… سؤال ما برح يتردد في خاطري علَّكم تجيبون عليه في يومياتكم؛ وهو: هل يمكن أن تتغير البديهيات بتغير عقل الإنسان وتغير الكون الذي يحيط به؟ وهل يمكن أن تؤدي نفس المقدمات إلى نتائج مخالفة بالنسبة لعقل بشري وفي كون غير هذا الكون؟ أم أن البديهيات نشأت في وجود مطلق لا يتأثر بشيء؟ … إنني في حيرة من هذا الأمر، وأرجو أن تتفضلوا بإبداء رأيكم مشكورين.

نصار محمد عبد الله البدراوي، مدرسة البداري الثانوية

… من الخير أن يكون للفكر حقه في أذهان شبابنا المتعلمين في زمن يوشك أن يقصر الدنيا كلها على عمل الحواس الجسدية، وأن يحرم العقل البشري كل مسوغات وجوده فيما عدا المأكول والمشروب، أو فيما عدا المعدودات بحساب النقود، ودفاتر الربح والخسارة.

ويطيب لنا أن نحسب الكلام عن البديهيات بابًا من أبواب هذه اليوميات، فنقول للسيد نصار: إن البديهيات التي تنشأ في الوجود المطلق لا تتغير ولا تختلف، ولا يمكن أن تختلف؛ لأن الاختلاف إنما يحصل بين المعقولات الكثيرة، وليس العقل المطلق بقابل للتعدد والمخالفة.

ولكن أين نحن عن هذا الوجود المطلق الذي لا يختلف ولا يقبل الاختلاف؟

إن وجودنا البشري محدود، وإن إدراك الإنسان لكل ما في هذا الكون محدود، وكل بديهية بالنسبة للعقل البشري فهي بديهية له على حسب إدراكه، وليس من اللازم أن تكون بديهية له إذا تغير ذلك الإدراك.

ونحن نقول مثلًا: إن وجود الإنسان في مكانين في زمن واحد مستحيل، وفي العلم الرياضي المعترف به: إن الخط الهندسي مجموعة نقط، ونحسبها بديهية من البديهيات التي لا ريب فيها، ولكن هل يبقى لهذه البديهية حكمها إذا تغير إدراكنا للإنسان وللزمن وللمكان؟ وهل يبقى لهذه البديهية حكمها إذا أدركنا الحقائق في الأبد المطلق ولم ندركها في الزمن المحدود، وفي المكان المحدود؟

ونحن نقول: إن الواحد والواحد اثنان، ولكن ما هو الواحد بالنسبة إلى غيره؟ وما هو الواحد المطلق بغير نسبة إلى شيء؟

ونحن نقول في العلم الرياضي المعترف به: إن الخط الهندسي مجموعة نقط هندسية متصلة، ولكننا نقول في هذا العلم نفسه: إن النقطة شيء بغير طول ولا عرض ولا امتداد؟ فكيف يمكن أن يمتد الخط من شيء معدوم الامتداد؟

هذا مستحيل في عقولنا، ولكننا نجعله ممكنًا — بل بديهيًّا — على فرض واحد، وهو أن إدراكنا للمكان الرياضي غير إدراكنا للمكان بالعقل والإحساس، ويسري على جميع البديهيات كلما اختلفت أمامنا بديهيتان مسلمتان.

وما دام العقل البشري محدودًا، فمن البديهي إذن أن يكون إدراكه مرتبطًا بحدوده، وأن يكون عرضة للتغيير كلما تغيرت تلك الحدود.

والوسيلة الوحيدة التي نستطيع أن نحقق بها معنى مطلقًا هي أن ننفي ما عداه.

فإذا عرفنا صفةً ناقصةً محدودة وسُئلنا: وما هي الصفة الكاملة بغير حدود؟ جاز لنا أن نقول: «هي ما ليس كذلك.» ونحن في أمان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.