يحكي لنا حسين أحمد أمين في كتابه «ألف حكاية وحكاية» قصةً طريفةً من التاريخ الإسلامي، وهي مع ذلك ذات دلالة هامة وتصلح لتفسير الكثير مما نراه على مسرح الحياة. والقصة تدور حول علاقة السلطة — الخليفة — مع المثقفين، ولكنها تساعد على فهم الكثير من مظاهر الحياة المعاصرة. ففي خلال الدولة العباسية — كما في معظم العصور — كان هناك نفور وريبة بين رجال السلطة ورجال العلم والثقافة.

فقد كان الإحساس العام هو أن السلطة مفسدة، وأنها وإن كانت تحكم باسم الإسلام والعدالة، فإن جوهرها كان المصلحة الخاصة، وأن الالتجاء إلى رجال العلم لم يكن بحثًا عن النصيحة والرأي بقدر ما هو بحث عن التبرير وإعطاء الشرعية؛ فدور العلماء في الحكم ليس المشاركة بل المباركة، فهم نوع من المحلِّل الشرعي لآراء وقرارات اتُّخِذَت سلفًا لمصالح لا شأن لهم بها. ولكل هذا فقد كان الغالب على معظم العلماء هو الابتعاد — قدر الإمكان — عن مراكز السلطة تبرئةً لضمائرهم من استغلال الحكم لهم؛ ولذلك قلَّما سمعنا أن عالمًا من علماء الإسلام — في فترة ازدهاره — قد تبوَّأ مناصب الحكم أو القضاء، بل عرفنا أن العدد القليل الذي قَبِل مثل هذه المناصب قد مرَّ بمحنة كما هو معروف في صدد ابن خلدون أو ابن رشد.

وبشكل عام فقد ابتعد العلماء عن المناصب، فلم يتبوَّأْ مناصب القضاء أحد من أئمة الإسلام من أمثال مالك أو أبي حنيفة أو الشافعي أو ابن حنبل، بل إن الأخير قد عَرَفَ تعذيبًا — ليس بسبب مشاركته في الحكم — ولكن بسبب آرائه، ولم ينقذه من الموت سوى وفاة المأمون. وربما لم يخرج عن هذه القاعدة من عزوف العلماء عن تولي المناصب سوى أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة الذي تولَّى منصب القضاء في عهد هارون الرشيد، وكان قد فهم أصول اللعبة؛ فأصدر العديد من فتاويه التي راقت لمزاج الخليفة. وقد عبَّر عن ذلك الشك بين العالم والسلطان ما جاء في كليلة ودمنة بأن «ثلاثة مهلكات: القرب من السلطان، وإفشاء السر للنساء، وتذوق السم على سبيل التجربة». فوفقًا لهذه الحكمة التقرب من السلطان — من جانب العلماء والمثقفين — هو أقرب إلى تذوُّق السم على سبيل التجربة!

فماذا يقص لنا حسين أمين في حكايته عن هذا الموضوع؟ إنه يُشير إلى واقعة طريفة لغواية أحد العلماء في عصر المهدي، وهو شريك النخعي، وهو من كبار الفقهاء المحدِّثين في أوائل الدولة العباسية، والذي كان يريد — على سنة أسلافه من العلماء — البعد عن السلطان تعففًا وزهدًا، ولكن الحاكم (الخليفة المهدي) كان أشد مكرًا ودهاءً، فقضى على مقاومته ليس بالقهر أو الترهيب وإنما بالإغراء والترغيب. فيقول لنا حسين أمين:

دخل شريك النخعي على الخليفة المهدي يومًا، فقال المهدي له: لا بد أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال. فقال شريك: وما هي يا أمير المؤمنين؟

قال (المهدي): إما أن تلي القضاء، أو تحدث ولدي وتعلمهم، أو تأكل عندي أكلة.

ففكر (شريك) ساعة وقال: الأكل أخفها على نفسي.

فأجلسه المهدي، وتقدَّم إلى الطباخ أن يصلح له ألوانًا من المخ المعقود بالسكر والعسل وغير ذلك.

فلما فرغ شريك من الأكل، قال الطباخ: والله يا أمير المؤمنين، ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبدًا.

وكان أن قبل شريك بعد ذلك أن يحدثهم وأن يعلم أولادهم، وأن يلي القضاء.

