يقال: إن الأمم المتحضرة ترى في ارتفاع قامة الإنسان إلى السماء بدلًا من انحنائها إلى الأرض، رمزًا لما ينبغي لنفسه المثقفة الممتازة من التصعيد في أجواء الرقي التماسًا للمثل العليا. ويقال كذلك: إن النفس الإنسانية التي تعنى بصغائر الأمور ودنياتها ليست خليقة بالإنسان الذي خلق للكمال أو للجد في سبيل الكمال، وإنما هي خليقة بالحيوان الذي انحنى جسمه إلى الأرض، وفُرِض عليه أن يعيش مستجيبًا لغرائزه، لا يتجاوزها ولا يتخطى أغراضها اليسيرة المنحطَّة، التي لا تتجاوز حاجات الجسم إلا قليلًا وفي أحيان قليلة.

يقال هذا، ويقال كلام كثير مثل هذا، ويتعلل كثير من الذين يعنون بالتربية والتهذيب بهذا الكلام الكثير الذي يقال، فلا يكاد الصبي يعقل الأشياء والناس حتى يُسَلَّط عليه وابل لا ينقطع ولا يخفُّ من النصائح والمواعظ والعبر والأمثال والحكم، كلها يدعوه إلى أن يرفع رأسه ولا يخفضه، وإلى أن ينظر ببصره في السماء لا إلى الأرض، وبألا ينظر ببصره في الأرض إلا ليستخرج من هذا النظر فيها علمًا أو معرفةً أو ثقافة ترده إلى السماء عزيزًا أبيًّا؛ لأنه خلق لينظر في السماء، ثم ليسعى إليها، ثم ليصعد فيها، ثم ليعيش هناك في الملأ الأعلى، سعيدًا مغتبطًا ممتازًا مترفعًا عن الصغائر، متنزهًا عن الدنيات، تاركًا تراب الأرض للحيوان الذي خلق منه ليعود إليه.

وقد خُلِق جسم الإنسان من تراب الأرض، وهو عائد إليه ما في ذلك شك، ولكن جسم الإنسان ليس إلا أداة لنفسه وعقله وقلبه وروحه؛ فإن الإنسان نفس أولًا وجسم يخدم النفس بعد ذلك؛ يخدمها لتبلو ما في هذه الأرض وتعلم علمها، حتى إذا قضت من هذا كله وطرًا؛ طرحت هذا الجسم إلى أصله وارتقت إلى حيزها الأعلى، فأقامت فيه مستمتعة بما علمت قبل أن تهبط إلى الأرض، وبما استكشفت حين أقامت في الأرض؛ فهي على كل حال سماوية لا أرضية، وهي على كل حال قد خُلِقَت للتسامي لا للتداني، وللتعالي لا للتسافل، وللارتفاع لا للانخفاض.

وما يزال الصبي يسمع هذا الكلام وأمثاله، حتى إذا بلغ الشباب كان قد استقر في ضميره أنه كائن ممتاز، خلق ليسود الخليقة، ويتسلط على العالم، ويقضي في الدنيا كما يشاء هو لا كما تشاء هي، وظواهر الأشياء تثبت في نفسه هذا الغرور، وتزين في قلبه هذه الكبرياء، وتملؤه بنفسه إعجابًا وعنها رضًا ولها حبًّا؛ فهو يسخِّر المادة والقوة لأغراضه ومنافعه، وهو يستخدم الحيوان لحاجاته ومآربه، وهو يستغل ضعاف الناس أنفسهم ليرضي لذَّاته وشهواته ومطامعه ومطامحه، وهو من أجل هذا كله مؤمن بنفسه واثق بتفوقها مستيقن بأنه قد اسْتُخْلِفَ على الأرض استخلافًا.

