في يوم من الأيام رأى جيمس سنايدر ضفدعًا تسلق إحدى الأشجار بالفناء الخلفي لمنزله بجنوب فلوريدا، وابتلع أحد المصابيح التي تزين شجرة الكريسماس، فالتقط هذه الصورة الغريبة التي فيها يتوهج الضوء بداخل بطن الضفدع، فبدا كزينة يوم عيد الزواحف والبرمائيات.

يبدو سلوك هذا الضفدع أحمق على نحو غريب، لكن في الحقيقة ثمة مغزى ما وراء ابتلاع أضواء الكريسماس. إن كنت أنت أحد ضفادع الشجر الكوبي؛ فطيلة آلاف السنين، كان مصدر الوهج الوحيد الذي رآه أسلافك الضفادع على الأشجار هو للحشرات المضيئة. ولو استجاب أجدادك للوهج الخافت بافتراسه، لحصلوا على وجبة، وكانت على الأرجح ستنجو وتنجب صغار الضفادع. فماذا إذن عن الضفادع التي لم تستجب؟ لعل بعضها تمتع بصحة جيدة، لكن ربما تضور البعض الآخر جوعًا. وربما عانى الذكور كي يجذبوا رفيقة، وربما وضعت الإناث بيضًا صغيرًا لم يتمكن من النمو.

بعبارة أخرى، طوَّر الانتخاب الطبيعي هذه الاستجابة في ضفادع الشجر الكوبي. فأضواء الكريسماس لم تظهر في حياتها إلا مؤخرًا، ولم يُظهر الانتخاب الطبيعي بعدُ أيَّ أمارات لحذف سلوك «افتراس الضوء المتوهج» من قائمة سلوكياتها.

ويعد ضفدع سنايدر المتوهج من أروع الأمثلة لشيء شائع للغاية يحدث عندما يحدث احتكاك بين الحيوانات والبشر. فقد بدلنا حال البيئة بشتى الطرق الصغيرة والكبيرة. وعندما تحاول الحيوانات أن تفهم الإشارات من بيئة الإنسان، يمكن أن تنخدع، ويمكن أن ينتهي بها الحال بفعل شيء يودي بحياتها، أو يضيع عليها فرصة التكاثر، أو لا يعود عليها سوى بإهدار وقتها. يُطلق العلماء على هذه المواقف الشراك التطورية.

في مجلة «ترندس إن إيكولوجي آند إيفولوشن» يستعرض كل من بروس روبرتسون من بارد كوليدج، وجنيفر ريهاج من فلوريدا إنترناشونال يونيفرستي، وأندرو سي من جامعة كاليفورنيا بدافيس، كثيرًا من الأمثلة الموثقة للشراك التطورية، ويحاولون وضع نظرية لها. وهم يتمنون أن يستطيعوا التنبؤ بوقت وقوع الشراك، والتوصل لاستراتيجية لمنع الشراك التطورية من تعريض الأنواع للخطر.

تعمل بعض الشراك التطورية — مثل أضواء الكريسماس — من خلال الاستراتيجيات البصرية التي تستخدمها الحيوانات للعثور على الفريسة. على سبيل المثال، سيلتقط طائر القطرس قطع البلاستيك ذات الألوان المبهجة والطافية على وجه المياه بمنقاره، وهي استجابة لطالما منحته الطاقة ولكنها يمكن أن تملأ معدته الآن بالقاذورات. وبعض الأنواع التي غيرنا أماكنها على ظهر كوكب الأرض هي حيوانات مفترسة أصلية خادعة؛ فعلى سبيل المثال، اعتادت الدبابير — التي موطنها الأصلي أمريكا الشمالية — أن تضع بيضها داخل أنواع أصلية من خنفساء الدعسوقة، وقد جلبنا الآن نوعًا جديدًا من الخنافس هو المفضل لدى الدبابير الآن. لكن لسوء حظ الدبابير كانت وسائل دفاع خنفساء الدعسوقة الأجنبية قوية للغاية لدرجة أنها يمكن أن تدمر بيض الدبابير.

