الروح.

وكانوا يسمونه أحيانًا بالرجل المذكر He-man، وهو اصطلاح عندهم للدلالة على الرجولة الحقة التي برئت من آفة «التأنث» الغالبة على بعض أدعياء الرجولة بين محترفي الأدب في العصر الحديث. وتمم هو هذه الصورة في الأذهان بإطلاق لحيته على نحو غير معهود بين أبناء قومه، ولا بين الكُتَّابِ باللغة الإنجليزية على التعميم.

وشوهدت له صور كثيرة وهو يقتحم الأمواج بزورقه البخاري السريع، ويصيب الهدف البعيد في صيد السباع من الوحش والطير، كما شوهدت له صور أعجب منها وأدل على الإقدام والاقتحام وهو يمتطي الطيارة صاعدًا هابطًا فوق آجام القارة الأفريقية وبرورها المقفرة من الإنسان والحيوان.

وتجمعت لديه الثروة التي كان ينفق منها بغير حساب، ويقتني بها كل ما صادف هواه من متع السباحة والسياحة والطيران، فكان يملك الزورق والطائرة والسيارة والجواد من الطراز الأول، ويغامر بها في حلبة السباق فلا يتخلف بها عن شأو الأسبقين المتقدمين.

وهذا عدا النجاح البالغ في ميدانه الأصيل، وهو ميدان الكتابة والأدب؛ فإن نجاحه فيه كان أكبر من أن يُسمَّى نجاحًا لكاتب واحد بين نُظراء يساوونه في الشهرة القومية والعالمية، وينالون حظًّا كحظه من إعجاب القرَّاء والنُّقاد، ولكنه نجح في ميدان الكتابة والأدب نجاح النموذج الذي يُقتدَى به، ويَطبَع الأساليب بطابعه، فصحَّ في أدب جيله بين قومه أن يقال: إنه أدب «همنجواي»، وإنه صنع للجيل لغة من البلاغة النثرية توافق «طابع الزمن» الصناعي الذي عاش فيه.

فإذا عز على هذا الأديب «النموذجي» أن يشعر بالمجاوبة بينه وبين الحياة؛ فهل يخطئ الناقد الذي يتخذ من قضائه على نفسه بيديه حُجَّة على إفلاس الحياة في نظر أبنائها المعاصرين، وآية عن فقدانها الثقة التي تستحق من أجلها أن تعاش؟

إن زوجته كانت تأبى أن تصدق أنه تعمَّد قتل نفسه، وتعتقد أن حادثًا من الحوادث العارضة قد طرأ له في اللحظة الأخيرة فأجرى يمينه وهو يتناول سلاحه على غير ما يريد.

وهذا موقف لا يستغرب من الزوجة التي تأبى أن تشعر بزهد قرينها في حياته وهي إلى جانبه، وتأبى فوق ذلك لسمعته ومجده ختامًا كختام الفاشلين وهو في طليعة الناجحين المفلحين.

ولكن الكتاب الذي ظهر أخيرًا، بقلم أخيه الصغير، صريح في تقرير هذه الواقعة بتفاصيلها، فلا شبهة في انتحار هذا الأديب بعد الاطلاع على سيرته، بقلم أخيه «ليستر» الصغير، الذي كان له بمثابة ولد من ذريته، وكان الأخ الأكبر يُدﻟﻠﻪ ويُلقِّبُه بالبارون، ويعطف عليه عطف الآباء على الأبناء.

ولكن هذه السيرة المفصلة تجلو لنا حقائق تلك الخاتمة الفاجعة التي انتهت إليها حياة الأديب الناجح من ناحيتها الأدبية، فتنقلها من قضية الأدب والحياة إلى قضية المرض والموت؛ لأننا نعلم منها أن أمراض «همنجواي» وآلامه كانت أشد عليه وعلى الطاقة الآدمية عامة مِمَّا يُرى على ظاهر حياته، ومِمَّا قيل عن مرضه الموروث؛ وهو تصلب الشرايين.

فقد كان يشكو الارتفاع المطرد في ضغط الدم، وكان يشكو معه تليف الكبد واستعصاءها على العلاج، وكانت مغامراته الرياضية قد خلفت في جسده آثارًا من الرضوض والصدوع تعاوده بالوجع الأليم، وتفسد عليه وظائف جسده السليم، واعتراه مرض السوداء «الوجوم» من جراء ذلك كله، فعاف الطعام والشراب والحركة، وهبط وزنه من مائتي رطل إلى مائة وخمسة وخمسين، وفقد نشاطه للحركة الرياضية التي كانت أحب «الشواغل والتسليات» لديه، فترك قيادة سيارته وهو عائد من المستشفى لبعض أصدقائه طوال الطريق.

وكان قد ذهب إلى المستشفى لموالاة العلاج بالهزات الكهربية، فاحتمل منها خمس عشرة نوبة، ثم زادها عشرًا قبيل وفاته، فلم يُجدِه ذلك غير قليل من الراحة المنشودة؛ وهي راحة «الارتفاع» بالحالة النفسية من وجوم اليأس والسآمة إلى شيء من نشاط الرغبة في شواغل الحياة.

