طلبت مني مجلة «الديمقراطية» التي تصدرها جريدة الأهرام منذ حوالي سنتين إعداد بحث عن «مستقبل الليبرالية في مصر»، ونُشِر هذا البحث في العدد العاشر، ربيع ٢٠٠٣. وبالنظر إلى ما يثار حاليًّا من نقاش حول الإصلاح السياسي، فقد وجدت أن الوقت مناسب لإعادة تلخيص بعض النتائج التي توصلتْ إليها تلك الدراسة.

وقد يكون من المفيد أن نبدأ ببعض المقدمات النظرية. هناك ارتباط شديد بين مفهوم الليبرالية وفكرة الحرية، بل إن اسمها مشتق في الواقع من معنى الحرية Liberty، وقد أخذ مفهوم الحرية عدة معانٍ، فيمكن التمييز — على الأقل — بين ثلاثة مفاهيم للحرية: فهناك ما يمكن أن يُطلَق عليه المفهوم «الجمهوري» للحرية، وهو يشير إلى مساهمة الأفراد في الحياة السياسية، باختيار حكَّامهم ومساءلتهم، وهذا المفهوم هو الأقرب إلى معنى الديمقراطية السياسية. ولكن هناك مفهوم آخَر يمكن أن نطلق عليه المفهوم «الليبرالي» للحرية، والمقصود بذلك الاعتراف للفرد بمجال خاص لا يمكن التعرض له فيه بالتدخل، فهنا يرتبط الأمر بالاعتراف للفرد بحقوق طبيعية أو أساسية لا يجوز المساس بها أو انتهاكها، ويدخل في هذا حق الفرد في الحياة، وفي حرية العقيدة، وحرية التعبير عن الرأي، وحرية الاجتماع والانتقال، كما يتضمن أيضًا احترام حقوق الملكية الخاصة. وأخيرًا هناك ما يمكن أن نُطلِق عليه المفهوم «المثالي» أو «التدخلي» للحرية، والمقصود هنا ليس مجرد مشاركة الفرد في الحياة السياسية، أو الاعتراف له بمجال خاص لا يجوز التعرض له، بل إن الأمر يجاوز ذلك إلى ضرورة أن يوفر المجتمع الشروط اللازمة لتمكين الأفراد من ممارسة اختياراتهم على نحوٍ يتفق مع رغباتهم الحقيقية، وبحيث تتوفر لهم القدرة على ممارسة هذا الاختيار. والحرية في هذا المفهوم تتعلق «بتمكين» الفرد من ممارسة حقوقه.

وهذا المفهوم الأخير يتسع ويضيق وفقًا للمدارس الفكرية المختلقة، بل وقد يتعارض مع المفاهيم الأخرى للحرية في بعض الأحوال، فوفقًا لهذا المفهوم المثالي أو التدخلي — من أشهر أمثلته الفكر الماركسي — فإن الحرية الليبرالية قد تصبح مجرد حرية شكلية خالية من المضمون، إذا لم يتوافر للفرد مستوى اقتصادي من الدخل، ومستوى تعليمي مناسب يمكِّنه من ممارسة اختياراته الحقيقية.

وإلى جانب هذا التقسيم أشار بنجامين كونستانت في كتابه «الحريات القديمة والحديثة» ١٨١٩ إلى التفرقة بين نوعين من الحرية: فهناك المفهوم القديم للحرية، والذي نجد جذوره في الفكر اليوناني والممارسات الديمقراطية في المدن اليونانية، الذي يرى أن الحرية (الديمقراطية) تقتصر على الحق في المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية. أما الحرية بالمعنى الحديث، فهي نتاج الفكر الليبرالي، والذي استقر معناه ومفهومه من خلال المساهمات الفكرية لآباء هذا الفكر منذ القرن السابع عشر، وخاصة مع جون لوك، ثم مع جون استيوارت ميل. وفي هذا المفهوم فإن الحرية ليست مجرد مشاركة في انتخاب الحكام، وإنما هي بالدرجة الأولى دعوة إلى الفردية، بالاعتراف بمجال خاص يتمتع فيه الفرد بحرية واستقلال، دون تدخُّل أو إزعاج من جانب السلطات. ويتضح من ذلك أن مفهوم الحرية القديم — المشاركة السياسية — يمكن أن يتعارض مع مفهوم الحرية الحديث — الليبرالي — وخاصة عندما تظهر على السطح دكتاتورية أو استبداد الأغلبية، التي لا تقيم وزنًا لحقوق الأقلية، وهو ما حدا بالكاتب الأمريكي/الهندي إلى إصدار كتابٍ عن «الديمقراطيات غير الحرة».

