كان كارل ماركس أشهر الفلاسفة والكُتاب الذين وضعوا قضية الاستغلال في صلب نظرياتهم الاجتماعية، فتاريخ البشرية عنده هو تاريخ الصراع بين طبقة مستغلة وجمهور المغلوبين على أمرهم. وكان ماركس يرى أن تغير مظاهر الاستغلال يرجع إلى تطور المجتمعات نتيجة لتغيرات الفن الإنتاجي والتكنولوجيا.

وجاءت الأزمة المالية الأخيرة فأبرزت مفارقة جديدة؛ حيث كان ضحايا الاستغلال هم جمهور المدخرين والمستثمرين، أي أصحاب رأس المال، في حين أن الجناة كانوا فيما يبدو هم المديرين، وخاصة في المؤسسات المالية العملاقة. فما هي قصة المديرين وأشكال الاستغلال الجديد؟

وكان ماركس قد ذهب إلى أن البشرية مرت بمراحل متعددة تغير فيها شكل الاستغلال بين عدة مراحل بدءًا من العبودية؛ حيث يخضع العبيد لقلة من الملاك الأحرار انتقالًا إلى نظام الإقطاع وقن الأرض المسخرين لخدمة نبلاء الإقطاع، وبعد ذلك ظهر نوع جديد من الاستغلال بعد التحرير القانوني لجموع البشر، حيث عرفت النظم الرأسمالية استغلالًا اقتصاديًّا من جانب الرأسماليين للعمال، ومن هنا دعوته إلى الثورة للقضاء على الاستغلال الرأسمالي.

وقد قامت بالفعل الثورة الشيوعية في روسيا، وامتدت منها إلى معظم أوروبا الشرقية ثم الصين، واستمر الاستغلال رغم ذلك مع النظام الجديد بأشكال أخرى من جانب أعضاء الحزب ودكتاتورية البروليتاريا، حتى تندَّر الاقتصادي البريطاني الشيوعي موريس دوب Maurice Dobb قائلًا: إن «النظام الرأسمالي هو استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، في حين النظام الشيوعي هو العكس تمامًا The other way round، فهو نفس الاستغلال على نحو مقلوب.»

وجاءت الأزمة المالية الحالية فعرَّضت ثروات معظم المدخرين والمستثمرين للخسائر حين رأوا مدخراتهم تتبخر في ظل انهيار الأسواق المالية. وفي نفس الوقت حقق المديرون للمؤسسات المالية الكبرى خلال السنوات الأخيرة دخولًا فلكية، وهكذا فالاستغلال الجديد لم يصب الطبقة العاملة أساسًا، بل أصاب بوجه خاص جمهور المستثمرين والمدخرين بلا تفرقة بين كبير أو صغير.

وبطبيعة الأحوال، فإن الأزمة المالية لم تنحصر في إطار الأسواق المالية وحدها، بل امتدت لمعظم أجزاء الاقتصاد الحقيقي ولم تترك أحدًا دون خسارة سواء كان من العمال أو جمهور المستهلكين بشكل عام. فماذا عن دور المديرين في الحياة الاقتصادية؟

عندما وقَّعت ألمانيا النازية معاهدة عدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي الشيوعي في عام ١٩٣٨، أصيب الماركسيون من مختلف أنحاء العالم بصدمة شديدة؛ فكيف يتحالف نظام اشتراكي مع أعنف أعداء الشيوعية؟ كيف يمكن أن يتحد أقصى اليمين (النازي) مع أقصى اليسار (الشيوعي)؟ وهنا خرج الماركسي الأمريكي برنهام Burnham بتفسير لذلك في كتابه عن «ثورة المديرين» ١٩٤٤، ورأى أن لا غرابة في الأمر، وأنه يمكن تفسيره وفقًا للمنطق الماركسي نفسه، فتاريخ الصراع الطبقي ينتهي حقًّا بهزيمة الطبقة المستغلة، ولكن المستفيد لا يكون عادةً الطبقة المهضومة، وإنما تقتطف الثمرة فئة أخرى.

فالنظام الإقطاعي وكان يتضمن صراعًا بين طبقة النبلاء والفلاحين لم ينتهِ لمصلحة الفلاحين، وإنما لصالح طبقة جديدة هي الرأسمالية، وبالمثل فإن الصراع ضد الرأسمالية لم يحسم — في رأي برنهام — لمصلحة العمال، وإنما لصالح فئة جديدة هي فئة المديرين والفنيين، ومن هنا فلا غرابة، في رأيه، في تحالف روسيا الشيوعية مع ألمانيا النازية؛ حيث إن النظامين يتشابهان في أنهما يخضعان لسيطرة طبقة المديرين، ومن السهل عليهما بالتالي أن يتفاهما، وهكذا دخل مفهوم المديرين في تحليل تطور المجتمعات.

