لما ضرب الإنكليز الإسماعيلية ونفيشة في صباح ٢٠ أغسطس، أرسل عرابي إلى باش كاتب المابين الكتاب الآتي:

كنت قد بسطت لعطوفتكم قبل الآن أمر اعتداء الإنكليز، وتسلطهم بجهتي السويس والإسماعيلية على الترعة، ومخالفتهم للعهود بما جاء مخلًّا بنظام الترعة، وبسطت أيضًا ما كان من الهمة التي بذلناها في جعل الترعة على الحياد؛ لأنها نقطة وحيدة لاجتماع منافع الأمم وممر تجارة العالم أجمع. وحيث قد قرب الآن قدوم المحمل الشريف والحجاج المسلمين إلى جهة الحجاز، كتبت إلى الموسيو دي لسبس وهو في الإسماعيلية، متفهمًا عما إذا كانت إنكلترا تمانع في مرور عساكر المحافظة المعتادة التوجه مع المحمل الشريف أو لا. فأجاب وكالة الجهادية بالتلغراف، أنه نظرًا للأحوال الحاضرة لا يمكنه أن يأخذ على نفسه مهمة إرسال المحمل الشريف. وبعد وصول هذا الجواب، منع الإنكليز جميع سفن الدول الحربية من المرور بالقناة، وقطعوا الأسلاك البرقية بين السويس والإسماعيلية، وأدخلوا سفنهم الحربية مع أسلحتهم، وأجرينا الاحتياطات لمقاومة هذا العدو إذا تقدم للداخلية. وكان قومندان الخط الشرقي ومحافظ الإسماعيلية ويوزباشي المستحفظة هناك قد أفادوا أن في عزم الإنكليز أن يطلقوا مدافعهم على النقط العسكرية في مداخل البلاد، وقد شرعوا في الساعة التاسعة من ليلة أمس في إطلاق القنابل من جهة الإسماعيلية على نفيشة. أما نحن فبالنظر لاحترامنا لعهود الترعة أن نكون على الحياد، وإلى عدم تقويتنا تلك النقطة، ولعدم وجود قوة عسكرية تقوم بالمحافظة على القطر ما عدا نقط العساكر المستحفظة، وموالاة للتحريض الشديد على عدم مس حقوق الترعة؛ بكل ذلك جُعلنا في مأمن تام من تحمُّل أية تبعة كانت.

ولما بدا من الإنكليز هذا الاعتداء على ضفاف الترعة، أقام الموسيو دي لسبس الحجة على الأميرال الإنكليزي، وأرسل صورة الحجة بالتلغراف إلى الحكومة الفرنساوية، فاتصل خبرها بوكلاء الدول في عاصمة الحكومة المشار إليها، فأعلموا بها دولهم بصفة رسمية. أما الإنكليز، فسيروا أنهم على المثل السائر: «البادي أظلم»، لم يلتفتوا إلى إقامة الحجة، بل أصروا على الإخلال بنظام الترعة، وفي هذا الشأن أُرسل تلغراف إلى دي لسبس بما يأتي:

بما أن الإنكليز خرقوا نظام حياد الترعة، فقد صارت مصر مضطرة إلى سدها وتعطيلها منعًا لاعتدائهم، فإذا لم يَرِد لنا جواب في مدة أربع وعشرين ساعة، اضطررنا إلى اتخاذ الاحتياطات للمدافعة.

فمن التفاصيل المتقدم سردها تعلمون أن الدولة الإنكليزية التي كانت متخذة لها مقامًا خطيرًا لدى الخلافة الكبرى وفي دار السلطنة العظمى، وكانت تزعم أنها أشد الدول محافظة على السلام وأنها لا تحارب مصر ولا تقصد بها شرًّا. قد أوقعت المسلمين في إشكال عظيم من التعدي الذي قامت به أمس، وظهر في الواقع أنها تتظاهر بخلاف ما كانت تزعمه، وتحقق أيضًا أنها مقاومة لجميع المصريين، الأمة الخاضعة للدولة العثمانية، وأنها دهست بأرجل المطامع منافع جميع الدول، ولم تخشَ أحدًا، ورمت بنار الحرب والقتال إقليمًا عظيمًا. فيما أن أعمال الإنكليز وصلت إلى هذه الدرجة، لم يَعُد بالإمكان أن نتراخى لاتخاذ الوسائط الموصلة لدفع كيدهم، وأما النتائج الوخيمة التي ستترتب على ذلك، فستكون عائدة على المعتدي الظالم. وقد بسطت فيما مضى شرح الأحوال التي كانت جارية يوم تدوينها وإرسالها؛ فلكي يكون ما أعقبها غير خافٍ على شريف علم ظل الله، بادرنا إلى كتابتها وتقديمها لنادي عطوفكم.