بل ويمكن للشراك التطورية أن تخدع الحيوانات التي تبحث عن رفيق. في أستراليا، تنجذب ذكور الخنافس من أنواع جولوديمورفا بيكيولي إلى الأسطح البنية اللامعة التي تغطي إناث الخنافس. ولمَّا كانت زجاجات الجعة تشبه كثيرًا إناث جولوديمورفا بيكيولي، لذا كثيرًا ما نجد ذكور الخنافس تحاول باستماتة أن تتزاوج مع الزجاجات.

ويمكن أن ينصب الضوء الصناعي شراكًا تطوريةً، ليس فقط من خلال تكوين صورة خادعة للفريسة، إنما أيضًا من خلال تشويش قدرة الحيوان على تلمس طريقه. عندما تبلغ ذبابة القَمَص عمر البلوغ وتصير جاهزة للتزاوج، لا بد أن تفد إلى مسطح مائي. وبدون مساعدة خرائط جوجل، تفعل ما كان أسلافها يفعلونه على مدار أجيال لا حصر لها: فتستفيد من حقيقة أن البرك وجداول المياه تغير انعكاس ضوء القمر، مما يغير من استقطابه. لكن لسوء الحظ، يمكن للنوافذ الزجاجية السميكة الضخمة أن تستقطب الضوء بنفس الطريقة؛ مما يترتب عليه أن تغطي ذبابة القمص في بعض الأحيان الزجاج، وتتزاوج، وتضع بيضها هناك.

في بعض الأحيان يكون الشرك التطوري غير مؤذٍ. لا تبتلع ضفادع الشجر الكوبي أضواء الكريسماس كثيرًا، وقد اكتشف سنايدر أن زائره الضفدع قليل الحظ لا يزال حيًّا، وقد لفظ في آخر الأمر فريسته التي أخطأها. لكن في حالات أخرى يمكن أن يكون الخطأ كارثيًّا؛ فبعض الخنافس تضع بيضها في أشجار واقعة. فإذا ارتكبت الخنافس خطأ وضْع بيضها في أشجار كان قد قطعها البشر للحصول على أخشابها، سينتهي الحال بذرية الخنافس ميتة في أحد المصانع.

يمكن أن تكون هذه الشراك التطورية خطيرة خطورة كبيرة عندما تكون أكثر جاذبية من نظيرتها الطبيعية؛ فقد اتضح أن زجاجات الجعة تسبب هياجًا تزاوجيًّا لذكور الخنافس، لأنها تحتوي على نماذج مبالغ فيها من الإشارات البصرية التي توسم إناث الخنافس. تجذب الشراك شديدة الجاذبية شريحة أكبر من الأنواع إلى هلاكها. راجع روبرتسون وزملاؤه ٤٤٥ دراسة علمية عن الشراك التطورية، وتوصلوا إلى أن ٨٦ بالمائة من الشراك الخطيرة قد تضمنت هذا المزيج الذي يجمع ما بين الخطر والجذب المبالغ.

صنَّف العلماء أيضًا الطريقة التي نتسبب بها نحن البشر في الشراك. وتتصدر القائمة الأنواع الدخيلة التوسعية، تليها الزراعة والحراجة. فبعض الطيور على سبيل المثال تؤثر عادة أن تبني أعشاشها عند حواف الغابات؛ حتى يتسنى لها أن تحلِّق لمسافة قصيرة للعثور على الطعام في المساحات المكشوفة. تنجذب هذه الطيور إلى الغابات الأقل كثافة وحواف الأراضي الخالية من الأشجار. وللأسف تنجذب أيضًا الثدييات المفترسة التي تفترس هذه الطيور إلى نفس الأماكن. تخلق المباني والطرق الشراك إضافة إلى الأضواء الصناعية التي تصاحبها. فقد تتجه السلاحف البحرية التي تضع بيضها على الشاطئ بالقرب من الفنادق نحو اليابسة بدلًا من البحر، ظنًّا منها أن أضواء الفندق هي القمر الذي يعلو المحيط.

