كنت أتصفح بعض المجلات فوقع نظري في أحد أعدادها على صفحة من قلم حجة الإسلام الإمام الغزالي — رحمة الله عليه — يصف فيها حاله حين كان يلقي دروسه ببغداد، إذ تبيَّن أن هذه الدروس لا تؤدي إلى الحقيقة العليا التي ينشدها، فتولته حيرة شديدة: ما يصنع؟ ثم استقر عزمه على مغادرة بغداد، والانصراف عن التدريس إلى الخلوة والانقطاع إلى الله، يهديه عن طريق الإلهام إلى هذه الحقيقة العليا، وتَرَكَ بغداد إلى دمشق وإلى فلسطين، واعتزل الناس، وألَّف في عطلته كتابه الكبير (إحياء علوم الدين).

أعادت هذه الصفحة إلى ذاكرتي ما قام في عصور كثيرة بين الإيمان والعلم من خلاف، العلم يحسب أنه قدير، وإن طال الزمن على أن يجتلي الحقيقة في أمر هذا العالم، وفي أمر الحياة. والإيمان ينكر ذلك عليه، ويرى أن الحقيقة العليا أسمى من أن يحيط بها العقل وحده، وأن الإلهام هو الذي يهدينا إليها، ويفتح أمامنا طريقه.

وهذا الخلاف بين الإيمان والعلم متجدد على الزمان، تراه في كتب الأقدمين منذ مئات السنين وألوفها، ثم تراه في عصرنا الحاضر، وكأنه جديد لم يتناوله أحدٌ من قبلُ ببحث أو تمحيص. وأغلب الظن أن هذا الخلاف سيبقى قائمًا ما بقي الإنسان تتنازعه حواسه، وعقله، وشعوره، وعاطفته، وما بقي الناس يختلفون مزاجًا، يتحكم العقل في بعضهم، ويتحكم الشعور أو الإلهام في البعض، وأغلب الظن كذلك أن هذا الخلاف هو الذي يدفع الإنسانية مرحلة بعد مرحلة في سبيل التقدم إلى ما تبتغي إلى الكمال، يعلم الله وحده ما قدر لها أن تبلغ منه.

وتنازُع العلم والإيمان، يهدأ تارة ويثور أخرى، فهو يهدأ فيما يتقدم العلم خطوات واسعة، فيكشف لنا عن حقائق كنا نحسها، ولا نجد الدليل عليها، أو يكشف عن قوى كمينة تنشئ في حياة العالم جديدًا لم يكن يتوقعه. في هذه الأحوال يشد الناس أبصارهم إلى ناحية العلم، ويحسبون أنه سيبلغ يومًا؛ ليكشف لهم عما في الحياة والوجود من غيب مستور عنهم، ويظنون في هذه الفترات من حياتهم أن ما يكشف عنه العلم هو وحده الحق الذي يمكن الاطمئنان إليه، فإذا وقف اندفاع العلم بعدما كشف عنه من حقائق، تبيَّن الناس أن الغيب المستور لا يزال كما كان، وأنه يجب أن نؤمن بهذا الغيب، وأن ما يكشف عنه العلم اليوم ليس إلا جانبًا ضئيلًا من هذا الغيب الذي ينفسح أمامنا مداه، وكذلك ترانا كلما ازددنا علمًا أقنعنا العلم بأن الغيب المستور عنا أعظم بكثير من أن نحيط به، أو نخترق حجبه بوسائلنا الحسية. عند ذلك نرتد إلى ناحية الإلهام، ونؤمن بما يصوره لنا منطقنا من حقائق نفسية لما يبلغ العلم أن يضع لها القواعد والقوانين.

هناك أصدقاء لي يؤمنون بمناجاة الأرواح، ومنهم من يؤمن بظهورها، والقدرة على تصويرها، وكان أحدهم يحدثني يومًا في هذا الأمر حديث المؤمن المطمئن إليه كل الطمأنينة. ويذكر صديقًا لنا كلينا لا يؤمن بما يؤمن هو به في شأن الأرواح، ويذهب في عدم إيمانه إلى القول، بأنه لو رأى بعينه ما يقوله صديقنا المؤمن بمناجاة الأرواح أنه رآه لما صدَّق نظره، وبقي على اقتناعه بأن هذا الذي يذكره صديقنا إنما هو من عبث الخيال بالناس. ويعجب المؤمن بالأرواح ومناجاتها لهذا التشبث من جانب رجل يقدر كلينا حصافته، وواسع اطلاعه.

وقد عنيت أنا زمنًا بدراسة هذه الشئون الروحية، وكان ذلك من نحو ثلاثين سنة أو تزيد، ثم رأيتني أمام مشكلة يختلط فيها الخداع بالحقيقة حتى يتعذر على الإنسان أن يعرف إلى أي هذين الجانبين ينحاز؛ لهذا تركت هذا البحث من ذلك العهد، منتظرًا يوم يطلع علينا العلم فيه بما ينير أمامنا وجه الحجة فيه. ولست أستطيع اليوم أن أقول إني اطمأننت فيه إلى رأي؛ لأن شئونًا كثيرة أخرى، وكشوفًا علمية جديدة، وأطوار الإنسانية المتلاحقة شغلتني عن التعمق في دراسة مشكلة شككت في قدرة ملكاتي على أن تهديني فيها إلى الرأي القاطع الصحيح.

