إعلانٌ بديعٌ حقًّا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية، وعنايتها بها، وحرصها عليها، وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقتٍ قريبٍ، فيحسن رأي الناس في مصر، وظنهم بنظامها القائم، وسيفزع إليها المضطهدون، ويلوذ بها المظلومون، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم!

وستصبح مصر في العصر الحديث موئلَ اللاجئين، وملاذ الخائفين، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي، ورعاية المفكرين!

إعلان بديع حقًّا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية، وحمايتنا لها، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع، ولا يسمو إليها أحد بسوء. ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا، بل نتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان!

هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم، يقولون ما يريدون، ويأتون من الأمر ما يحبون، وينتقلون كما يشاءون، لا يُمنَعون من قول، ولا يُصرَفون عن عمل، ولا يُرَدُّون عن رحلة، ولا يُخطَفون من سفر، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا، وأينما وُجِّهوا، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة.

هم يستمتعون بحرية سياسية، لم يعرفها الزعماء في بلدٍ من بلاد الأرض، وهم لذلك راضون مطمئنون يثنون على الحكومة، ويحمدون لها بلاءها الحسن، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام.

وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوروبا وأمريكا، وفي كثير من بلاد الشرق، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة، فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة، أُبِيحَ لهم ذلك وأَنْفُ البلاد التي تضيفهم راغمٌ، لا تستطيع أن تنكر عليهم، أو أن تحد من حريتهم قليلًا أو كثيرًا؛ لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل، وهمَّت حكومة أجنبية أن تُضيِّق عليه حدود القول والعمل، نهضت مفوضية من مفوضياتنا، أو قنصلية من قنصلياتنا، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا، فأنكرت وشددت النكير، وأنذرت وهولت في النذير، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير والحركة والنشاط.

وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزًا للحياة الحرة حقًّا، وصورة للاستقلال الصحيح حقًّا، وكذلك أصبحت تهوي إلى مصر قلوب الخائفين، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق من أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها، ويطيلوا الإقامة فيها؛ لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها، ونشروا في أرجاء الأرض حريةً تشبه الفوضى، وتفسد النظام، ولولا أن هذه الدول تخاف مصر، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها؛ لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر، ونظامها للفساد.

ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة، تحب وتخاف، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا، ولن تُغلَق في وجهها الأبواب، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون.

إعلان بديع حقًّا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس، حين تفزع إلى الشرطة الباريسية، فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظَر في القاهرة!

بديع جدًّا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها! وحين يسوءها هذا الإباء؛ فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن، وأقلقوا النظام!

بديعٌ جدًّا هذا الإعلان، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية، فلا تمنع الاجتماع، ولا تحظر الخطابة، ولا تعرض للمجتمعين إلا بالخير، حتى إذا كان الاجتماع — وشهدته الشرطة — تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق، ولم تَسْعَ فيه بالصدق.

بديعٌ جدًّا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر، ويسيء ظنهم بمصر، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون، وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام، وأثبت الأمن، وردَّ إلى الحرية حقوقها المهضومة وكرامتها التي كانت مضيعة!

نعم؛ كل هذا بديع، وهناك ما هو أبدع وأروع، هناك أن مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها، فتأبى عليها فرنسا ذلك، ولِمَ لا؟! إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طَرْدهم من مصر، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطَرْدهم من فرنسا، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن؟!

ولِمَ لا؟! إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حينٍ إلى حينٍ نَفْيَ الأجانب من أرضها، فتجيبها مصر لما تريد ضعفًا أو إسرافًا في المجاملة، فلِمَ لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا إلى مصر، لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر، ولعل فرنسا أن تحرص على رضا المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضا المفوضية الفرنسية؟!

هذا مؤلمٌ حقًّا، هذا محزنٌ حقًّا، هذا مهينٌ حقًّا للكرامة المصرية، وما كنا نُقدِّر أن مفوضياتنا تنشأ لتُكلَّف مثل هذا السعي، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء، وما كنا نُقدِّر أن تُجبَى أموال الفلاح، أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتُمزِّقها، حتى إذا جمعت منه هذه الأموال، أنْفَقَتْ على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم؛ لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا، أو يخطبوا، أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية.

إذا لم يكن بد من أن يشقى المصريون في بلادهم، إذا لم يكن بد من أن تُؤذَى كرامة المصريين في بلادهم، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان لِيُمِدُّوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب، فلا أقل من أن يُترَك المصريون أحرارًا في خارج مصر، ولا أقل من أن تُنفَق أموال المصريين فيما لا يسيء للسمعة المصرية، ويؤذي الكرامة المصرية، ويُعرِّض مصر للسخرية والاستهزاء.

إذا لم يكن من بد من أن يُستعدَى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا، فلا أقل من أن لا يُستعدَى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا ينكره قانون تلك البلاد.

إذا لم يكن بد من أن يُضطهَد المصريون الأحرار حتى خارج مصر، فلا أقل من أن تضطهدهم مصر نفسها، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل أعمالهم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا؛ لتأخذ هؤلاء المصريين بها يوم يَعُودون، وإن كان هذا هو الشر كل الشر، والنكر كل النكر، وإن كان هذا أَبْعَد الأشياء عن أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات.

ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تَلِيق! وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق! وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة، أو أن يتمنَّى عليها، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقِرَّه أو نسكت عليه، فضلًا عن أن نستصفي أموال الفلاح لِتُنْفَق عليها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.