ولست أدري أيستقيم هذا التفكير ويصدق هذا الكلام بالقياس إلى هذا الجيل الذي نعايشه من المصريين، أم لا يستقيم ولا يصدق؟! وإنما هو لغو من اللغو، وكلام من الكلام، وفضل من سخف الأحاديث، فقامات المصريين مرتفعة في الجو كقامات غيرهم من الناس، وعيونهم تستطيع أن تنظر إلى السماء وأن تنظر إلى الأرض، ونفوسهم تستطيع أن تصعد في أجواء الرقي لتلتمس المثل العليا، ولكن البائسين لا يجدون الوسيلة إلى شيء من ذلك، تشغلهم حياة أجسامهم عن حياة نفوسهم، وتصرفهم منافعهم القريبة عن منافعهم البعيدة، وتستغرق المثل الدنيا جهودهم كلها؛ فلا يجدون ما ينفقون في سبيل المثل العليا من هذه الجهود. والأمر يسيرٌ كل اليسر، لا يحتاج فهمه وتقريره إلى تعمُّق ولا استقصاء.

فطبيعة المعلم هي أن يشغل بالعلم عن غيره من الأشياء، وأن يشغل بالعلم ليرفع نفسه به، وليرفع تلاميذه معه إلى الآفاق العليا، وليتيح للناس بهذا أن يرتقوا أولًا، وأن يستغلوا الطبيعة في سبيل هذا الارتقاء ثانيًا. وطبيعة المتعلم هي أن ينظر إلى معلمه مرتفعًا بين هذا كله، فلا يستمتع به ويتمسك بأسبابه ليترقَّى كما يترقَّى أستاذه، وليصعد معه في آفاقه العليا، ولينعم معه بهذا الخير الذي نسميه معرفةً وفنًّا وأدبًا.

ولكن أين المعلمون والمتعلمون من هذا كله في مصر؟! أحق أن العلم يشغلهم عن كل شيء؟! أم الحق كل الحق أن المعلم يفكر في طعامه وشرابه وكسائه وفي طعام أسرته وشرابها وكسائها، أكثر مما يفكر في العلم والتعليم؟ وهو من أجل ذلك يتخذ العلم والتعليم وسيلة، لا إلى أن يرقى ويرقي تلميذه، بل إلى أن يعيش ويتيح لأسرته أن تعيش، وهو من أجل ذلك يلاحظ أن العلم والتعليم لا يرزقانه كما ينبغي أن يُرزَق؛ فيطالب بالمزيد من الرزق، ثم يمشي إلى أمثاله من المعلمين ليطالبوا جميعًا بالمزيد من الرزق، ثم ينظمون معًا هذه المطالبة، ثم يجاهدون معًا في سبيلها، ثم يلحون معًا في هذا الجهاد، ثم يشغلون بهذا الجهاد عن العلم والتعليم؛ فيجتمعون ليتفرقوا، ويتفرَّقون ليجتمعوا، ويكتبون المذكرات، ويعقدون المؤتمرات، وينشرون في الصحف، ويخطبون في المجامع، ويشغلون أنفسهم بأنفسهم، ويشغلون وزارة التعليم بأنفسهم، ويشغلون الآباء والأبناء بأنفسهم أيضًا، ويضيع التعليم بين هذا كله؛ فلا يستمتع به معلم، ولا ينتفع به متعلم.

وإذا أتيح للمعلمين شيء من وقت فخلوا إلى طلابهم وتلاميذهم، فهل يفرغ الطلاب والتلاميذ لما يلقي عليهم الأساتذة والمعلمون من الدروس في هذه الأوقات القصار التي يختلسونها من جهادهم في سبيل الرزق اختلاسًا؟ أم هل يمنح الطلاب والتلاميذ أساتذتهم ومعلميهم أنصاف نفوسهم أو أثلاثها أو أرباعها، ويشغلون سائرها بمستقبلهم القريب أو البعيد، بقيمة الشهادات والإجازات التي يسعون إليها؛ لأن التعليم ليس وسيلة إلى ترقية النفس وتهذيب الطبع وترقية الخلق وتصفية الذوق، وإنما هو وسيلة لتحصيل الإجازة أو الشهادة التي تقوم بهذه الجنيهات التي تتيح لهم إذا أصبحوا رجالًا أن يشتروا ما يأكلون ويشربون ويلبسون.