(من كتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان)

وتتكرر هذه القصة يوميًّا في حياتنا المعاصرة؛ فكم قابلنا أمثلة لعديد من الشخصيات التي «لم يفلح فيها الشيخ بعد الأكلة أبدًا» وكان قبل ذلك عصيًّا. فكم من صاحب رأي أو عقيدة لم تزحزحه عن آرائه وعقائده السجون أو التعذيب أو التشريد، فإذا به يلين ويتفهَّم بعد أن يجرب «أكلة» عند الخليفة أو السلطان. فيصبح صوتًا للاعتدال والعقل، وينضمُّ إلى طابور المسايرين.

يقال — والله أعلم — إن المعز لدين الله الفاطمي عندما دخل مصر جمع حوله العلماء وأعيان الدولة قائلًا: «هذا ذهب المعز، وهذا سيفه، فمن لم يرد هذا فذاك.» ويقال أيضًا: إن المعز لم يكن يحتاج إلى سيفه؛ فقد كان حديث ذهبه أبلغ صوتًا وأبعد أثرًا. والحاكم يملك عادة الوعد والوعيد، الترغيب والترهيب، السيف والذهب. ولكن يبدو من التجربة مع النخبة من المثقَّفين أن الذهب كان دائمًا أمضى حدًّا وأكثر فاعلية. وقد أدرك الاستعمار مبكِّرًا هذه الحقيقة، فلم تلجأ الدول الاستعمارية إلى المبالغة في استعمال أساليب القهر لمستعمراتها، وإنما التقطت عددًا من النخب المحلية من سكان البلد الأصليين، من مشايخ ومهراجات أو رؤساء قبائل وعشائر، وغمرتهم بالمزايا والعطايا — أشكال جديدة من أكلات السلطان أو الخليفة — وكان هؤلاء بذلك أدواتها في إحكام السيطرة على بقاع شاسعة في الهند أو أفريقيا أو آسيا. فلم تحتَجْ هذه الدول الاستعمارية إلى جيوش جرَّارة لإحكام سيطرتها على هذه الممتلكات الشاسعة، وإنما فقط إلى كلاب حراسة تجيد تغذيتهم بنوع من أكلات السلطان أو الخليفة، ليس يفلح أحد بعدها أبدًا، كما قال طباخ الخليفة المهدي.

ويستخدم السلطان عادة — وخاصة في الدول غير الديمقراطية — حزمة من إجراءات الترهيب والترغيب؛ فالسلطة لا تقوم ما لم يكن لها أنياب تستطيع بها أن تحمي وجودها ونظامها. وجوهر السلطة في الدولة الحديثة هو حقها في احتكار الاستخدام المشروع للقوة أو القهر. فالدولة في نهاية الأمر هي مجموعة من القواعد وقواعد السلوك التي تنطبق على الجميع، بالقوة عند الضرورة. فقوانين الدولة وأوامرها يحميها القضاء وأجهزة الأمن بل والجيش عند الاقتضاء. ولكن الدولة أو السلطة لا تقوم فقط على أساس القوة والقهر؛ فأساس الدولة الحقيقي والدائم هو الشرعية، والمقصود بذلك هو القبول الاختياري من الأفراد لهذه السلطة. وتعمل السلطة على تدعيم هذه الشرعية بمختلف الأساليب، من الإقناع والترغيب وتوفير الخدمات العامة. ويعتبر الترغيب — وخاصة للنخب — أحد أهم وسائل تدعيم هذه السلطة. وكثيرًا ما تتَّجه أساليب الترغيب إلى هذه النخب باستقطابها أو استقطاب عناصر منها ومنحها المزايا أو حتى مجرد الأمل في الحصول عليها. ومن هنا يأتي ذهب المعز في استرضاء هذه العناصر بل وشرائها أو رشوتها بأشكال مقنعة من أمثال «أكلات السلطان». وكثيرًا ما تكون هذه السياسة في استمالة العناصر الناشزة أكثر فاعلية وتأثيرًا من استخدام القهر والعنف. والترغيب والمزايا لا تكون فقط للأنصار، بل هي أيضًا للمعارضين والمتملِّلين. وعلى العكس فإن القهر والعنف كثيرًا ما يولِّد التصلُّب في المواقف والتشدد بصددها، وبذلك يأتي بعكس المقصود. ولعل تجربة العديد من الدول في منطقتنا في الخمسينيات والستينيات قد أظهرت أن إجراءات التعذيب والاضطهاد لجماعة الإخوان المسلمين لم تزدهم إلا صلابة وتشددًا، بل وقد ولَّدت أجيالًا جديدة أكثر تطرفًا وأشد عنادًا. فالجماعات الإسلامية المتشددة إنما ولدت — فيما يرى العديد من الخبراء في هذا الموضوع — في معسكرات التعذيب وزنزانات السجون. فالمبالغة في إجراءات القهر كثيرًا ما تؤدِّي إلى نتائج عكسية، وخاصة إذا تعلَّق الأمر بالآراء والمعتقدات. أما إجراءات الترغيب — أو قل أشكال الرشوة المقنَّعة — من أنواع «أكلات السلطان» لبعض عناصر هذه الفئات كثيرًا ما تكون أكثر نجاحًا في تليين مواقفها وتفتيت قواتها. وربما تكون تجربة الراحل الملك حسين نموذجًا في هذا الصدد؛ فقد تعرض هذا الملك لعدد من المؤامرات يفوق ما تعرَّض له أي حاكم عربي آخر، ولكنه نجح في استقطاب أعدائه، فلم يحكم على واحد منهم بالإعدام، ومن سجن منهم لم يلبث أن أعفى عنه، بل وذهب بنفسه لإخراجه من السجن وربما لتوصيله إلى المطار. وبعضهم عُيِّن في مناصب حكومية هامة، وكسب بذلك ولاءهم بعد عداوة. ولم يكن ذلك غريبًا على ملك نشأ في بيئة عربية أصيلة فتشرَّب فيها بأصول الحكم وصولًا عن أجداده من سلالة المهدي، وعرف أنه بعد أكلة السلطان «فليس يفلح الشيخ بعدها أبدًا».