على أن ذلك لم يَدْعُني للحكم الحاسم بأن هذا الموضوع لا حقيقة له، فكم من أمور مادية كنا نحسبها أوهامًا لا يمكن أن تثبت، ثم إذا العلم يثبتها إثباتًا ماديًّا لا سبيل إلى ريب فيه، فما بالك بالحقائق النفسية، وبالحقائق العليا التي تتصل بكنه الكون والحياة، وبالروح وما يتصل بها. لقد انفسح مجال العلم إلى حد لم يكن أجدادنا يتوهمونه، لكنه مع ذلك لا يزال محصورًا، ولا تزال العوالم الفسيحة التي تحيط بنا، والتي تعلونا في السماوات، وتدور حولنا أو ندور حولها، لا تزال هذه العوالم تحوي من الأسرار ما يحاول العلم أن يصل إلى شيء منها، وهو بعدُ لما يحقِّق غايته، أو لم يحقِّق من غايته إلا القليل.

ولو أنَّا حصرنا الحقائق في حدود ما أثبته العلم إثباتًا يقينيًّا لَتعذَّر علينا أن نحدِّد موقفنا من الحياة، وسلوكنا فيها، فإذا ذكرنا أن آباءنا وأجدادنا استطاعوا خلال ما انقضى من ألوف السنين، أو عشرات ألوفها أن يحددوا موقفهم من الحياة وسلوكهم فيها، لم يبقَ لدينا ريب في أن إلهامنا الذي هدى الإنسانية خلال مئات الأجيال وألوفها قد كان يحس الحقيقة إحساسًا تصوريًّا، إن أثبت العلم خطأه في بعض الأحيان، فقد أثبت صوابه في أحيان كثيرة أخرى؛ وذلك يدعونا للاعتقاد بأن الإلهام يجب أن يُعتبَر حاسةً كالنظر أو السمع، وأداة لمعرفة الحقيقة، فهذه الأدوات التي نطمئن إليها، ونشعر أنها تهدينا إلى العلم اليقيني بالأشياء.

ويجب أن نقدِّر أن الإلهام يختلف بين بعض الناس وبعض، كما تختلف الحواس الأخرى بين بعض الناس وبعض، فكما أن أحدهم أقوى بصرًا، والآخَر أقوى سمعًا، فكذلك يكون أحدهم أدق إلهامًا من غيره، بل إن هذا الإلهام الدقيق هو الذي يتيح للموهوبين مواهب خاصة أن يكشفوا لنا عن أسرارٍ لولاهم لما استطعنا كشفها. وكم من الطلبة كانوا مع أينشتين في جامعة واحدة، وفي كلية واحدة من كليات هذه الجامعة، ومع ذلك بلغ أينشتين وحده ما لم يبلغه أحد منهم في معادلاته التي اكتشف بها ما اكتشف، وأضاف بها إلى الحقائق العلمية ما أضاف.

على أن انطلاق العلم إلى الكشف عما لم يكشف عنه من قبلُ، أو إثبات ما لم يقم عليه الدليل العلمي لا يقتضي حتمًا أن يتعطل الإلهام، فلا يرشدنا إلى منطق الحقائق العليا منطقًا نفسيًّا، إن لم يثبته الدليل المادي، لم يتعذر على ذوي الإلهام الاهتداء إليه. وكثيرًا ما يتبارى العلم والإلهام وقامت الفلسفة توفِّق بينهما، لتصوِّر للإنسانية خطاها إلى مستقبل رشيد. والأمم التي يتعاون فيها العلم والإلهام، هي الأمم التي تبلغ من الحضارة مقامًا محمودًا، ذلك ما يحدثنا عنه التاريخ القديم والحديث، وحسبنا أن نذكر نهضة العرب والمسلمين في العصور الأولى، وفي العصر العباسي خاصة؛ لنطمئن إلى أن هذا التعاون قد خدم الإنسانية كلها خدمة جليلة، بعد أن رفع الدولة التي تقوم به إلى أسمى مكانة. وحضارة الغرب الحديث أثر من آثار هذا التعاون، لكن نوعًا من الركود قد ران على عالمنا الحاضر، فأضعف من هذا التعاون في الغرب. أترانا نستطيع نحن أبناء الشرق أن نتلقَّى عنه هذه الرسالة، وأن ننهض بها فيكون لنا مجدها، وتنعم الإنسانية بثمراتها؟

أحسب أن هذه هي الدورة الطبيعية للتاريخ، لكن لا نزال في مستهلِّ هذه الدورة، ولا بد لنا إذا أردنا أن ننهض بالرسالة أن نشجع رجال العلم، وأن نشجع الذين يفكرون بإلهامهم تشجيعًا لا سبيل إلى تعاون العلم والإيمان من دونه، فإذا نحن فعلنا أدَّيْنا واجبنا، ونهضنا بعبء الرسالة الكبرى التي نرجو أن نقوم بها.

والعلماء المخلصون للعلم من رجال الجامعات، والملهمون الصادقون حيثما وُجِدوا، لا بد لتعاونهم من جهد ضخم يسمو بمعنويات الحياة، ولا يقتصر على مادياتها، ولا أخالنا عاجزين عن القيام بهذا الجهد العظيم إذا خلصت منا النية، ويومئذٍ يكون منا الأئمة أمثال حجة الإسلام الغزالي، وأمثال العالم الرياضي العظيم ألبرت أينشتين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.