ويقول الأخ الصغير: إن أخاه المُعذَّب أحس آخر الأمر أن جسده قد خانه، فلم يشأ أن يتلقى منه الخيانة بعد الخيانة إلى غير نهاية، وآثر أن يَهبَ لنفسه نعمة الموت التي وهبها للكثيرين من أبطال رواياته، وحشا بيده السلاح الذي كان يحشوه ليلهو به لهو الرياضة والكفاح.

فليست خاتمة هذا الأديب مسألة «أدبية فكرية» من مسائل التجاوب بين النفس الإنسانية وحياة العصر الحديث، وليست هي إعلانًا لرفض الحياة وهي موفورة المتعة بين يديه، وعليها مزيد من متعة الشهرة والنجاح، ولكنها كانت في باطنها وظاهرها إعلانًا لقيمة الحياة الغالية التي يُحال بينه وبين الانتفاع بها كما يشاء.

وإذا لاح لنا من ترجمة الأخ الصغير لأخيه الكبير شيء من أثر النظرة الفكرية إلى الحياة يمكن أن يمتزج بأسباب تلك الخاتمة، أو يمكن أن يضاف إلى أسباب المرض في الإقدام على الموت، فربما كان ذلك الشيء هو لقب «البارون» الذي أضفاه الأديب على أخيه، ولو من باب العبث والدعابة.

فإن بقاء هذا اللقب يحوم في ذهن الكاتب الأمريكي يذكرنا بحنين المهاجر إلى العالم الجديد، وهو يستبقي في ذهنه عصر الفروسية من العالم القديم، ويبدي ذلك الحنين أحيانًا بما كان يجيش في نفوس السُّراة الأمريكيين من التطلع إلى مصاهرة أرباب الألقاب والأحساب، وكأنما ذهب «همنجواي» إلى ساحة الحرب الأهلية في بلاد الإسبان وهو يستعيد لخياله أسماء الدونات والبارونات، ويطلق لحيته كما كانوا يطلقونها أيام المغامرات والمبارزات، وساقه العالم الباطني الذي كان يعيش فيه بخياله إلى ختام للحياة أشبه بخواتيم الفروسية «بيده لا بيد عمرو» … كما فعل من قبله اليائسون مِمَّن خيرتهم قسوة الداء بين المذلة والمنون.

***

نعود إلى موضوع الكتب المعارة في يوميات الأسبوع الماضي؛ لأن العنوان الذي اختاره زميلُنا المحرر لتلك اليوميات يحتاج منا إلى بعض التفسير.

سأل الزميل في عنوانه: لماذا لا تفرض ضريبة على الكتب المعارة؟

والتفسير الذي يحتاج إليه هذا السؤال من جانبي أن الضريبة واجبة، ولكنها تضاف على تكاليف الطبع والنشر، ولا تضاف على القراءة والقُرَّاء، فإذا أنشئت للإعارة مكتبة تجارية، فَمِن الواجب أن تطلب منها الضريبة كما تطلب من مكتبات الطبع والبيع والتوزيع، وإذا كانت مكتبة الإعارة تابعة للدولة، فَمِن حقِّهَا أن تمولها الدولة بمحصول ضرائب الإعارة، كما تمولها بمحصول الضرائب الأخرى على التأليف والطباعة.

ولهذه المناسبة نروي للقرَّاء قصة طريفة عن الكُتب المعارة أرسلها إلينا صديقنا الأديب المُطَّلع الأستاذ راشد رستم — جزاه الله عن الكتب المُهدَّدة بالخطف والاختلاس أحسن الجزاء.

قال الأستاذ راشد: رأيت منذ مدة صورة في إحدى المجلات الفرنسية عن مكتبة فخمة واسعة، وفي صدر المكان مكتب كبير يجلس إليه رجل ضخم وأمامه شاب يخاطبه في تأدب وخضوع، ويدور بينهما هذا الحديث:

الأب: أما وقد نلت شهادتك العليا؛ فإنني أهدي إليك هذه المكتبة العظيمة على شرط واحد، وهو أنك لا تعير لأحد منها كتابًا.الابن: ولماذا وقد ينتفع بما فيها بعض الزملاء الباحثين؟الأب: ألم يسبق أن طلبت مني ذلك ورفضت؟الابن: بلى … وقد عجبت لذلك وأنت الثري العظيم والقانوني الكبير.الأب: نعم … ذلك لأنني جمعت هذه المكتبة التي تراها كلها من الكتب التي أستعيرها …!

والحكاية من نكات الفكاهة التي لها مغزاها …

فعندهم كما عندنا — ولو من أرباب القانون كما يقولون — أناس يحسبون أن الكتاب مباح حيثما وُجد؛ لأنه وسيلة المعرفة، والمعرفة حق للجميع … وعندهم شاع ذلك المثل الذي يجوز أن يشيع عندنا بواقعه ومعناه، وإن لم يشع بلفظه ومبناه، وذلك هو المثل القائل: «إن الذي يُعير الكتاب أحمق، وأحمق منه الذي يرده إليه.»

وأكرم من هذه «الشريعة» المغتصبة أن يُباح الكتاب للجميع؛ لأن الحصول عليه في مقدور الجميع، وقد وجدت في بلاد المكتبات والمطالعات كتب تُباع النسخةُ منها بما يساوي خمسمائة قرشٍ، وتُباع هذه النسخة من طبعة أخرى بما لا يزيد على خمسة قروش.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.