– كلا يا صديقي كلا، إني لا أساير أهواءك، فبيرلوتي كاتب ماهر يصور لك ما تراه عينه وما تشعر به نفسه أمام تلك الصور العجيبة التي رآها في الشرق.

فأجابها المسيو جارديه وهو يبتسم: أجل يا مدموازيل جان، ولكنه يسير على وتيرة واحدة في كل ما يكتب، وفي ذلك ما يدعو للملل والسأم.

فأمسكت المدموازيل جان بخصلة من شعرها الأسود كانت قد انحدرت على جبينها الجميل، وأعادتها إلى مكانها، ثم قالت: يسير على وتيرة واحدة! وما ضره لو فعل ذلك؟! أتنسى سهولة ألفاظه ورِقَّة أسلوبه وسمو خياله؟ أترى بين كتابنا من يدانيه في ذلك؟

فقال لها المسيو جارديه بعد أن شرب كوبًا من الماء: نحن لا نتفق يا مادموازيل، بيرلوتي كاتب شهير طبقت شهرته الخافقين، وتحدث الناس باسمه في أوروبا وأمريكا، ولكني أُفضِّل عليه الكثير من كتَّابنا …

فقاطعته المدموازيل جان، وهي تمضغ قطعة من اللحم، قائلة: أنت من أنصار بول بورجيه؟

– أجل يا مدموازيل، أنا من أنصاره، ويا حبذا لو اقتدى بي جميع الإفرنسيين.

– لو فعلوا ذلك قُلْ على الحرية السلام.

– بل لو فعلوا ذلك لما تفشَّتْ بينهم تلك الأمراض الاجتماعية التي تسترها عن عيونهم كلمة حرية.

– عبثًا أحاول إقناعك يا صديقي، فنحن على طرفي نقيض.

والتفتت المدموازيل جان إلى فتاة روسية كانت تدرس معها الآداب في السربون، وقالت: وما رأي المدموازيل لينا؟

فأجابتها قائلة: رأيي؟! أخشى أن يدهشكم رأيي، إني أحب الكاتبين من صميم قلبي.

فصرخ المسيو كازنوف من طرف المائدة: تحبين الاثنين؟! أتجمعين بين الماء والنار؟!

فقالت له الفتاة الروسية: علامَ هذا التعجب يا سيدي؟! أحب بيير لشاعريته وإن كان لم ينظم الشعر بعد، وأحب بورجيه لدقته في تحليل خفايا النفوس؛ الأول شاعر يفيض خياله في نثره، والثاني بحاثة لا يخطئ في بحثه. بيد أني أرى كتب الأول خالية من كل رأي اجتماعي أو فلسفي، وأرى نظريات الثاني لا تتفق مع روح التقدم.

فقال المسيو جارديه: هذا عجيب!

فأجابته المدموازيل لينا وقد آلمتها جملته: والأعجب منه يا سيدي انتصارك لنظريات بورجيه!

فأحنى المسيو جارديه رأسه، وقال: عفوًا يا مدموازيل عفوًا.

وكنا قد فرغنا من تناول الغذاء فقمنا إلى الصالون، وأشعلنا سجائرنا، وجلسنا نتحادث، وما أجمل المحادثة بين قوم غرباء لا تجمعهم صلة الوطن ولا القومية!

الغريب في مصر يحن للغريب، والإفرنسي يحن للغريب، والنزل الذي آوانا جميعًا جمع بين الروسي والإنكليزي والإفرنسي والبولوني والصيني.

وكانت المناقشات تتجدد فيه كل يوم حول المائدة وبعد الفراغ من الطعام، ثم يذهب كل إلى غرفته، أو يغادر النزل لعمل يعمله.

وكنت أجد في هذه المناقشات عالمًا جديدًا لم ترَه عيني في مصر.

قلت إننا دخلنا الصالون وأخذنا مقاعدنا، ثم ابتدأت المناقشة من جديد بين المدموازيل لينا، والمدموازيل جان، والمسيو جارديه، والمسيو كازنوف، والمسيو يوان الصيني عن سياسة الأوروبيين في الشرق الأقصى.

أما البولوني فقد ظل ساكتًا ينظر إلى سماء الغرفة كأنه يبحث عن أمل له، ثم تغيَّر الحديث من السياسة إلى الفلسفة، فتناقشوا في فلسفة شوبنهور، ورأيت جماعة الرجال تحبذ الفيلسوف وتشد أزره، وطائفة النساء تنحي عليه باللائمة.

رأيتهن يدافعن عن آرائهن وحريتهن كما تدافع النمرة عن صغارها، لم أجد في حركاتهن وسكناتهن ذلك الدلال النسائي ولا تلك الرقة وذلك اللطف.

رأيتهن قد ساوين الرجال عزمًا وقوة وبرهانًا، ثم علت كفتهن في ميزان البحث والمناقشة، وما أجمل انتصارهن بعد أن جاهدن جهاد المستميت! فنظرت إلى صديقي البولوني، وقلت له: لقد انتصر حزب النساء.

فالتفت إلي وقال: آه لو كانت شقيقتي هنا تسمع هذه المناقشة!

فقلت: وما آراؤها؟

– تدافع عن حرية المرأة وتسعى جهدها في بث الآراء الديمقراطية في بنات جنسها، ستراها بعد ثلاثة أيام لتحكم عليها بنفسك.

فقلت له وقد زاد إعجابي بنساء أوروبا: سأتشرف بمعرفة شقيقتك يا صديقي.

وتفرقت جماعة النزلاء، فدخلت إلى غرفتي، وجلست أمام مكتبي، وأطلقت لنفسي العنان في التفكير. قارنت بين نسائنا ونسائهم، أستغفر الله! بل بين رجالنا ونسائهم، فرأيت الفرق كبيرًا والبون شاسعًا.

نساء أوروبا يناقشن الرجال في الأدب والسياسة والفلسفة، ورجال مصر يتناقشون في أنواع الأوتومبيلات وجمال الملابس، وإذا ألقت بهم الصدفة أمام موضع جدي مزجوه بالنكات المصرية المستملحة التي تطير الموضوع في جوف الفضاء، أما نساؤنا! …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.