يظهر أن في جو السياسة المصرية الخارجية غيومًا، لعلها خفيفة رقيقة ليس وراءها شيء، ولعلها ثقيلة صفيقة وراءها أشياء، ولعل الأيام المقبلة تكشف عما تحجب هذه الغيوم من خيرٍ أو شر، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن من الواجب العناية بهذه الغيوم وتتبعها في دقة وفطنة، ومن الواجب أيضًا أن يجدَّ المصريون في أن يقفوا منها موقف الصراحة التي لا تحتمل شكًّا ولا تأويلًا. وما الذي يمنعهم من ذلك وآمالهم ومُثُلهم العليا في حياتهم الداخلية وفي علاقتهم الخارجية واضحة كل الوضوح، جلية كل الجلاء، ووسائلهم إلى تحقيق هذه الآمال والوصول إلى هذه المثل العليا لا غموض فيها ولا إبهام؟! فهم يريدون أن يكونوا أحرارًا في بلادهم بكل ما يدل عليه معنى هذه الكلمة، ويسلكون إلى تحقيق هذه الحرية سبلهم الواضحة التي يراها الناس جميعًا، والتي قوامها المطالبة بالحق في غير هوادة وفي غير مراوغة ولا دوران؛ فهم يريدون أن تكون صلاتهم الخارجية قائمة على هذه الحرية لا يُكرَهون عليها إكراهًا، ولا يُدفَعون إليها دفعًا، ولا يُستدرَجون إليها استدراجًا، ولا يُقضَى فيها وهم غائبون.

والظاهر أن الوزارة المصرية القائمة تقف الآن مواقف مريبة إلى حد ما في بعض المسائل ذات الخطر، فتثير مواقفُها هذه شكوكًا وأوهامًا ليس من مصلحة أحد أن تثور، ونحن نذكر من هذه المواقف المريبة التي تقفها الوزارة الآن ثلاثة ليس غير.

فأما أولها فموقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز. فقد كان رئيس الوزارة يستغل مسألة المفاوضة في الأعوام الماضية ويتخذ سعيه إليها وآماله في الظفر بها وسيلة من وسائل البقاء في الحكم، وقد قال في ذلك فأكثر، وقال زميله القديم وفيق دوس باشا في ذلك فأطال، ثم انقضت هذه الآمال، وتبددت هذه الأماني، وظهر أن لا مفاوضة، ولا شيء يشبه المفاوضة، ولكن الحديث عن المفاوضة عاد فتجدد في أول هذا الشتاء، وأخذ الناس يقولون إن أحاديث تُجرى بين رئيس الوزراء والمندوب السامي ويشيعون أنها تتقدم حينًا وتتأخر حينًا آخر. ثم مرض رئيس الوزراء وعجز عن المفاوضة والمحادثة أو ما يشبهها. ولكن الناس ظلوا يتحدثون عن المفاوضة وغلا بعضهم فقال: إن ما عجز عنه صدقي باشا ينهض به قوم آخرون غير صدقي باشا. ثم سافر المندوب السامي فجأة ولعله لم ينخدع لها أحد فكثرت الإشاعات واستفاضت الأحاديث بأن في الأمر شيئًا، وبأن مشروع معاهدة قد تم، وسافر المندوب السامي ليعرضه على حكومته، فإن أقرَّتْه أمضاه رئيس الوزراء واستقال؛ لأن مهمته انتهت، وإن رفضته استقال رئيس الوزراء؛ لأنه عجز عن تحقيق الاستقلال وقد أخذ على نفسه عهدًا ليحققن الاستقلال أو لينزلن عن الحكم.

والناس يختلفون في مشروع المعاهدة هذا، فمنهم من يرقى به حتى يبلغ المشروع الذي وصل إليه الوفد الرسمي الأخير ومنهم من ينزل به حتى يصل إلى مشروع ثروت شمبرلين، ومنهم من يضطرب بين هذين المشروعين هبوطًا وارتفاعًا.

