تغيَّر موقفُ العُلماء كثيرًا بين القرن الماضي والقرن الحاضر من القصص التي وردتْ في الكتب الدينية.

كان ورود قصة في كتاب من الكتب الدينية كافيًا عند طائفة من العلماء لإنكارها أو للشكِّ فيها، وكانوا يُنكرون الأخبار أو يشكون فيها؛ لأنهم لا يصدقون الأسباب التي تُنسَب إليها، فكانوا يخالفون التحقيق العلمي في صميمه وهم يزعمون أنهم يستندون إلى العِلم لتمحيص تلك الأخبار.

ولنضرب لذلك مثلًا؛ إنسانًا يُقال إنه مات لأنه شرير أبغضه قومُه واستغاثوا بساحرٍ قديرٍ ليقضي عليه، فأهلكه الساحرُ بما سَلَّطَهُ عليه من الرُّقَى والعزائم، ونفرض أنك لا تصدق السحر ولا تؤمن بقدرة الساحر على إهلاك مَن يَشاء، فهذا لا يجيز لك — علميًّا — أن تنكر موت الرجل، ولا أن تنكر أنه شرير، ولا أن تنكر أن أَهْلَهُ قد استغاثوا بالساحر ليهلكه، وكل ما يجوز لك أن تنفيه أن السحر فعل في إهلاكه ذلك الفعل المنسوب إليه.

والعلماء الذين استندوا إلى العِلم لنفي الأخبار والقصص التي وردت في الكتب الدينية كانوا يصنعون شيئًا من هذا القبيل؛ لأنهم كانوا يُنكِرون الطوفان أو الزلازل أو الفتن التي ذهبت بالأمم الخالية؛ لأنهم — أي العلماء — غير متدينين بالكتب التي جاءت فيها الأخبار والقصص وذكرت ما ذكرت عن وعيد الأنبياء والرسل وعصيان القبائل أو الجبابرة المتألِّهين!

ولم تنقضِ على هذا الموقف من بعض العلماء فترةٌ وجيزةٌ حتى ثبت لهم هذا الخطأ في العِلم فضلًا عن الخطأ في حقِّ الدِّين؛ فأصبحوا اليوم أقرب إلى الأَنَاة والرصانة في تمحيص الحقائق، وراحوا يُعيدون النظر في كل ما قرروه آنفًا على ضوء حديث من أضواء الكشوف العلمية، ومنها كشوف الأحافير، وكشوف الأرصاد الفلكية التي يسهل الرجوع إليها فيما حدث أو لم يحدث من مقارنات الكواكب وعوارض الكسوف.

أنكروا قصة الطوفان والسفينة، فوجد العلماء الحفريون هذه القصة مكتوبة على حجارة قديمة من آثار وادي النهرين، ووجدوها منقولة متواترة على الألسنة والآثار بين أقوام كثيرين من أمم المشرق والمغرب.

وأنكروا قِصة سَيْلِ العَرِم، وقصة أبرهة الحبشي وهلاك جيشه، فلم يمض زمنٌ حتى وجدوا آثار السدِّ ووجدوا عليها اسم أبرهة ملقبًا بالأمير «التابع لملك الحبشة، وسبأ، وريدان، وحضرموت، واليمامة، وعرب الوعر والسهل»، ووجدوا خبر الجدري الذي أهلك جيشه مكتوبًا في تاريخ بروكوب مؤرخًا بالزمن الذي ابتدأ بعام الفيل.

وأنكروا قصة عاد وثمود، وظنوا أن هذه القبائل لم يكن لها وجود تاريخي؛ لأنها لم تُذكر في أخبار العهد القديم، فتبيَّنَ لهم مِن مراجعة المؤرخين الأقدمين أنها مذكورة في تاريخ بطليموس، وأن عاد إرم هي عادراميت اليونانية Adramitae، وأن أخبارها محفورة على آثار هيكل «مَدْيَن» التي عَثر عليها المؤرخ التشيكي «موزيل».

