للعالم اللغوي الفاضل الأستاذ محمد جاد الرب، المفتش بوزارة التربية والتعليم، تعليق على «سفحتها أشواقي» أيضًا … يقول فيه وهو يدعو للأستاذ كامل الشناوي بتمام الشفاء: إن النحاة والعروضيين «اختلفوا في تحديد مدى الضرورة الجائزة: أهي المخالفة للفصيح حيث وقعت في الشعر ولو كان عنها مندوحة؟ أم هي التي تقع في الشعر ولا مندوحة عنها؟ وهذا الأخير هو الرأي في نظرنا؛ فإن أخذنا بالرأي الأول حملنا عليه بيت الأستاذ الشناوي. أما الآخرون فيتوقفون ولا يجيزون حيث تكون هناك مندوحة عن هذه الضرورة؛ فإنه يمكن أن يكون هذا البيت مثلًا:

ماذا أقول لأدمع

مسفوحة شوقًا إليك؟

وقد سلم الوزن والمعنى بلا كلفة — إذا سمح الأستاذ الشناوي — فإن اقتضاب مد ضمير الغائبة المتصل كما جاء في القصيدة غير مألوف في فصيح الكلام، ولا سائغ في الذوق، وخصوصًا مثل هذا المجال العاطفي الحساس. وقد يحتمل ذلك في ضمير الغائب المتصل كما في بيت أبي الطيب المتنبي في بعض رواياته:

تعثرت به في الأفواه ألسنها

والبرد في الطرق والأقلام في الكتب

إذ قاعدة هذا الضمير أن يمد إذا تحرك ما قبله، فإذا كان ما قبله ساكنًا فلا يمد في مثل منه وعنه، ولكن مخالفة قاعدته أيسر جدًّا من مخالفة ضمير الغائبة.

«على أننا نعتمد رواية «بك» لا «به» في بيت المتنبي أو نرجحها، وإن أباها كثيرون من الرواة الذين لعلهم من حُسَّاد المتنبي … وما رأي الأستاذ العقاد في أمر هذين البيتين بعد ذلك؟»

أرى أن تعديل الأستاذ محمد جاد الرب فيه شفاء مقبول للعلة اليسيرة في كلمة «سفحتها» من بيت الأستاذ الشناوي — أتم الله عليه وعلى بيته البرء من كل علة.

ولكني أخالف الأستاذ جاد الرب في ترجيح رواية «بك» في بيت المتنبي؛ لأنها تضطرنا إلى محظور أكبر من محظور اقتضاب الضمير عند تحويل الخطاب من الغائب إلى المخاطب في بيتين متواليين.

ومن المصادفات أن مسألة الضرورة الشعرية كانت من مباحث سلف كبير للأستاذ جاد الرب؛ هو الشيخ حمزة فتح الله — رحمه الله — إذ يقول في الجزء الأول من كتابه المواهب الفتحية، (صفحة ٦٠):

وقد اختلفوا في الضرورة؛ فقال الجمهور: هي ما يقع في الشعر مما لم يقع مثله في الكلام؛ أي النثر، سواء اضطر إليه الشاعر أم لا … وقال ابن مالك: هي ما اضطر إليه الشاعر ولم يجد عنه مندوحة؛ أي مخلصًا، واعترضه أبو حيان في شرحه على التسهيل فقال: لم يفهم ابن مالك قول النحويين في ضرورة الشعر فقال في غير موضع: ليس هذا البيت بضرورة؛ لأن قائله متمكن من أن يقول كذا … ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم الإلجاء إلى الشيء، فقال: إنهم لا يلجئون إلى ذلك إذ يمكن أن يقولوا كذا … فعلى زعمه لا توجد ضرورة أصلًا؛ لأنه ما من ضرورة إلا ويمكن إزالتها بنظم تركيب آخر غير ذلك التركيب، وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، فلا تقع في كلامهم النثر، ولا يستعملون ذلك إلا في الشعر خاصة دون الكلام، ولا يعني النحويون بالضرورة أنه لا مندوحة عن النطق بهذا اللفظ، وإنما يعنون ما ذكرناه.

وقد ترك الشيخ حمزة — رحمه الله — هؤلاء المختلفين على خلافهم، ولم يرجِّح رأيًا من هذه الآراء على غيره، ولكن خليفته في هذا العصر قد أصاب بترجيحه الرأي الذي اختاره. وهو ترجيح لا مناص منه للفصل في مسألة من أهم مسائل اللغة، وهي مسألة الاستشهاد على صحة القاعدة اللغوية بما ورد في الكلام المنظوم؛ فليس من المعقول أن نرفض شواهد اللغة في الشعر العربي القديم؛ لأن المحفوظ من الكلام العربي في الشعر أكثر جدًّا من كلامهم في الخطب، أو الأمثال، أو الكلام المرسل على الأفواه، أو الكلام المرسل في الصفحات. وهو جدُّ قليل.

فإذا أريد تعيين مواضع الاستشهاد الصحيح في الشعر، فلا مناص من استثناء الضرورات، وحصر ما ورد منها وما يمكن أن يرد بعدما تقدم، ولا مناص من التفرقة بين ما يقوله الشاعر اضطرارًا إذا نظم، وبين ما يقوله هو بنفسه إذا فاه بالكلام مرسلًا أو غير منظوم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.