وسياسة الترغيب «بأكلة السلطان» لا تقتصر فقط على المعارضين القائمين، بل إن فاعليتها تظهر بشكل أكبر بالنسبة إلى المعارضين «المحتملين». فقوة المعارضة المحتملة أو الممكنة Potential كثيرًا ما تكون أكثر خطورة من قوة المعارضة القائمة. فهذه الأخيرة تتميَّز على الأقل بأنها معروفة المعالم والحدود؛ وبالتالي يمكن التعامل معها، أما المعارضة المحتملة فإن خطورتها تأتي من أنها ليست واضحة المعالم؛ وبالتالي فإنها تمثِّل مكامن للخطر غير المتوقع. ويتطلب علاجها قدرًا كبيرًا من الحصافة وبُعد النظر.

وتعتبر سياسات الإغراء والغواية من أكثر الأساليب فاعلية؛ فالأحزاب والنقابات مثلًا مراكز للمعارضة المحتملة، كما أن هناك مراكز للقوى والتأثير المعنوي مثل الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات العامة والمنشآت الاقتصادية. وسياسة الإغراء تتطلب أن تتحول هذه الجماعات والمؤسسات إلى مصادر للمنافع والمزايا للقائمين عليها. فالحزب ليس مجرد تجميع لأصحاب الفكر السياسي المتقارب لتحقيق برامجهم السياسية، ولكن رئاسة الحزب تعني أيضًا صحيفة للحزب وأموالًا للتصرف فيها ومكانًا محفوظًا في البروتوكول. وبالمثل فالنقابة ليست فقط تجمعًا للدفاع عن أصحاب المهن والارتقاء بمستواها، ولكنها في نفس الوقت استثمارات هائلة ومشروعات للإسكان ورحلات للسياحة والحج؛ وبالتالي اختلط الأمر ولم يعد من الواضح هل يكون السعي لرئاسة الحزب أو النقابة هو سعيًا لتحقيق برنامج سياسي أو مهني أو بحثًا عن الجاه والمكاسب المصاحبة لهذا المنصب. وقل شيئًا قريبًا من ذلك بالنسبة للمجالس النيابية، فهي ليست فقط منبرًا لمساءلة الحكام، ولكنها وسيلة أيضًا للتقرب من السلطان والاستمتاع «بأكلاته»، وفي غير قليل من الأحوال تصبح فرصة لتحقيق المكاسب المالية.