عندما استولى الإنكليز فجأةً بغتةً على قناة السويس، لم يكونوا على ثقة تامة من قوة الجيش المصري، بدليل أن تقاريرهم الرسمية عن تلك القوة كانت بعضها يختلف اختلافًا تامًّا عن البعض، فمنهم من كان يقدِّر عدد تلك القوة بمائة ألف مقاتل، والبعض الآخر كالجنرال ولسلي قائد الحملة الإنكليزية كان يقدِّرها بخمسة وعشرين ألف جندي منظم تنظيمًا تامًّا، وبعشرة آلاف من الرديف وعشرة آلاف من البدو والمتطوعة.

أما وزارة الحربية الإنكليزية، فإنها تقول في كتابها عن حملة ولسلي إن عدد جيش عرابي كان ٦٦ ألفًا، منهم ٣٣ ألفًا كانوا يحتلون خطوط كفر الدوار وأبو قير، و٧ آلاف دمياط، و١١ ألفًا حصون القاهرة وقشلاقاتها، ولم يكن في خطوط منطقة السويس سوى ١٥ ألفًا. (راجع التاريخ العسكري لحملة مصر ١٨٨٢ بعناية قلم المخابرات الإنكليزي صفحة ٤١).

وكما أنهم اختلفوا في عدد الجيش، فقد اختلفوا في روح هذا الجيش، فقنصل فرنسا في بورسعيد شبَّه ذلك الجيش بالعصابات التي لا تناسق بين صفوفها ولا هي خاضعة للنظام، فهي لا تستطيع الثبات أمام قوة أوروبية منظمة، ولكن قنصل إيطاليا كان يعتقد أنها قادرة على الثبات في وجه العدو، ودي لسبس كان يقدِّر أن الحرب ستكون صعبة طويلة قبل أن يصل الإنكليز إلى القاهرة.

أما الجنرال ولسلي، فإنه كان يؤكد لرؤسائه في وزارة الحرب أن الحملة لا تلبث أن تقهر عدوها بكل سهولة، على شرط أن تجتمع قوة العدو كلها في التل الكبير، وكانت الخطة التي اتفقت عليها آراء الهيئات الإنكليزية كلها تستند إلى قول ولسلي.

والذي يؤخذ من أقوال الفنيين العسكريين منذ عهد محمد علي أن التل الكبير هو أفضل معقل لصد كل غارة على مصر من وجهة الشرق؛ لذلك سار محمد علي وخلفاؤه على هذه النظرية ولقنوها لأركان الحرب؛ لأن سير المغيرين في رمال الصحراء يفتك قواهم، بينما يكون المدافعون الذين تستند ظهورهم إلى الدلتا مرتاحين يجدون كل حاجاتهم بسهولة ويكونون في راحة وطمأنينة. فلما عزم الإنكليز على القتال في تلك المنطقة حولوا همهم الأول إلى جر عدوهم إلى السهل، حتى يتبينوا قوته ومركزه وبراعته وأسلوبه، ثم بعد ذلك يسعون للحيلولة بينه وبين الدلتا الصالحة للدفاع لكثرة ما فيها من الآكام والتلال، ولسهولة إقامة المعاقل المنيعة.