وأكبر الظن أن أكثر هذه الأحاديث غير صحيح، ولكن هناك شيئًا لا شك فيه؛ وهو أن هذه الأحاديث التي تتصل وتستفيض وتلح في الاستفاضة والاتصال قد أثارت رِيَبًا كثيرة في نفوس الناس من المصريين والأجانب، فأما المصريون فمن حقهم أن يرتابوا؛ لأن الأمر يتصل بحياتهم واستقلالهم وهم لم يتعودوا إلحاحًا في التكتم والمداورة حول مسألة الاستقلال كهذا الإلحاح في التكتم والمداورة الآن، وهم لا يثقون بالوزارة القائمة ولا يطمئنون إليها، ولعل أيسر ما يُقال عن رأيهم في هذه الوزارة أنهم يرتابون أشد الارتياب بكل ما تأتى؛ لأنهم قد جربوا عليها الإسراف في التهاون، والإفراط في التقصير، والغلو في دفع الأثمان الباهظة لأيسر الأشياء وأقلها خطرًا. وهم يعلمون حق العلم أن البقاء في الحكم شيء له قيمته ويجب أن يؤدَّى ثمنه فيخافون، ومن حقهم أن يخافوا ألا يكون إسراف الحكومة في تملق الإنجليز ومبالغتها في تحقيق أغراضهم ومآربهم في مصر والسودان ثمنًا كافيًا للحياد النزيه، ووسيلة كافية للبقاء في الحكم، وأن تعرض الوزارة أو يطلب إليها أصدقاؤها والمؤيدون لها من الإنجليز مشروع معاهدة معينًا على أن يكون ثمنًا للحكم وقتًا آخر طويلًا أو قصيرًا. وأما الأجانب فلم ينظروا في يوم من الأيام وهم لا يستطيعون أن ينظروا إلى المفاوضات بين المصريين والإنجليز نظرة المستخف الذي لا يحفل ولا يكترث، فلهم مصالحهم أيضًا في مصر، وهذه المصالح جزء من موضوع المفاوضات ومن حقهم أن يعرفوا — أو أن يحاولوا أن يعرفوا — إلى أي حد تُرعَى هذه المصالح، وعلى أي نحو تُرعَى، وماذا يبقى لهم، وماذا يُؤخَذ منهم؛ فإذا كانت هذه المفاوضات سرًّا مكتومًا وحديثًا من وراء ستار، فليس غريبًا أن تثور الريب في نفوس الأجانب هؤلاء، وليس غريبًا أن تكثر بينهم الأحاديث وتستفيض فيهم الإشاعات، فيفرح منهم فريق ويجزع منهم فريق آخر، ويضطرب الجو السياسي على كل حال.

هذا كله ولم نذكر البرلمان الذي لا يعلم من أمر هذه الأحاديث أكثر مما علمه عامة الناس، ولكن البرلمان راضٍ عن موقفه هذا؛ فَلْنَدَعْهُ وما يرضى، ونستطيع أن نؤكد أن هذا الغموض والإبهام وهذا التستر والتكتم ليس من شأنها أن توجد في مصر جوًّا صالحًا لحياة صالحة. وما رأيك في جو سياسي قوامه الإشاعات المضطربة المختلطة التي تدعو إلى الريبة وسوء الظن، وتلقي في روع المصريين والأجانب معًا أن شيئًا يجري خلف ستار هو بالمؤامرة أشبه منه بالمفاوضة؟!

أما الموقف الثاني من المواقف المريبة التي تقفها الحكومة. فبإزاء مسألة الدين، فقد زعمت الحكومة أن رئيسها وُفِّق إلى إقناع الدول الأوروبية بوجهة النظر المصرية كما يقولون، وعاد رئيس الوزراء من أوروبا فتمدَّح بهذا الفوز في شيء من الدل والتيه، وفي لون من التلميح والتعريض، وفي تجنب للصراحة والوضوح كما يفعل أصحاب الكفايات السياسية العليا! ثم ظهر أنه لم يُوفَّق إلى شيء؛ فأوفد صاحب السعادة عبد الحميد بدوي باشا إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا ليجدد الحديث في هذا الموضوع، وقيل إنه وُفِّق إلى شيء كثير، ثم قِيلَ إنه لم يُوفَّق إلى شيء!

ثم صدر حكم المحكمة المختلطة؛ فغضب الناس جميعًا وأعلن رئيس الوزراء أنه لن يدفع إلا ورقًا، ولكنه لم يتخذ إلى الآن وسيلة من الوسائل ليثبت للناس أنه يريد أن يفعل كما قال.

ومن هنا ابتدأت الريب والشكوك في نفوس المصريين والأجانب معًا، أيريد رئيس الوزراء أن يلائم بين قوله وفعله فلا يدفع إلا ورقًا أم هو يريد أن يطاول ويماطل لتهدأ ثائرة الشعب ثم ينزل بعد ذلك عند ما يريد الدائنون؟

فإن تكن الثانية فإن المصريين معذورون حين يسيئون الظن ويتوقعون الشر وينكرون الحكومة التي تخدعهم والأجانب الذين يستغلونهم. والأجانب معذورون حين يضطربون بين اليأس والأمل وبين الخوف والرجاء، وحين يترددون بين الذهب النضار وبين ما قد يضطر إليه المصريون من بغضهم والتبرم بهم.