ولكن الحديث عن «المديرين» لم يقتصر على الماركسيين المناوئين للنظام السوفيتي، فالعديد من المفكرين الغربيين أشاروا أيضًا إلى الدور المتزايد لطبقة أو فئة المديرين من التكنوقراط والبيروقراط مع تطور المجتمع الصناعي. فما هي أهم معالم هذا التطور الصناعي؟

انفصال الملكية عن العمل

أدت الثورة الصناعية بما أحدثته من طفرة تكنولوجية إلى ظهور «المصنع» الذي بدأ يحل محل «الحرفي»، مما ساعد على انفصال الملكية عن العمل؛ فقد كان الحرفي أو «الأسطى» يستخدم أدوات بسيطة ولا يحتاج بالتالي إلى رأسمال كبير، فهو يعمل في أُلفة مع «صبيانه» في جوٍّ شبه عائلي؛ حيث يتدربون على يديه حتى يصبحوا بدورهم «أسطوات»، وجاء «المصنع» واحتاج إلى آلات وتجهيزات، ومن ثم رأسمال كبير نسبيًّا، كما قامت الحاجة إلى العمالة — عادةً عمالة غير ماهرة — حيث يتمركزون في مكان واحد «المصنع»؛ وبذلك ظهر الانفصال بشكل واضح بين العمل ورأس المال، وزادت الهوة بين الفئتين، ولم يعد العامل في الغالب حرفيًّا أو عاملًا ماهرًا يجيد حرفة بقدر ما أصبح يقوم بأعمال روتينية مكررة وسقيمة، واتسعت الشقة بين طبقة الرأسماليين وطبقة العمال، وظهرت بوادر الصراع بينهما، وكثر الحديث عن استغلال الطبقة العاملة؛ مما هدد الاستقرار الاجتماعي، وقامت اضطرابات متعددة؛ مما تطلب التدخل الحكومي لتوفير بعض الحماية للطبقة العاملة من حيث وضع حد أدنى للأجور أو ضوابط لساعات وشروط العمل في المصانع. وقد عرفت معظم الدول الصناعية، وخاصة خلال القرن العشرين، العديد من الإصلاحات الاجتماعية لحماية العمال وضمان حدود دنيا لظروفهم المعيشية. وبعد أن قامت الثورة الشيوعية في روسيا في ١٩١٧ ثم الأزمة المالية في ١٩٣٠ ازداد تدخل الدولة في الاقتصاد بقصد توفير الظروف المناسبة لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

انفصال الإدارة عن الملكية

لم يقتصر أثر التقدم التكنولوجي للصناعة على مجرد الفصل بين الملكية والعمل، وإنما أدى استمرار هذا التطور إلى جعل «إدارة» المشروعات الصناعية الحديثة أمرًا معقدًا من النواحي الفنية والإدارية والمالية، مما تطلَّب خبرات وكفاءات علمية وفنية متقدمة، وبذلك بدأت تظهر فئة جديدة هي طبقة «المديرين» التي أشار إليها برنهام في دراسته السابقة، وهكذا بدأت «الإدارة» تنفصل عن الملكية، وأصبح دور المديرين حاسمًا في إدارة وتوجيه المشروعات الصناعية، وتراجع دور الملكية إلى مجرد الحصول على نصيب من الأرباح دون مشاركة فعالة في اتخاذ القرارات الاستراتيجية للمشروعات الصناعية، وكان من أشهر من تحدثوا عن دور المديرين في المجتمعات الصناعية ريمون آرون في فرنسا، وجالبرث في أمريكا.

هيمنة التمويل على الصناعة

لم يتوقف تطور الاقتصاد الصناعي على ظهور «المصنع» وانزواء الإنتاج «الحرفي»، وبالتالي انفصال الملكية عن العمل، أو على تعقد إدارة المشروعات الصناعية، مما أدى إلى انفصال الإدارة عن الملكية، بل تطلبت مقتضيات الصناعة الحديثة ضرورة توفير رءوس أموال ضخمة للمشروعات العملاقة، ولاستمرار البحث والتطوير التكنولوجي على نحو تنوء به إمكانيات المستثمر الفرد، أو حتى مجموعة قليلة من الأفراد، ومن هنا قامت الحاجة إلى ضرورة تعبئة الأموال من جمهور المدخرين والمستثمرين لأغراض الاستثمار الصناعي.

وكان مما ساعد على بزوغ أهمية التمويل مع ما عرفته مختلف المجتمعات من ثورة قانونية مع ظهور الأوراق التجارية، ثم مع اكتشاف مفهوم «الشركة المساهمة»، وأخيرًا خلال نصف القرن الماضي من قيام ثورة في المعلومات والاتصالات، والتي أدت إلى اتساع الأسواق المالية عالميًّا (العولمة). وقد تضافرت كل هذه العوامل لتوفير الظروف المناسبة لتعبئة الأموال ليس فقط من كبار الأثرياء، بل من عامة الناس وصغار المدخرين؛ وبذلك لم يعد تمويل المشروع عملًا فرديًّا للرأسمالي أو حتى عمل مجموعة صغيرة من الأفراد، بل أصبح عملًا جماعيًّا يتسع ويمتد ليشمل غالبية من الأفراد داخل الدولة وخارجها؛ فالتمويل بطبيعته له اتجاه عالمي يقفز على الحدود ولا يبالي بالتقسيمات السياسية.

