ذهبَ كاتبٌ فرنسيٌّ معروف إلى مدينة مُترفة من هذه المدن التي يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف؛ يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرُّها الترف على المترفين، أو يتكلفون الاستشفاء؛ فقد ينبغي للمترف المرفَّه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير في نفسه كثيرًا من الهمِّ، وتظهره مظهر الذين يؤرِّق المرض ليلهم، وينغص نهارهم، ويزهدهم في الاستمتاع بطيبات الحياة، إشفاقًا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلَّفة. ولا ينبغي للمترف أن يكون ظاهر الصحة، موفور العافية، يضطرب في شئون الحياة جادًّا كادًّا، وعاملًا كادحًا كما يضطرب غير المترفين من النَّاس، ولا ينبغي له كذلك أن يظهر فَرِحًا مرحًا ناعمًا بما أُتيح له من العافية في بدنه ونفسه؛ فيحسده الحاسدون ويطمع في مثل حياته الطامعون، وإنَّما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة، ولقلبه أن يكون مهمومًا، وجسمه أن يكون معتلًّا؛ ليراه النَّاس فيرحموه، ويشفقوا عليه، ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذي يشغل النفوس، ويملأ القلوب حزنًا، ويُعرِّض الأجسام لألوان من السقام.

ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسي أثناء هذا الصيف، ولست أدري أَذَهب مستشفيًا لأنَّ له حظًّا من ترف، أم ذهب مستروحًا يريد أن يتخفف من القيظ، أم ذهب مضطربًا في شئون حياته يلتمس موضوعًا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه؟ فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الإنتاج حيث استطاع إليه سبيلًا، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة: وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق، ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنَّها لا تخلو من كرامة، ووصف بيئات العمال الكادحين، وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج في هذه البيئة الفنية المترفة، التي يُمرِضها الترف أو يضطرها إلى تكلُّف المرض، والتي تذهب إلى المصايف فتستشفي، أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار، وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يُغني عن أصحابه، ولا عن النَّاس شيئًا سائر النهار، ثم تُقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر، لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض. ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك، ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف، حتى ضاق بما رأى وأنكره أشدَّ الإنكار، وصوَّر ضيقه وإنكاره في هذه الكلمة التي ذاعت عنه في إحدى المجلات فأسخطت فريقًا من النَّاس، ولكنَّها أضحكت أكثرهم، قال لبعض رفاقه: يكفي أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أنَّ الله — عزَّ وجل — يزدري الثراء والترف إلى أبعد حدٍّ ممكن من الازدراء، ولولا ذلك لما وضع الثراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة! ولست أدري أكان وجوه المترفين في تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صوَّرها هذا الكاتب، ولكن كلمته هذه أثارت في نفسي كثيرًا من الخواطر حين قرأتها، وضحكت منها كما ضحك منها غيري من النَّاس، وليس يضنيني أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم في الترف ناضرة أو عابسة، حسنة أو قبيحة؛ وإنَّما الذي يعنيني وما أشك في أنَّه يعني هذا الكاتب الفرنسي أيضًا، هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين، فقد أحبُّ أن أعرف أراضٍ هذا الضمير أم ساخط، أمطمئن هو أم قلق، أباسم هو أم عابس، أمتعب هو أم مستريح، ولست أدري كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق في النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله، والنَّاس من حوله قد غرقوا في البؤس حتى كاد البؤس يُسلمهم إلى الهلاك!

ولست أدري كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقًا من ثرائه يعرف أنَّه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب، والنَّاس من حوله قد ضُيِّق عليهم في الرزق، حتى إنَّ كثيرًا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما يُنفقون فيما يُقِيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون.

ولست أدري كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق في ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلَّةَ أُسرٍ كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يُصبِّرون به أنفسهم على الحياة.

ولست أدري آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يُصبح ويُمسي لا يحس حاجةً إلى جهد أو كدٍّ أو عناء، والنَّاس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أيامًا في العام من الجد والكد والعناء، ولا كيف يُخلِّصون لأنفسهم وأحبائهم أيامًا لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب، ولا تحس قلوبهم فيها الرَّاحة من هذه الهموم الثقال التي تُلح عليهم حين يُصبحون وحين يُمسون.

