أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.