ولم يكن من الممكن أن يتسع حجم ومدى هذه الأشكال من التمويل دون قيام مؤسسات مالية عملاقة تجذب أموال المدخرين والمستثمرين، وتعيد استخدامها وتوزيعها على مختلف الأنشطة الاقتصادية وفي مقدمتها الصناعة، وهكذا تحققت الريادة في الاقتصاد المعاصر لهذه المؤسسات المالية من بنوك وبنوك استثمار وصناديق ادخارية وشركات تأمين وصناديق تحوُّط، فضلًا عن قائمة طويلة من المؤسسات المعاونة في أسواق الأسهم والأسواق المالية من سماسرة وهيئات تقدير الجدارة الائتمانية وبيوتات للرهونات، والقائمة طويلة. ورغم استمرار أهمية الصناعة ودورها المحوري في التقدم الاقتصادي فقد أصبحت الريادة في الاقتصاد المعاصر هي لتلك المؤسسات المالية التي توفر التمويل اللازم الذي هو شريان الحياة الاقتصادية.

سيطرة الإدارة على المؤسسات المالية

كما هو الحال بالنسبة للصناعة، وحيث سيطرت «الإدارة» على مقدرات الصناعة، فقد عرفت المؤسسات المالية نفس الشيء، ولم يقتصر الأمر على أن تستقل هذه الإدارة باتخاذ القرارات الرئيسية في المؤسسات المالية، بل إنها أفرزت لنفسها سُنَّة جديدة، وهي أنها لا تكتفي بالحصول على أجور ومرتبات عالية، بل أدخلت مفهومًا جديدًا لمكافأة نفسها، وهو الحوافز المالية، والتي تقتطعها من الأرباح المتحققة وقبل توزيعها على المساهمين، وهكذا بدأت ظاهرة المديرين الماليين «المعجزة» لشباب في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، والذين يحققون دخولًا خيالية، ويقضون معظم حياتهم العملية في السفر في الطائرات أو في أفضل الفنادق لحضور الاجتماعات والمؤتمرات، وأصبحت مدارس إدارة الأعمال في الجامعات الكبرى — والتي تمنح شهادات MBA — جواز السفر لهذا العالم المجنون من الأجور والحوافز الخيالية.

وقد دفعت هذه المزايا المالية المذهلة بالمديرين إلى المغامرة، بل والمقامرة بالتوسع في إصدار أصول مالية جديدة و«اصطناعية» وتوزيعها على اتساع المعمورة من خلال الأسواق المالية، وأصبح الجشع في غيبة الرقابة والمساءلة هو سيد الموقف. وجاء اقتطاع هذه المرتبات والمكافآت المذهلة ليس على حساب العمال في المصانع، وإنما على حساب جمهور المدخرين والمستثمرين فيما يطرح من أصول مالية «مسمومة»، فكان المساهمون في الشركات يخسرون رءوس أموالهم في المؤسسات المالية، كما تتعرض قروض المقرضين للضياع في الوقت الذي يحصد فيه المديرون عشرات إن لم يكن مئات الملايين من الدولارات سنويًّا من المرتبات والحوافز.

ماركس من وراء القبر

لو طال العمر بكارل ماركس لاكتشف أن استغلال الرأسماليين للعمال في أيامه كان محدودًا ومقتصرًا على العمال دون بقية طوائف المجتمع، وأن ما كان يحصل عليه الرأسماليون من أرباح مبالغ فيها إنما كان يعاد استثمارها في توسيع الصناعة وتعميقها؛ الأمر الذي أدى إلى مزيد من التقدم الاقتصادي الذي لم يلبث أن عمت فائدته على الجميع، وفي نفس الوقت فقد واجه ذلك الاستغلال ثورات اجتماعية، وتولدت عنه إصلاحات اجتماعية هائلة لصالح العمال (اقتصاديات الرفاهية).

أما أشكال الاستغلال الجديد فلم تأت بشكل أساسي من رُوَّاد الصناعة، وإنما جاءت من طبقة المديرين، وخاصة في المؤسسات المالية الكبيرة، كذلك لم تستخدم هذه الدخول على توسيع الصناعة وتعميقها بقدر ما أُنفقت على أشكال الإنفاق الاستهلاكي ومظاهر البذخ، وهكذا لم يقتصر الاستغلال على طبقة العمال وحدها، بل شمل جميع المدخرين والمستثمرين بما فيهم صناديق المعاشات والتأمينات الاجتماعية المملوكة للعاملين، وكان المستفيد من هذا هم مجموعة من المديرين الماليين «المعجزة»!

الحاجة إلى الإصلاح

هناك حاجة ماسة إلى إصلاح اقتصادي جديد يعيد الانضباط إلى أسواق المال، وفي المقدمة إعادة النظر في مرتبات وحوافز الإدارة، والتي تتم على حساب المستثمرين والمدخرين، بل وعلى حساب أصحاب رءوس أموال الشركات أنفسهم. وقد بدأت الولايات المتحدة بوضع القيود والضوابط في هذا الشأن، وما زال الشعور بالاشمئزاز عميقًا في الكونجرس الأمريكي إزاء هذه الممارسات التي باتت تهدد استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.