ومن المفارقة أن مشروعات إعادة بناء التاريخ التطوري يمكنها أيضًا أن تخلق شراكًا تطورية لنفس الأنواع التي يحاول الداعون للحفاظ على البيئة إنقاذها. لزيادة كم البيض الذي يضعه سلمون كوهو، جذبه القائمون على الحفاظ عليه إلى جداول مائية، حيث قام المزارعون بعدها باستخدام مياه هذه الجداول في ري محاصيلهم، فما كان إلا أن انجرف السمك الذي خرج من البيض إلى اليابسة ومات.

ويجب على أي تفسير للشراك التطورية أن يعلل، ليس فحسب سبب وقوع بعض الأنواع فيها، وإنما أيضًا سبب نجاة الكثير منها. من حسن الحظ أن هناك الكثير من الأبحاث عن كيفية استجابة الحيوانات لمختلف المثيرات، وعليه وفَّق روبرتسون وزملاؤه بين هذه النتائج والتساؤل عن متى تعمل الشراك التطورية. وهم يتنبَّئُون بأنه تزيد احتمالات عمل الشراك التطورية كلما كانت أكثر شبهًا بإحدى الإشارات التي عولت عليها الحيوانات في الماضي؛ وبالأخص إذا كانت إشاراتٍ موثوقًا بها. ويشير العلماء أيضًا إلى أن بعض الإشارات مهمة على نحو خاص لتستجيب لها الحيوانات، ويمكن أن يترتب على نبذها عواقب وخيمة. وإذا كان هذا الشَّرَك البيئي يشبه إحدى هذه الإشارات الضرورية، يقل احتمال أن تنبذها الحيوانات.

حالما تقع الحيوانات في أحد الشراك، ستسلك أحد الاتجاهين: إما أن تفلت منه أو تهلك. ولربما تستطيع بعض الحيوانات التعلم بالتجربة أن إشارةً ما عهدوها في الماضي تجلب لهم الدمار الآن. وقطعًا بعض الدروس أكثر سهولة في تعلمها عن غيرها، وبعض الحيوانات أفضل في التعلم من غيرها.

يمكن للتطور أيضًا أن يحرر حيوانات من الشرك التطوري؛ فإذا وُلد حيوان ما بجينات تقلل من تفضيله لإشارة معينة، فربما ينخفض احتمال موته، ويزيد احتمال أن يورث جيناته هذه. وحتى إن كانت الحيوانات لا تطوِّر هذا السلوك الجديد، فربما تظل باقية؛ فربما يظل هناك موطن جيد بالدرجة الكافية حيث يستطيعون التكاثر، ومن ثم لا تقع كافة جماعة هذا النوع في شرك من الشراك. أما إذا كان الشرك قويًّا للغاية حتى إن الحيوانات لا تستطيع أن تقاوم جذبه لها، عندئذ يكون الانقراض خطرًا حقيقيًّا قائمًا.

واحدة من طرق الحدِّ من هذا الخطر هي التخلص من الشرك. على سبيل المثال، إزالة الأضواء القريبة من الشاطئ التي تخدع السلاحف البحرية، أو حجبها من خلال استرجاع الكثبان الرملية، وأيضًا نقل الأخشاب المقطوعة من الغابات قبل أن تحاول الخنافس النادرة أن تضع بيضها عليها.

من الممكن أيضًا أن تزيل عامل الجذب في الشرك التطوري؛ على سبيل المثال، اتضح أن الألواح الشمسية تجذب بقوة الحشرات المائية؛ ذلك لأن أسطحها المُستقطَبة الداكنة تشبه الماء. لكن العلماء اكتشفوا أن الأمر لا يحتاج إلا إلى وضع تحديد أبيض رفيع حول الألواح الشمسية لجعلها غير جذابة للحشرات.

بعبارة أخرى، كي ننقذ بعض الأنواع نحتاج أن نتعلم كيف نزيل الجذب الذي تسببنا فيه.

Freeing Animals from Our Evolutionary Traps by Carl Zimmer. The Loom. June 6, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.