اللهمَّ يا ذا المن ولا يُمَنُّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم حَبِّبْ إلى العرب الحضارة كما حبَّبَ الشيطان إليهم اقتناء السلاح ليقتل بعضهم البعض ويكيد بعضهم للبعض. اللهم ألهم أهلَ لُبنان بفعل ما فيه خير لبنان كما ألهمهم الشيطان بارتكاب ما فيه خير إسرائيل يا ذا المن والإنعام. اللهم أقنِع العرب باستثمار أموالهم في بلاد العرب بدلًا من استثمارها في بلاد الاستعمار يا ذا الهداية والإرشاد.

اللهم لَقِّنْ موظفينا آداب الدين وأشرب قلوبهم كراهية الروتين لخدمة جمهورنا المسكين يا أرحم الراحمين. اللهم أيِّدْ ذوي العزم والصدق في محاربة الإهمال؛ فإنه يلهو بتفجير أنابيب البوتاجاز وإشعال النار في المصانع، وتسميم الأبرياء من الفلاحين، أَيِّدْهُمْ لتحريك الزواجر وإيقاظ الضمائر يا باذر العزيمة في السرائر. اللهم ساند ذوي العزم والصدق في مطاردة الفساد حتى لا يكرر ألاعيبه في هيئة الأوقاف والاتحاد التعاوني الزراعي، وذكِّرهم بطوفانك العتيد يا ذا العقاب الشديد.

اللهم نجِّنا من المستهترين؛ فإنهم ينتفعون بالفساد والمفسدين، ثم يتوارون بعيدًا عن الرقباء فيشكون مع الشاكين، وأنت بكل شيء عليم. اللهم خفف عن عبادك في ساعات الحشر اليومية، في وسائل المواصلات الشعبية، وطوابير الجمعيات الاستهلاكية، يا ذا الألطاف الإلهية. اللهم اجعل انتخاباتنا حرة، ومنابرنا صادقة في التعبير عنا، وديموقراطيتنا نقية وقوية، يا ذا العدالة الربانية. اللهم شدد قبضتك على من يسرقون الجواهر، ومن تُسرق منهم الجواهر، وتلك الجواهر نداولها بين الناس. يا إله الناس أعوذ بك من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس. اللهم إن كنت كتبتني في أم الكتاب مهملًا أو مفسدًا أو مستغلًّا أو منافقًا، فامحقني محقًا وأذرِني مع الرياح يا ذا الأمانة والفلاح.

خاتم الأنبياء

الشاعر والمفكر الإسلامي إقبال له رأي في العقيدة القائلة بأن محمدًا — عليه الصلاة والسلام — خاتم الأنبياء والمرسلين … يقول إقبال:

إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق؛ لاستحالة بقاء الوجود معتمدًا إلى الأبد على مقود يقاد منه، وإن الإنسان، لكي يحصل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو.

ومعنى هذا أن على الإنسان ألا ينتظر وحيًا جديدًا، وألا يعتمد على وسيلة من وسائل المعرفة التي تشابه الوحي في تلقائيتها وشمولها، وأن يحدد لوجدانه وغرائزه وظيفة غير وظائف المعرفة، وأن يجعل من العقل وحده الوسيلة الإنسانية الحقة للمعرفة. ويبقى للدين دوره الخطير في الوجود؛ وهو دور الوصاية على العقل، لا بِكَبْتِهِ أو تحديد مجاله أو التدخل في تطلعاته، ولكن بضمان استغلاله لخير الإنسان والوجود، وصده عن مغريات التدمير والهلاك، ونشره الحب لواءً يستظل به المفكرون، ويتَّقُون به نداءات الأنانية والكبرياء والعبث واليأس. بذلك يتقدس العقل، ويحقق غزواته، في رحاب الكون وحقيقته العليا، ويصبح تكريس الحياة له عقلانية وعبادةً في آنٍ.

ومعنى هذا أيضًا أن أكرم ما يكرم إنسانيتنا ويشرِّفها أن نُعْنَى بالعلم والعلماء، وأن نبوِّئهم المكانة التي اختارها الله لهم في طليعة المراكز القيادية، وأن نوفر لهم ما هم أهله من المطالب والمزايا والوسائل، وألا نَضِنَّ في سبيل ذلك بجهد أو تضحية أو مال. هذا ما يقتضيه العصر وما يأمرنا به الدين.

وذلك طبيعي في دينٍ لم يعتمد على المعجزات وحدها، ولكنه قام على التأمل والنظر والتعقل.

وذلك طبيعي في دين يجعل من طلب العلم فريضة على كل مؤمن به، ويرفع منزلة العلماء، ويفضِّل العالم على العابد.

البحث العلمي

عن موضوع البحث العلمي جاءتني رسالة من الدكتور محمود دوير من معهد ماكس بلانك من ألمانيا الغربية.