وإذ يبدو أن الفكر الليبرالي هو بالدرجة الأولى انصياع «للفردية»، فليس معنى ذلك أن هذا الفكر — وهو يضع حقوق الفرد في بؤرة اهتمامه — يهمل مصالح المجتمع ليصبح نهبًا للمصالح الأنانية، حيث يتسيد القوي ويذبل الضعيف، ويسيطر الغني ويُسحَق الفقير. على العكس، الفكر الليبرالي الحديث وتحت وطأة العديد من التجارب — وبعضها مرير مثل الأزمات الاقتصادية والحروب والثورات — قد وصل إلى أن «الفردية» لا يمكن أن تتحقق على نحو مستقر وسليم، ما لم يتحقق التوازن بين الاعتبارات الفردية في حماية الحقوق الأساسية للفرد، وبين الاعتبارات المجتمعية في توفير فرص التقدم الاقتصادي، وعدالة التوزيع، وصيانة البيئة، والقضاء على الفقر، ورعاية المهمشين. ولذلك، فإن الديمقراطية الليبرالية وهي تستند إلى المفهوم الليبرالي للحرية، لا يمكن أن تتجاهل المفهوم الجمهوري (المشاركة السياسية)، أو المثالي التدخلي (ضمان حقوقٍ دنيا للمواطنين)، وعلى أن يظل الأساس والجوهر هو المفهوم «الليبرالي» في احترام حقوق الفرد وحرياته الأساسية؛ فالحرية «الجمهورية» (الديمقراطية السياسية)، والحرية «المثالية» أو «التدخلية» (ضمان حدودٍ دنيا للحقوق) تأتي لتدعيم حرية الأفراد وحقوقهم الأساسية، وليس للمساس بها أو الاعتداء عليها.

وليس هناك من شك في أننا نعيش في عالم جديد يصعب تجاهله، وأن هذا العالم يتطلب — بشكل متزايد — الأخذ بصورة من الليبرالية بشِقَّيْها الاقتصادي (اقتصاد السوق)، والسياسي (الديمقراطية)، وعلينا — في مصر — أن نعمل على تحقيق مزيد من التصالح بين هذا التيار العالمي، وبين مقتضيات الظروف الداخلية.

وإذا نظرنا إلى أوضاعنا الداخلية، فإن الأمر لا يبدو ميسَّرًا للانتقال فجأةً إلى نظام ليبرالي ناجح. وهناك على الأقل مشكلتان حاليتان: الأولى هي النقص الشديد في القيادات الليبرالية المقبولة شعبيًّا، وضعف القدرة على إبراز قيادات جديدة. وأما الثانية فهي أنه باستثناء حزب الحكومة، والذي احتكر السلطة لأكثر من نصف قرن، فقد انفرد التيار الإسلامي — باتجاهاته المختلفة — بالساحة السياسية الشعبية، سواء على مستوى التنظيم أو على مستوى الخطاب السياسي، وموقف هذا التيار من الفكر الليبرالي ملتبس عند الكثيرين، ويترتب على ذلك أن الأخذ بإصلاحات ليبرالية غير مخططة قد يؤدي إلى تمكين القفز على السلطة لعناصر معادية أصلًا لليبرالية، أو لعناصر انتهازية غير مؤمِنة أصلًا بالفكر الليبرالي؛ وبذلك فإنها تهدد بإجهاض التجربة في مهدها، وتحويلها إلى مسار غير ليبرالي. ولكن من ناحية أخرى لا يجوز التعلل بهذه المشاكل لتعطيل التحول إلى مزيد من الديمقراطية الليبرالية، أو لتجاهل اتجاهات رئيسية في المجتمع واستبعادها من المشاركة، بمقولة إنها قوى غير ليبرالية أو معادية لها. فإذا أضفنا إلى ذلك أن التعديل الدستوري المقترَح قد جاء فجأة، وبلا مقدمات، بل ربما كانت الدلائل السابقة عليه تشير إلى العكس كذلك، فإن الإجراءات القانونية لوضع هذا التعديل موضع التنفيذ، لن تتم إلا في نصف الساعة الأخير، وقبل الانتخابات بشهرين أو ثلاثة، ولذلك فإن نتيجة الانتخابات الرئاسية القادمة تبدو محسومة مقدَّمًا.

وهكذا يتضح أن معضلة الإصلاح السياسي في مصر تتطلب من ناحيةٍ التصالحَ مع العصر، والأخذَ بنظامٍ يغلب عليه المفاهيم الديمقراطية الليبرالية، ومن ناحية أخرى أن يتم التصالح بين هذه المفاهيم نفسها وبين الاتجاهات الإسلامية، والتي تمثِّل أحد أهم التيارات السياسية القائمة. وأخيرًا، لا بد أن يأخذ هذا المسار أسلوبًا يسمح بالانتقال نحو هذا الهدف، دون أن تقفز عليه العناصر الانتهازية أو المعادية لاختطاف التحول بعيدًا عن الاتجاهات الليبرالية الحقيقية، نتيجةً للنقص الشديد في القيادات الليبرالية، وعدم ترسخ التقاليد الليبرالية في الوعي العام.