وإن تكن الأولى، فما إبطاء الحكومة في اتخاذ قرار حاسم مريح؟! وما سببها إلى اتخاذ هذا القرار؟! أتريد أن تتخذه وحدها في غير مفاوضة ولا مناقشة أم تريد أن تفاوض وتناقش؟ ومن تفاوض؟ أتفاوض الإنجليز وحدهم ليكونوا وسيلتها وشفعاءها عند الأمم الأخرى أم تفاوض الدول الأخرى في غير وساطة من الإنجليز؟

كل هذه مسائل يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب؛ فتثير في نفوسهم شكوكًا وريبًا وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن وفساد الرأي وضعف التعاون الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا. كل يرتاب بصاحبه، وكل يخاف من صاحبه، وكل يصدق فيه قول الشاعر القديم:

فإما أن تكون أخي بحقٍّ

فأعرف منك غثي من سميني

وإلا فاضطرحني واتخذني

عدوًّا أجتويك وتجتويني

الموقف الثالث من هذه المواقف المريبة موقف الحكومة في شأن الامتيازات؛ فالمصريون جميعًا يكرهون الامتيازات ويريدون أن يخلصوا منها كما خلص غيرهم من الأمم الشرقية، وكانت الحكومة المصرية تصل مسألة الامتيازات بمسألة المفاوضة مع الإنجليز، فلما صدر حكم المحكمة المختلطة في مسألة الدين ظهرت مطالبات منظمة بإلغاء الامتيازات فورًا، لم يُخدَع عنها أحد من المصريين ولا من الأجانب المقيمين في مصر، بل عرف أولئك وهؤلاء من أين هبت هذه الريح. وقد بلغت هذه الريح البرلمان ولكنها لم تلبث أن هدأت فهدأت حماسة النواب والشيوخ، واستقرت فاستقرت حماسة تلك الجماعات التي كانت ترسل العرائض في كل يوم إلى الصحف، ولعل المصريين والأجانب جميعًا قد فهموا أو كادوا يفهمون كيف هبت الريح وكيف استقرت، ولكن استقرار هذه الريح لم يستتبع استقرار النفوس في البيئات المصرية والأجنبية؛ فالمصريون ينتهزون الفرصة ليلحوا في إلغاء الامتيازات والأجانب يقفون موقف الدفاع حينًا، وموقف الهجوم المنكر حينًا، وموقف الريبة والخوف على كل حال، وليس من مصلحة أي إنسان أن يكون الخوف والريبة والبغض قوام الصلات بين المصريين والأجانب. ولا يقف الأمر عند هذا الحد فهذه جريدة الديبا تشير إلى هذه المواقف الثلاثة التي تقفها الحكومة المصرية في الدين، والمعاهدة، والامتيازات. فيظهر في إشارتها الشك والارتياب أيضًا. فليس الشك مقصورًا إذن على المقيمين في مصر وإنما هو يتجاوزهم إلى أوروبا وصحفها الكبرى. ومع ذلك فليس هناك موقف أصرح ولا أوضح من موقف الأمة المصرية الطبيعي بإزاء هذه المسائل الثلاث؛ فهي فيما بينها وبين الإنجليز تريد استقلالًا شريفًا لا لبس فيه ولا غموض، وهي فيما بينها وبين الدائنين تريد أن تدفع بنقدها كما تفعل الأمم التي لا تزال معتزمة تأدية ما عليها من دين. وهي فيما بينها وبين الدول صاحبات الامتيازات تريد أن تلغي هذا النظام العتيق وأن تلغيه في غير مواربة ولا عداء.

فما الذي يمنع الحكومة أن تقف من هذه المسائل موقفًا صريحًا واضحًا كموقف الأمة فتزيل الشك وتمحو الريب. الذي يمنعها شيء يسير لا تحفل به هي، ولكنه قوام الحياة الصالحة في كل دولة تقدر كرامتها؛ وهو أن الصلة قد انقطعت بينها وبين الأمة؛ فهي تسيء الظن بالشعب وتخاف منه على كل شيء، والشعب يسيء الظن بها ويخاف منها على كل شيء.

والغريب مع ذلك أن يعتقد بعض الأجانب من الإنجليز وغير الإنجليز أنهم يستطيعون أن يتفقوا مع هذه الوزارة على شيء ضئيل أو عظيم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.