ولأجل حمل عرابي على حشد قواته كلها في التل الكبير، تظاهر ولسلي بجس النبض وبالتردد، فضلًا عن أنه كان في حاجة إلى أسبوعين لإنزال قواته وإمدادها بالمدد الوارد عليها من إنكلترا والهند. ولكنه فوجئ بهبوط مياه الترعة الإسماعيلية ربع متر، ثم توالى هبوطها فاشتد قلق ولسلي والقُواد الإنكليز مخافة أن يكون المصريون قد قطعوا جسور الترعة، فيجرف الماء الرمل إلى قناة السويس فيسدها. ولم يكن الفرسان الإنكليز قادرين على العمل لتعب خيولهم من سفر البحر، ولكن الخطر كان داهمًا، فلم تكن مندوحة عن العمل لدفعه.

ففي ٢٤ أغسطس أرسلوا ثلاث كتائب من حرس الملك عددها ٤٢١ فارسًا — كما قالت المجلة الحربية — وتابورًا من المشاة، وبلوكًا من مشاة البحرية، وبلوكًا من المدفعية الراكبة بقيادة الجنرال ويلس الذي قام من الإسماعيلية لإجابة الجنرال ولسلي. واجتازت هذه القوة محطة نفيشة، واشتبك الفرسان بالقتال مع مقدمة المصريين في مغفر، ثم تقدموا إلى حيث أقام المصريون معاقلهم، ولكنهم وقفوا قبل تل المسخوطة حيث تمر القناة والخط الحديدي بين أكمتين. وكان الثوار قد حشدوا عشرة آلاف رجل ونصبوا ١٢ مدفعًا، فلما دنا الإنكليز من المسخوطة قامت بعض القوات من التل الكبير بالقطار، فطلب ولسلي المدد وجرى القتال بالمدافع ورصاص البنادق على مسافة ٩٠٠ متر، وقتلت أول قنبلة من قنابل المصريين جوادًا إلى جانب الجنرال ولسلي. وكان الحر شديدًا أنهك قوى الإنكليز، فماتوا وهم لا يستطيعون حراكًا، ولم تصل الأمداد إليهم — وهي ألاي الحرس وأربعة مدافع — إلا في المساء، وظهر لهم أن المصريين لا يطلقون الشرنبل ولا تنفجر قنابلهم، لأنها كانت تغوص بالرمل.

وعند الصباح قام الإنكليز بحركة التفاف حول القوة المصرية التي كانت بقيادة راشد باشا حسني (أبو شنب فضة)، فارتد إلى المحسمة التي كانت محصنة، وبذل الإنكليز مجهودًا كبيرًا فلم يستطيعوا اللحاق به؛ وكل ما تمناه الجنرال ولسلي أن يغنم قاطرة، فلم يصل إلى غرضه. ولكن الجيش المصري ترك كثيرًا من معداته لينجو من حركة الالتفاف حوله، فأخذ الإنكليز سبعة مدافع كروب وكثيرًا من البنادق والذخيرة و٧٥ عربة مؤن وكثيرًا من الخيام. أما الجيش المصري الذي كان حاشدًا هناك، فكان أكثره من الخفراء الذين جيء بهم من الصعيد وأُلبسوا البدل البيضاء والكنابيد. على أن أكبر غنيمة غنمها الإنكليز عنهم استيلاؤهم على ريَّاح القصاصين، فضمنوا لأنفسهم ماء الشرب؛ لأن العدو لو قطع بعد ذلك الماء ظل ماء قاع الترعة كافيًا وحده لمدة شهرين.

وكانت خسارة الإنكليز ٥ قتلى و٢٥ جريحًا، ولكن خسارتهم الكبرى كانت بضربة الشمس، أصيب بها المئات. وبعد هذه الهجمة كتب ولسلي إلى وزارة الحربية يقول: «إن اختبارنا أمس دل على أن مشاتنا لا يُطلب منهم في هذه الحرب أن يعملوا كثيرًا؛ لأن العدو لا يدعنا ندنو منه حتى يكون لسلاح المشاة أي عمل، ولا أظن أن المشاة أطلقوا في اليومين السابقين أكثر من مائة طلقة. وقد كانت معاقل المسخوطة منيعة ومرسومة أفضل رسم، وسأجتهد للف حول المواقع وآخذها من الجنب، ولا أظن أن مشاتهم يدعوننا نسبقهم لنقطع خط رجعتهم، فإنهم يتحولون إلى شتات متناثر جمعهم قبل أن ندركهم.»