وهو باحث مصري لم يجد في بيئته العلمية ما يشجِّعه فهاجر إلى ألمانيا الغربية. وله ملاحظات قيمة سأسردها فيما يأتي، ولن أتخلَّى عن هذا الموضوع ما دمت أعتقد أنه الأساس الحقيقي للنهضة المأمولة. وإليكم ملاحظات الدكتور محمود دوير:

(١) لدى مصر عدد لا يُسْتَهَان به من العلماء الذين في إمكانهم إجراء أبحاث علمية على أحدث نمط، إلا أن مصر في حالتها الراهنة لا تستطيع أن توفِّر لهم المال اللازم للبحث العلمي. وإن على العرب الأغنياء واجبًا في هذا الشأن، سواء دعموا البحث العلمي في مصر، أما أقاموا لهم في بلادهم مراكز للبحوث يعمل فيها الموهوبون من علماء العرب.

(٢) إنه بالرغم من مصاعبنا الاقتصادية في مصر فإنه من الميسور تحقيق تقدم في البحث العلمي إذا اعتمدنا على التركيز. وهو يقصد التركيز على عدد محدود من الموضوعات التي يثبت أنها أكثر تقدمًا من غيرها في مصر. فإذا ثبت أن دراسة ألياف القطن والخشب أكثر تقدمًا من دراسة النيلون والبوليستر فهي الأولى بالعناية. ثم يُجمع أكثر الباحثين خبرة وموهبة في هذه الموضوعات المحددة، ويُمنحون ما يلزمهم لإجراء البحوث. أما الموضوعات فيستمر البحث فيها على مستواه الحالي، أو يشجع في حدود المستطاع.

(٣) ألا يتم التعيين في معاهد البحث العلمي مع وظائف ثابتة، ولكن بعقود، تجدد أو لا تجدد بحسب ما يُثبِته الباحث من صلاحية، ثم ينقل الباحث إلى الوظيفة الثابتة بعد التيقُّن من كفاءته.

هذه هي ملاحظات الدكتور محمود دوير الذي نتمنَّى عودته إلى وطنه مع بقية علمائنا المهاجرين، وأن يُقيم الوطن للعلم معابد لا تَجرِي فيها همسة شكوى، ويعكف فيها العلماء مطمئنين على التفكير الصافي والتجريب الدءوب في رحاب عشق الحقيقة.

محكمة!

يقول الأستاذ عبد الحليم حسين عبد الحليم — بكلية طب المنصورة — في رسالته «فقراء وشرفاء، وأغنياء غير شرفاء»:

من هذا الأساس نبدأ، بالطبع نقصد بالمجموعة الأولى السوفييت وبالمجموعة الثانية الأمريكان، وواضح من هذا ومن كتاباتك بصفة عامة أنه يغلب على تفكيرك اتجاه معين، فأودُّ أن ألفت نظر سيادتكم إلى أن مقرر بهيمية الإنسان هو فرويد … ومقرر بهيمية التاريخ هو كارل ماركس. وأما الكاتب الذي يدعو للعبث فهو جان بول سارتر، وأظنك لا تجهل الخيط الذي يربط بينهم وهو أنهم كلهم يهود.

وعلى رأيك هذا أُبدِي الملاحظات الآتية:

(١) إن كنت فهمت من كتاباتي أنني ماركسي فإما أنني لم أُحسِن التعبير عن آرائي، وإما أنك تعجلت في الحكم، وقد حاولت مرارًا أن أكون ماركسيًّا ولكنني لم أستطع؛ فعدلت عن ذلك نهائيًّا، ولكن في الماركسية مبادئ إنسانية وعدالة اجتماعية تستحقُّ الإعجاب والاحترام، وهي مطروحة على البشرية من خلال تجارب عديدة يمكن الانتفاع بها لمن يشاء.

(٢) أصارحك بأنني معجب بالاتحاد السوفييتي، كما أنني معجب بالولايات المتحدة، وقد حقق كلٌّ منهما تقدمًا مذهلًا لا غنى للإنسانية عن إنجازاته، غير أن هذا الإعجاب لا يُخْفِي عن عيني عيوبهما، وعن المقارنة بين الجوانب السلبية لا أجد مناصًا من تفضيل الاتحاد السوفييتي، فمهما يكن من أخطائه فليس فيه عنصرية، ولم يتورط في إثم ضد أمة بقوة إثم الولايات المتحدة، في فيتنام، ولم يتركب أكبر جريمة في تاريخ البشرية، وهي إلقاء أول قنبلتين ذريتين على بني الإنسان دون ضرورة ملحَّة، ففتح بابًا قد يقضي على البشرية بالفناء.

(٣) مهما يكن رأيك في مدرسة التحليل النفسي، أو في الماركسية، أو في الوجودية، فلا شك في أن فرويد وماركس وسارتر من كبار المفكرين في تاريخ الحضارة الغربية، ومن حقك أن تنقد آراءهم، وأن ترفضها، ولن يتأتى ذلك إلا بمناقشتها المناقشة العلمية الموضوعية. أما تصوير فلسفاتهم في صورة مؤامرة عالمية دبرها اليهود للعبث بالعالم فلن يعني إلا أنك تضخِّم من عظمة اليهود وعبقريتهم فوق ما يستحقون، وتقلل من حكمة بقية البشر، وكأنهم أُلعوبة تلهو بها العبقرية اليهودية!

وفضلًا عن ذلك، فمدى علمي أن سارتر ليس يهوديًّا، كما أنه لا يدعو للعبث، ولكنه يدعو للالتزام بالإنسانية وقضاياها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.