من الأمور التي تلفت النظر في عالم الأدب وجود كثيرين من رجال القانون بين الكتَّاب الأدباء والشعراء أنفسهم، وأنت ترى هذا في مصر وفي غير مصر من الأمم، فهل ثمة صلة بين الأدب والقانون تجعل هؤلاء المشتغلين بالتشريع ونصوصه وشروحه تهوى أفئدتهم إلى الكتابة وإلى الأدب؟ وإن يكن ذلك حقًّا فما طبيعة هذه الصلة؟

ويجمل بنا قبل بيان ذلك أن نذكر أن كثيرين من غير المشتغلين بالقانون تهوى نفوسهم إلى الكتابة وإلى الأدب، فمن بين الأطباء شعراء وكتَّاب وأدباء، وذلك الشأن بين المهندسين وغيرهم من سائر الطوائف المثقفة، ومن هؤلاء جميعًا من بين الأدباء والشعراء بالحرفة، ومن بين رجال القانون الذين يشتغلون بالكتابة والأدب، لكن عدد هؤلاء جميعًا لا يعادل عدد القانونيين الذين يدعون القانون إلى الكتابة وإلى الأدب، فما السر في هذا؟

السر فيه هي هذه الصلة بين الأدب والقانون، أو بعبارةٍ أدقَّ بين رجال القانون والأدب، فرجل القانون يجب أن يكون أديبًا إذا أراد أن يُحسِن القيام بعمله كمحامٍ أو كقاضٍ أو كعضو في النيابة. وما المحاماة؟ هي عرض الوقائع عرضًا شائقًا وتوجيهها إلى غاية تقنع القاضي وتقنع الجمهور السامع بما في كلام المحامي من حق، وكثيرًا ما يقف المحامي عند عرض الوقائع دون تعرُّضٍ لمباحث القانون، فأي شيء هذا غير الأدب وغير الخطابة، هو أدب في المذكرات التي تُكتَب وتُقدَّم للمحكمة، وهو خطابة في المرافعات، وكلما ازداد المحامي حسن أداء في الكتابة وفي الكلام كان أقدر على أداء مهمته، ولن يتسنى ذلك له إلا إذا كان ملمًّا إلمامًا حسنًا بأمور كثيرة تتصل بالأدب، وفي مقدمتها قوة الحجة وسلاسة العبارة، وحسن الأسلوب، واتساق المنطق، وهذا كله متصل بالأدب اتصاله بالقانون، وشأن النائب المترافِع شأن المحامي، وإن كان الاتفاق بين المشترعين على أن النائب البليغ العبارة خطر على العدالة؛ لأنه قد يدعو القاضي بسحر بيانه إلى إدانة بريء، وبراءةُ مذنب ليست شيئًا مذكورًا في عُرْف القانون إلى جانب إدانة بريء. فأما القاضي كلما كان أدق منطقًا وأسلس أسلوبًا، كانت أحكامه أقوى إقناعًا بصدق تصويرها للحقيقة.

وثَمَّ صورة أخرى من صور الصلة بين الأدب والقانون، تلك أن الأديب ورجل القانون يدرسان كثيرًا من مسائلَ مشتركةٍ بينهما، فالأديب الجدير باسم الأديب لا مفر له من دراسة الفلسفة وعلم النفس والمنطق، وهذه الدراسات بعينها لا غنى لرجل القانون الجدير بهذا الاسم عنها، وكلما ازدادت إحاطة الأديب وإحاطة رجل القانون بهذه الدراسات وازداد تعمُّقه فيها، كان أبرع في كلمه وفي فنه، فإذا وُهِب رجل القانون إلى جانب ذلك هبة الكتابة، كان طبيعيًّا أن تهوى نفسه إلى الأدب في لون أو أكثر من مختلف ألوانه، وهو جدير أن يصادف النجاح فيما يتصدى له بالقدر الذي تؤهله له موهبته. ولقد بلغت الموهبة بكثيرين من رجال القانون الذروة فيما تصدوا له من ألوان الأدب أن كان الأسلوب القانوني معوانًا بطبعه على بلوغ هذه المنزلة لمن يعنِّي نفسه كي يبلغها.