ولم يكن يعرف عند كتابة هذه السطور أن في قبضته ألد عدو، بل أقوى عدو له؛ أي محمود باشا فهمي رئيس أركان الحرب. فإن هذا الضابط والمهندس العظيم كان في المحسمة ينظم دفاعها عندما ارتد الجيش عنها في ٢٥ أغسطس، فوجده الإنكليز عند محطة السكة الحديد وهو لابس الردنجوت وبيده شمسية بيضاء، ولم يعرفه الإنكليز ولكن أحد الجرحى من المصريين رآه مقبلًا، بينما كان ملقى على الأرض لشدة جراحة، فنهض وحياه التحية العسكرية؛ فأدرك الضباط الإنكليز أن هذا الرجل الذي يقف له الجندي المثخن بالجراح ليحييه رجل عظيم. فهددوا محمود فهمي بالقتل لأنه جاسوس، فاعترف باسمه فأخذوه أسيرًا وسجنوه في محافظة الإسكندرية إلى أن حوكم؛ فانهد بأسره أعظم ركن في الجيش المصري، فخارت بعده العزائم، وطلب محمود سامي من عرابي أن يذهب معه إلى التل الكبير لعلهما يشدان عزائم الضباط.

قام عرابي من كفر الدوار إلى التل الكبير ومعه فريق من كبار الضباط والخطيب الشهير عبد الله نديم وقوة من الحرس، فلما وصل إلى مدينة الزقازيق خف للقائه العمد والأعيان والمشايخ والعلماء وأرباب الطرق والأشاير وموظفو الحكومة، فنزل إلى المحطة وإلى يمينه عبد الله نديم وجلس في الكشك، فاجتمعت الألوف من أنحاء المديرية لتحيته، واشتد الزحام وعلا الضجيج والهتاف وأخذت الجماهير تتغنى بالأناشيد كقولهم: «العسكر بالطوابي، الله ينصر عرابي»، «يا مولانا يا عزيز، اهلك عسكر الانكليز»، «يا سيمور يا وش القملة، من قال لك تعمل دي العملة» وأمثال ذلك من الأنغام يوقعونها بالتصفيق والرقص، وبعد برهة غير قصيرة نهض عرابي ومن معه وركبوا القطار، فعلا الهتاف لعرابي، فأطل من القطار وقال للجمهور: «اعتقدوا يا أبنائي أني لها، أجل أنا لها أنا لها.» فازدادوا حماسة وهتافًا.

ولما وصل عرابي إلى التل الكبير نصبوا لنزوله خيمة الوالي سعيد باشا، وكانت أفخر خيمة عُرفت، يشبهونها بالقصر من القماش؛ لزينتها وضخامتها وحليها. ومنذ ذلك اليوم أخذ الناس يتوافدون على عرابي.

وقامت هناك الأسواق للبيع والشراء والصناعة، وكانت الوفود تتلو الوفود لزيارة رئيس الوطن، فرتب الخدم والحشم، وضاق المكان بهدايا السمن والأرز والعجول والخراف والعسل والدقيق والفراخ والحمام والجاموس والحلوى والفاكهة، حتى كان القطار يلي القطار من جميع جهات البلاد.

وسار إلى هناك أرباب الطرق والأشاير وأصحاب العكاكيز، وجاء من منية ابن الخطيب (المنيا) الشيخ محمد عبد الجواد المتصوف المشهور، ومعه جمْع كبير من الأتباع، ومن الممون الشيخ الحنيد بِلُحوم كثيرة وطبول وزمور. فأنزل عرابي تلك الألوف في جهات معينة، وأجرى عليها الأرزاق الكثيرة، فكانوا يعقدون حلقات الذكر، ثم يشيعون بين العساكر أنهم أبادوا من الإنكليز كذا من الألوف ومن أسطولهم كذا من السفن، وتُنقل هذه الأخبار إلى داخلية البلاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.