فالطلاب والتلاميذ حِرَاص على أن يستوثقوا من قيمة الشهادات والإجازات، ومن أن هذه القيمة يجب أن ترتفع؛ لأن أثمان الغذاء والكساء ترتفع في كل يوم، وهم يدفعون للتعليم أثمانًا تقبضها الدولة؛ فيجب أن تغُلَّ عليهم هذه الأثمان إجازات وشهادات ترد عليهم ما أنفقوا من المال. فالقصة تجارة لا أكثر ولا أقل: المعلم يبيع العلم؛ فيجب أن تدفع الدولة لهذا العلم ثمنًا يمكِّن صاحبه من العيش، والدولة تبيع العلم الذي تأخذه من المعلم للطلاب والتلاميذ بهذه الأجور التي تأخذها منهم؛ فيجب أن تكون هذه الصفقة بين الدولة والشباب رابحة تتيح للشباب أن يعيشوا حين يصيرون رجالًا. فأما التربية والتثقيف، وتهذيب الطبع، وتصفية الذوق، وترقية الخلق، ورفع النفس إلى الملأ الأعلى لتلائم قامة الجسم المرتفعة في الجو، وجعل الإنسان إنسانًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة في البيئات المتحضرة؛ فكل هذه أشياء لا ينظر إليها ولا يحتفل بها، وإنما تكون أو لا تكون، وتجيء أو لا تجيء، وتقبل إن جاءت ولا يسأل عنها إن لم تجئ، المهم هو أن يعيش المعلمون وأسرهم وأن يهيأ للمعلمين من الوسائل ما يمكنهم من العيش؛ فأما ما فوق ذلك فأعراض لا قيمة لها ولا تفكير فيها.

ودع المعلمين والمتعلمين وانظر إلى غيرهم من الطبقات المثقفة؛ فسترى أن أفرادها مشغولون بالغذاء والكساء عن غيرهما من المثل العليا والمآرب الرفيعة والآمال السامية، فقد ينبغي أن يعيش الناس قبل أن يفكروا في الرقي فضلًا عن أن يسعوا إليه، فضلًا عن أن يبلغوا حظهم منه، فضلًا عن أن يتزيَّدوا من هذا الحظ. ولا تسل نفسك بعد ذلك لماذا ترقى الحضارة على اختلاف فروعها في البلاد المتحضرة الأوروبية والأمريكية وتظل راكدة في مصر مع أنها قد ارتقت في أطوار كثيرة من أطوار الحياة المصرية القديمة؟!

فعِلَّة ذلك قريبة أشد القرب يسيرة أعظم اليسر؛ لأن الحضارة لا ترقى إلا إذا فرغ لترقيتها المثقفون على اختلاف طبقاتهم وألوان ثقافتهم، وهم لا يفرغون لترقيتها إلا إذا أراحتهم بطونهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء، وأراحتهم بطون أهلهم وأجسامهم من أعباء الغذاء والكساء وتكاليف هذه الحياة المادية السخيفة. والله لم يجعل لرجل قلبين في جوفه، وإنما جعل له قلبًا واحدًا، وهذا القلب إما أن يشغل بالعلم والمعرفة والمثل العليا على اختلافها، وإما أن يشغل بالغذاء والكساء، فأما أن تشغله بالمثل العليا والمثل الدنيا جميعًا فشيء لا سبيل إليه.

وما دام المثقفون من المصريين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم في الحياة مشغولين بما يقيم أَودَهم وأَودَ أهلهم ويمسك عليهم وعلى أهلهم حياتهم المادية التي تنحل آخر الأمر إلى غذاء وكساء ويقظة جاهدة ونوم تشغله أحلام سخيفة تتصل هي أيضًا بالغذاء والكساء؛ فلا تنتظر منهم للثقافة خيرًا ولا تنتظر منهم للحضارة رُقيًّا، ولا تقل: إن في مصر أجيالًا من المثقفين يرفعون نفس الإنسان ليلائموا بينها وبين قامته المعتدلة المرتفعة، ويطمحون ويشيعون الطموح إلى المثل العليا، ولكن قلْ راضيًا أو كارهًا، مسرورًا أو محزونًا: إن في مصر مثقفين يتخذون الثقافة وسيلة لا غاية، ويتخذونها وسيلة إلى المثل الدنيا لا إلى المثل العليا.

والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مَرَدَّ له وما لهم من دونه من والٍ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.