فالأسلوب القانوني بطبعه واضح دقيق يأنف الإبهام واللبس، ويرغب في البساطة وحسن الأداء، وأنت تجد هذا بينما في القوانين المختلفة إذا رجعت إليها تجده في التعريف بالموضوع، وفي بيان أحكامه، وفي الجزاء الذي يترتب عليه. ولقد أذكر أثناء وضع مشروع الدستور المصري في سنة ١٩٢٢ شيئًا من هذا، فبعد أن أتمَّتْ لجنة الثمانية عشر وضع القواعد العامة، وبعد أن أتمَّتْ لجنة الثلاثين مراجعة هذه القواعد وتنقيحها والإضافة إليها والحذف منها وفصل ما هو من خصائص الدستور عما هو من خصائص قانون الانتخاب، تألفت لجنة لتحرير الدستور وكنتُ متصلًا بها، وكان من أعضائها عبد العزيز باشا فهمي، وعبد الحميد باشا بدوي، ومحمود بك أبو النصر، وتوفيق باشا دوس، ومعنا الأستاذ الشيخ عبد العزيز البشري، ولقد قام عبد العزيز باشا فهمي بوضع الصيغة الأولى للدستور وفصوله ومواده، ثم جعلنا نجتمع نراجع النصوص من جهة تحريرها، وكانت أمامنا دساتير مختلفة مكتوبة باللغة الفرنسية، وبرغم دقة النصوص التي وضعها عبد العزيز باشا فقد كنا وإياه نبحث أحيانًا عن الكلمة الدقيقة الأداء فلا نعثر عليها، فنرجئها إلى غدٍ ليفكر كلٌّ منا فيها، أو في صيغة المادة وفي أسلوبها، لتكون على بساطة ألفاظها وحسن أدائها واضحةً دقيقةً لا لبس ولا إبهام فيها. ولقد أذكرني ذلك يومئذٍ ما عرفت عن الكاتب الفرنسي الكبير جوستاف فلوبير من أنه كان يبحث عن الكلمة التي تؤدي غرضه أسبوعًا كاملًا أحيانًا قبل أن يعثر عليها، وأنه كان لا يرضاها بحال نابية عن موضعها أو ضعيفة الأداء كما يريدها أن تؤديه.

لكن أسلوبًا كهذا الأسلوب له قوته ودقته قد لا يساعف الخيال، والخيال قوام الأدب، ربما دار ذلك ببعض الخواطر وهو اعتراض لا قيام له، فرجل القانون يجب أن يكون رجل خيال، وأسلوب القانون يجب أن يتسع لهذا الخيال لأمرين، أولهما: لأنه يجب أن يعالج الفروض المختلفة التي يمكن أن تنشأ عن تطبيق نص من النصوص مبالغة معيبة أحيانًا، ولا ريب في أن التماس الفروض لا يتأتى إلا لرجل واسع الخيال. والثاني: لأن ما يقع في الحياة بالفعل يفوق كل ما يمكن أن يفرضه الخيال، وما يقع في الحياة بالفعل يتصل كله في ناحية أو أخرى برجل القانون وما يعالج، وإن دُور القضاء لتشهد من مختلف الشئون فيما يُرفَع إلى العدالة من الدعاوى ما يقف أمامه الخيال حيران منبهرًا، وليس أسلوب أقدر على حسن أداء هذا كله مما يكون خيالًا أو يعدو الخيال، من ذلك الأسلوب البسيط الألفاظ الواضح الدقيق.

هذا ولا غنى لرجل القانون عن الوقوف على تاريخ التشريع، وهذا التاريخ يتناول أطوار الحياة الإنسانية في مختلف العصور، وكيف اقتضت نشوء القانون لتحديد علاقات الناس بعضهم ببعض، وليست تقف هذه العلاقات عند المعاملات أو العقوبات، بل هي تتصل بالأحوال الشخصية، وتعالج من هذه الأحوال ألصقها بعواطف الزوجية والأبوة والبنوة كما تعالج الروابط الجنسية، ودراسة هذا كله والتعمق فيه هو من بضاعة الأديب كما أنه من بضاعة رجال القانون، وهو لذلك بعض صور هذه الصلة بين الأدب والقانون.