وفي هذه الأوضاع تصبح سياسة الغواية والإغراء أكثر الوسائل كفاءة وفاعلية في تليين المواقف وكسب الولاء وتجنب المعارضة. فالقادم جديد سعيد بالمزايا والمنافع التي لم يحلم بها، وولاؤه الكامل لأصحاب الفضل عليه، وتوليه مسئوليته لن يلبث أن يثير جوًّا من الغيرة والمنافسة من زملائه الذين يتطلَّعون لوراثته، وينشغل الجميع بخلافاتهم الصغيرة، ويظل السلطان حكمًا بينهم، يدعو بعضهم من حين لآخر «لأكلة سلطانية»، ويُعشِّم الآخرين بأن دورهم قادم. وهكذا تحقق سياسة الغواية والإغراء ما تفشل فيه سياسات القهر والترهيب. سياسات القهر والترهيب تشحذ الهمم، وتقوي العزم، وتزيد التصميم، أما سياسات الترغيب والغواية والإغراء فإنها تصرف النظر وتوجه الجهود والنفوس للمنافسة على المزايا والمنافع.

ولعله من المثير أن نشير إلى أن سياسة الترهيب والترغيب لا تعمل فقط في الإطار الداخلي، بل كثيرًا ما نرى تطبيقات لها على المستوى الدولي. فانظر إلى ما يحدث على أرض فلسطين من صراع بين حكومة إسرائيل والمقاومة الفلسطينية. فما نراه الآن مع الانتفاضة الفلسطينية يرجع إلى حد بعيد إلى ما تعمَّدته إسرائيل — أخيرًا — من الالتجاء إلى سياسة القمع والترهيب. فمع سياسة شارون الجديدة، وجدنا المقاومة الفلسطينية تزداد تصميمًا وعنادًا وتضامنًا؛ لأن الشعب الفلسطيني في ظل القمع والاضطهاد لا سبيل أمامه إلا مزيد من المقاومة والعناد. وقارن هذه السياسة لشارون بسياسة بيريز حينما لوَّح بالجزرة أو «أكلة السلطان»؛ فكانت أوسلو، وظهرت المزايا والمنافع؛ الطائرات الخاصة، حرس الشرف، الأموال الكثيرة، وفي نفس الوقت انقسمت المقاومة الفلسطينية بين مؤيِّد ومعارض لأوسلو، وتفرَّق الشمل، وسمعنا عن خلافات بين عناصر هذه المقاومة وصلت أحيانًا إلى حد التخوين. وما إن جاء شارون بالعصا ونسي أطروحات بيريز عن الجزرة حتى أصبح الاستشهاد الفلسطيني ممارسة يومية عادية.

من السهل جدًّا مقاومة إجراءات الترهيب، كما أنه من الصعب جدًّا مقاومة إغراءات الترغيب. من السهل أن تكون شهيدًا أمام التعذيب والتشريد، ولكنه من الصعب أن تكون عفيفًا أمام مغريات المال والسلطة. وعندما خلق الله إبليس وسلَّطه على العباد، فإنه لم يمكنه من قوة سوى قوة الغواية والإغراء. وهي أسلحة فتاكة تتضاءل إلى جانبها كل قوى القهر والترهيب. وقد عرف طباخ الخليفة المهدي سر قوة إبليس، فكانت أكلة الخليفة التي لا يفلح الشيخ — أي شيخ — بعدها أبدًا. والله أعلم.

***

وفي سياق طرائف القصص العربية عن نوادر العلاقات بين الحكام والمحكومين، فلعل أحدث هذه الطرائف ما ورد في حوار أخير أجراه العقيد معمر القذافي مع تليفزيون الجزيرة وقامت ببثه مساء يوم الاثنين الموافق ٢٥ مارس ٢٠٠٢. وفي هذا الحديث اشتكى العقيد من حالة التدهور العربي بصفة عامة، وعبَّر عن رأيه في الشعوب العربية قائلًا بأنها «قطعان» — من قطيع — وأنه في ليبيا يُحاول تحويلهم إلى «أوادم» — من بني آدم. والمعروف أن العقيد القذافي هو عميد حكام العرب، حيث يتولى السلطة منذ ٣٣ سنة؛ وبالتالي، فإن ما يقوله يفترض أنه حصيلة تجربة وخبرة! ولا تعليق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.