ماذا صنع اللَّه بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتماد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابًا عظيمًا من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قومًا من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة، فزِيد في أرزاقهم درجات فوق درجاتهم.

وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضًا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم، وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتًا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة اللَّه ورحمة الوزارة؛ لطول ما صبروا على البؤس، واحتملوا ثقل الحرمان.

وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد — أو رصدت بالفعل — عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق، ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف تُوزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يُرقَّون ويُزادُون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري.

ثم انقطع الحديث وشُغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاوتهم وترقياتهم، فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد؛ إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها في إثر بعض فيمحو بعضها بعضًا، أو يُنسي بعضها بعضًا، وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة، وتمس إليها الضرورة الملحة، وإما للأمرين جميعًا.

ومع ذلك فما يزال البؤس مُلِحًّا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم، ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق شمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسَّهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيًّا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقب اليأس.

فالحكومة من غير شك حريصة، ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظروا صدق القول وتحقيق الوعد، فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز.

ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتًا يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيئ إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أوْلَتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا، وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.

وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طُلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفرقوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء.

هؤلاء الموظفون قد ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيءٍ من العطف، وأن ترفع مرتباتهم قليلًا. ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئًا من الضر قد يُرفع عنهم، وأن شيئًا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون، وأهلهم ينتظرون معهم.

فليس من الخير أن يظفروا باليأس، ويغنموا خيبة الأمل، وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء، أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء، وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها، وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.

ولقد نحاول أن نتبيَّن سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلًا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.

إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحًا، وأكثر جلاءً، وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيِّئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره، واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والريث، ولكن في الأمر عسرًا فيما يظهر، فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟

هذه مشكلةٌ حقًّا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدارٍ أوسع وأضخم من هذه العشرة آلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة، أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا نزاعًا، أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت — أو يراد أن ترصد — لمؤتمر الطيران؛ فقد نكون في حاجةٍ إلى أشياءَ كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا.

ومن الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا نزاعًا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم، ويقبلوا على أعمالهم محبين لها مخلصين في النهوض بها، خيرٌ ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة، وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.

ومهما يكن من شيءٍ، فإنَّا نريد أن نذكر الحكومة أمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر له قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء للصبر قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدَّيْن وغيرها من المسائل السياسية العامة؛ فقد يكون من اليسير — كما قلنا أمس — أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض.

ولكن الشيء العسير حقًّا، الشاق حقًّا، هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان، وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، وآن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترفيه على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديمًا قال الناس: إن خير البرِّ عاجلُه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.