ومن هنا الحاجة إلى فترة انتقال معقولة تقلِّل من مخاطر الانحراف عن الهدف النهائي، أو اختطاف العملية في مسار غير ليبرالي، من جماعات انتهازية أو حتى معادية للأفكار الليبرالية، لمجرد تميُّزهم بقدرات تنظيمية عالية أو سيطرتهم على مراكز حساسة ومؤثرة في المجتمع. وهكذا فإن النجاح في التحول إلى نظام ديمقراطي ليبرالي، يتوقف إلى حد بعيد على مدى ما يتوافر للمرحلة الانتقالية من ظروفٍ تمكِّنها من الانتقال الهادئ والسلمي والصحي إلى بر الأمان.

ومع ذلك فإنه لا يقل أهميةً ضرورةُ إحاطة هذه الفترة الانتقالية بقيود واضحة ومحدَّدة، وهي قيود زمنية وموضوعية على السواء. فمن الناحية الزمنية يجب الاتفاق على إطار زمني محدَّد تنتهي بعده هذه الفترة الانتقالية، وأعتقد أن فترة بين سنتين وثلاث سنوات على الأكثر كافية لتحقيق الانتقال السلمي والصحي إلى حياة ديمقراطية كاملة. ولا يكفي الاتفاق على حدود زمنية للفترة الانتقالية، بل لا بد فوق ذلك من الاتفاق على عدد من القيود الموضوعية التي تحكم هذه الفترة الانتقالية، وأول هذه القيود هو ضرورة الأخذ — خلال هذه الفترة الانتقالية — بكافة مظاهر «الحرية الليبرالية»، من إلغاء كافة القوانين الاستثنائية، وإقامة دولة القانون، وتوفير استقلال القضاء، وإلغاء كل صور القضاء الاستثنائي، واحترام جميع الحريات، وتوفير الشفافية الكاملة وخاصة فيما يتعلق بالميزانية وأوجه إنفاقها، وضمان حرية الصحافة والإعلام، وإقرار حرية تكوين الأحزاب والجمعيات.

الخطر الذي يمكن أن تتعرض له عملية الانتقال إلى الديمقراطية، لا يرجع إلى مخاطر إطلاق «الحرية الليبرالية» بقدر ما يرجع إلى عدم الاستعداد إلى ممارسة «الحرية الجمهورية»؛ نتيجةً للخواء السياسي للبيئة السياسية لأكثر من خمسين عامًا، ففي هذه الظروف يمكن أن تكون «الحرية الجمهورية» والالتجاء المبكر إلى صناديق الانتخاب متناقضًا مع «الحرية الليبرالية» ومتعارضًا معها، وذلك قبل أن يستعيد المجتمع السياسي زمام الأمور، ويتيح الفرصة لظهور قيادات جديدة. فالحرية مدخل للديمقراطية، ولكنها ليست بالضرورة نتيجة لها.

ولذلك فإن الاقتراح الذي طرحه الأستاذ سلامة أحمد سلامة، بعدم منافسة السيد الرئيس في الانتخابات القادمة لضمان نجاحه بالتزكية، يبدو اقتراحًا معقولًا للبدء في تجربة التعددية بعد أن تتوافر مقوماتها الحقيقية، وذلك بدلًا من تبديد الجهود في قضية محسومة سلفًا، وبذلك تصبح فترة الرئاسة القادمة هي «الفترة الانتقالية» لترسيخ معاني «الحرية الليبرالية»، حتى تأتي بعد ذلك «الحرية الجمهورية» مؤكدةً لهذه المعاني وليست نقضًا لها. وبعبارة أخرى، يصبح التعديل الدستوري المقترَح بدايةً للتحول الديمقراطي وليس نهايةً له، وذلك بدءًا بتطبيق «الحرية الليبرالية»، في فترة الرئاسة القادمة، وفتح الباب لاستكمال مسيرة الإصلاح الدستوري، فالفترة الانتقالية هي فترة البناء القانوني والمؤسسي للحريات العامة، وإلغاء كافة القيود والإجراءات الاستثنائية. فَلْنبدأ بالحريات العامة، وبعد ذلك نستكمل البناء بالممارسات الديمقراطية في الانتخاب وتشكيل البرلمان.

ويمكن النظر إلى الفترة الانتقالية باعتبارها مرحلة للحوار السياسي الحر، وإبداء الآراء، والإعداد لوضع دستور جديد، وإتاحة الفرصة للأحزاب السياسية لوضع برامجها وتكوين كوادرها والانخراط في العمل الجماهيري، وتعويد الرأي العام على المشاركة في الحياة العامة، واستعادة دوره القيادي، والتخلص من أشكال اللامبالاة التي ميَّزَتْ الفترة السابقة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.