ولو أردنا أن نجمل هذه الصور كلها في عبارة واحدة لقلنا: إن الأدب والقانون يعالجان في الحقيقة موضوعًا واحدًا، ذلك موضوع الحياة على اختلاف ألوانها وما يقع فيها، وهما لذلك يتزاوجان في شئون كثيرة تزاوجًا يُوجِب على رجل القانون أن يلمَّ بالأدب، وعلى الأديب أن يلمَّ القانون، وما دام ذلك هو الشأن فإن ما تهوى إليه نفس رجل القانون المحب بطبعه للأدب من تزيد في فنون الأدب المختلفة، يدفع الكثيرين منهم إلى معالجة ما تصبو إليه النفس من هذه الفنون، ويدع لهم فرصة التفوق والتبريز فيه.

وأنت إذا عدت إلى فلسفة القانون، وإلى أدب القانون، وجدتهما من أسمى صور الأدب ومن أروع ألوانه، فيهما التاريخ، والقصص، والمنطق الدقيق، ورواية تطور الحياة الإنسانية في أسلوب شائق كله الروعة والسمو. ولا عجب في ذلك؛ فالقانون ليس علمًا تجريبيًّا كالطب، أو كالهندسة، أو كالكيمياء يعتمد دارسه وتعتمد الحجة فيه على الأسلحة والأدوية والأدوات الهندسية أكثر مما يعتمد على النظريات، إنما هو علم نظري يعتمد على بحث الحوادث وعلى المنطق في تحليلها وترتيبها وتبويبها، وهو لذلك كتابة كله ورجاله كتَّاب جميعًا. وإذا كان بينهم مَن لا يجيد الكتابة ومَن يكتفي بالمقارنة العملية ومَن يرضى لنفسه هذا النقص المعيب، فإن العلوم الأدبية على نحوٍ لا شيء من الفن الأدبي فيه.

لا عجب إذن أن يكثر الكتَّاب والأدباء والشعراء من رجال القانون، والصلة بين الأدب والقانون ما رأيت، وهم كثيرون كما قدَّمنا، لا في مصر وحدها ولكن في بلاد العالم جميعًا، وهم يتناولون مختلف فنون الأدب من الأدب الصحفي إلى الشعر إلى التاريخ إلى الأدب القصصي، وليس يجوز أن يعتبرهم أحدٌ دخلاءَ في ميادين الأدب، وهم الذين أعلوا شأنه وأبدعوا فيه ألوانًا مختلفة. ولو أردنا أن نذكر كبار الكتَّاب في مصر أو في فرنسا أو في إنجلترا أو في غير هذه من الأمم، لوجدنا عددًا كبيرًا منهم ممَّن بدءوا حياتهم في المحاماة أو في مجالس القضاء.

على أن من التجوز أن يُطلَق على جميع الكتَّاب من رجال القانون اسمُ الأدباء، وإن كان الأكثرون ما ينفكون يقعون في هذا الخطأ، فقلَّ من رجال القانون مَن يصدق عليه اسم الأديب، وإن صدق عليهم جميعًا اسم الكاتب، فالمؤرخ كاتب، والفيلسوف كاتب، والسياسي كاتب، وقد يصل هؤلاء إلى الذروة من جمال الأسلوب وحسن العبارة ووضوحها، لكن ذلك لا يجعلهم أدباء، وإن جعلهم في مقدمة الكتَّاب، إنما الأديب مَن يتصدى لفنون الأدب كالقصة والأقصوصة والترسل والشعر؛ ولذا وجب أن يفرق في عمل الكاتب بين الجانب الأدبي وسائر جوانب كتابته، فرجل كصديقي الدكتور طه حسين له مؤلفات عدة منها كثير في النقد الأدبي وفي تاريخ الأدب، وهو في هذه كاتب مبدع، ولكن عمله فيها ليس عمل الأديب، فأما ما يُعتبَر من عمل الأديب حقًّا فكتاباه: «الأيام» و«على هامش السيرة». وكتابا المرحوم قاسم أمين «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» كتابا إصلاح اجتماعي، وليسا من كتب الأدب، وإن كان فيهما قطع تسمو بدقة الفن وجمال الأسلوب فيها إلى أسمى مراقي الأدب.

مع ذلك فبين الكتابة والأدب صلة كالصلة التي بين القانون والكتابة، وهذه هي صلة القانون بالأدب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.