نعم لست أدري كيف يستمتع ضمير الرجل الحر بالرضى والطمأنينة، والابتسام والراحة، وهو يرى النَّاس من حوله قد حُرموا هذه الخصال، وغرقوا في شقاء لا يعرفون له قرارًا، فهذه الوجوه التي رآها كاتبنا هذا الفرنسي قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قُبحها وبشاعتها مما في نفوس أصحابها من البشاعة والقبح. ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون، فإنَّ من الحقِّ على الرَّجل الحرِّ أن يجد هذا الشعور الاجتماعي بالتضامن بينه وبين نظرائه في هذه الحياة، أنَّه يفزع إليهم ليحموه من الخطر إن تعرَّض هو أو ثراؤه للخطر، فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يُغِير عليها العدو، وإنَّما تُجند من المواطنين جميعًا كلَّ من استطاع أن يحمي الحوزة، ويذبَّ عن الوطن، وما أكثر ما يحتال الأغنياء في إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذي يرونه ثقيلًا، ويراه الفقراء والبائسون وأوساط النَّاس فرضًا محتومًا. والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشُّرَط الذين يقرِّون النظام ويحفظون الأمن في أوقات للسلم، وإنَّما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض، وترفهم المسرف؛ لأنَّهم لا يجدون ثراء عريضًا ولا ضيقًا، ولا يطمعون في ترف مسرف أو مقتصد. والنَّاس يُدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه؛ يعملون له في أرضه ليترف هو، وليقنعوا هم بأضيق العيش، كما يعملون له في مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة، وفي تجارته إن كان من أصحاب التجارة، وفي تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة، لا يستطيع مِن غيرهم أن يُثري وأن يترف، ولا يستطيع مِن غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم، ثم هم يُدبِّرون له هذه الألوان من التَّرف التي يتلقاها منهم غير آبهٍ لها ولا حافل بها، وما أعرف أني ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة في قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسي بأمر هؤلاء الذين يُسيِّرون القطار والسفينة في البَّرِّ والبحر، وما أذكر أني آويت إلى فندق في سفر، أو آويت إلى داري في الإقامة، ونعمتُ بما ينعم به الظاعن والمقيم، دون أن أشغل نفسي بشيء من أمر هؤلاء الذين يتيحون لي بعض ما أجد من راحة وروح، إنَّهم يَشْقَون ليتيحوا لي السعادة، ويتعبون ليهيئوا لي الراحة، ويبتسمون ليعدُّوا لي شيئًا من نعيم.

وما أكثر ما نقرأ في الكتب، وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة، وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم إنَّ النَّاس جميعًا محتاجون إلى النَّاس جميعًا، ولكنَّه كلام نقرءه، ونسمعه، ثم لا يستقر في نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح، وما أقل الذين يقرُّون في قلوبهم هذا الشعور بحاجة النَّاس إلى النَّاس، ويقرُّون في عقولهم أنَّ التَّضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة، ويتأثرون في سيرتهم مع النَّاس بما يجدون في قلوبهم من شعور، وما يدبرون في عقولهم من تفكير. يُمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنًا، أو قبيحًا باسمًا، أو عابسًا مشرقًا، أو مظلمًا، ولكنَّ الذي ليس فيه شكٌّ هو أنَّ ضميره لن يكون راضيًا ولا سمحًا ولا نقيًّا ولا مستريحًا إلا إذا أدى للنَّاس حقهم من هذا التَّضامن الاجتماعي، فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى، ويسَّر النَّعيم لهم قبل أن ينعم، وأعطاهم حظهم من السَّعة والراحة قبل أن يترف ويستريح.

فكرت في هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسي، بل فكرت في أكثر من هذا كله، وفكرت في ثورتنا المصرية التي جمجم بها الشعب، وصرَّح بها كُتَّاب الشعب منذ أعوام طوال، والتي أعربت عن نفسها، وجعلت تسعى إلى غايتها في حزم وعزم لا تردد فيهما، وفي جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء، ثم جعلتُ أسأل نفسي: أيُتاح لي ولأمثالي من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعي الصحيح، وأنكروا على المترفين إسرافهم في الترف، وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض، وعلى الدولة أن تخلِّي بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة، وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعي، صفوًا من كل دنس، خالصًا من كل شائبة، مُبرَّأً من كلِّ غشٍّ أو دهان؟ أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد أنصفت الدولةُ كلَّ محروم من كل مستأثر، وكل عاجز من كل قادر، وكل بائس من كل منعَّم، فصفت ضمائر الأغنياء لأنَّهم أعطوا ما فرض الله من الحقِّ فيما أعطاهم من الغنى، وأمِنوا على ثروتهم لأنَّهم أدوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق، فرضيت نفوسهم، وأَمِنت قلوبهم، واطمأنوا على ما في أيديهم، لا يخافون عليه كيدًا أو عدوانًا؟

أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم، وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة؛ لأنَّهم جميعًا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون، لا يستغل بعضهم بعضًا، ولا يستذل بعضهم بعضًا، ولا يكيد بعضهم لبعض، ولا يمكر بعضهم ببعض، وإنَّما يعيشون كما أراد الله للنَّاس أن يعيشوا إخوانًا متصافين يدبر الحب حياتهم، ويظلها العدل، والأمن، والاستقرار؟

مُنى إن تكن حقًّا تكن أحسن المُنى

وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.