وهؤلاء العلماء العصريون المتشككون لم تسلم لهم دعوى الرأي الجديد، فضلًا عن دعوى العلوم التجريبية التي يُقيمون عليها هذه الشكوك. فإنهم مسبوقون إلى عادة الإنكار الجزاف بمئات السنين، وقد جاء في رواية الأنصاري عن الفيلسوف ابن رشد: «إنه شاع في الشرق والأندلس على ألسنة المُنَجِّمَة أن رِيْحًا عاتيةً تَهُبُّ في يوم كذا وكذا في تلك المدة تهلك الناس، واستفاض ذلك حتى اشتد جزع الناس منه، واتخذوا الغيران والأنفاق تحت الأرض توقِّيًا لهذه الريح، ولما انتشر الحديث بها وطبق البلاد استدعى والي قرطبة إذ ذاك طلبتها، وفاوضهم في ذلك وفيهم ابن رشد، وهو القاضي بقرطبة يومئذ وابن بندود في شأن هذه الريح من جهة الطبيعة وتأثيرات الكواكب، وقال شيخنا أبو محمد عبد الكبير: وكنت حاضرًا، فقلت في أثناء المفاوضة: إن صحَّ أمرُ هذه الريح فهي ثانية الريح التي أهلك الله بها قوم عاد؛ إذ لم تعلم ريحٌ بعدها يعم هلاكها، فانبرى إليه ابن رشد ولم يتمالك أن قال: والله وجود قوم عاد ما كان حقًّا، فكيف سبب هلاكهم …»

وهذه الكلمة لن تثبت نسبتها إلى ابن رشد؛ لأنه بقي بعدها قاضيًا لم يُنْكب ولم يُعزل، حتى أصابه الغضب من الأمير؛ فنُكِبَ وعُزل، ونُسبت إليه أقوال المتفلسفة في زمانه، ومنها الشكُّ في التواريخ الدينية على هذا المثال، فليس علماء القرن التاسع عشر أول من تجنَّى على العِلم والدين بالإنكار الجُزاف والشك بغير دليل، ولكن علماء القرن التاسع عشر كانوا أحق بالأناة والتريث مِمَّن سبقوهم إلى العجلة بمئات السنين؛ لأنهم ما كدوا يُعْلِنون شكوكهم حتى بادرتهم الكشوف بالموعظة التي غفلوا عنها وكانوا في غنى عنها لو اصطنعوا الحكمة «العلمية».

ونحسب أن علماء القرن التاسع عشر إذا كانوا قد سبقوا مَن تقدَّمهم إلى لونٍ من ألوان هذه النقيصة الفكرية، فقد سبقوهم إلى الرعونة في التعجل؛ لأنهم أوشكوا أن يحصروا العلم كله في إنكار كل شيء، وفي القول بأن كل شيء مخالف للعقل والحقيقة، فأنكروا وجود إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وأنكروا الحوادث التي رُويت عن أزمانهم، وأنكروا التقارب بين الشعوب السامية؛ لأن هذا التقارب منسوب إلى إبراهيم.

ثم مضى جيلٌ واحدٌ، فلا نقول إن الكشوف التاريخية أثبتت كل ما أنكروه؛ لأنها لا تزال في أول الطريق، ولكننا نقول: إن رواية الكتب الدينية لم تزل هي المرجع الوحيد في حوادث تلك الأزمنة، وإن بعض الأحافير التي انكشفت حتى الآن تحقق تلك الأزمنة كلما أمكنت المقارنة بين المصنوعات الفخارية والأزياء المعروفة، وإن الكتب الدينية قد سبقت المحدثين إلى القول بالقرابة بين اللغات السامية قبل أن يدرس العصريون شيئًا من مقارنة اللغات والأجناس.

ولعل هذه الأخطاء التي وقع فيها علماء القرن التاسع عشر تشجِّع الآن طائفة من الباحثين العلميين على استخدام العلوم جميعًا في إثبات الروايات الكتابية، ومن هؤلاء الباحثين مَن ألَّفَ الكُتب المُطوَّلة في إثبات الخوارق وتعليل ما رواه هيرودت عن كُهَّانِ المصريين حين أنبئوه أن الشمس تحوَّلت من مجراها القديم، واستطرد المؤلف من ذلك إلى وقوف الشمس ليوشع بن نون، ثم قال: إن الحوادث التي وردت في الكتب الدينية إنما تحدث علميًّا إذا اصطدمت الأرض بمذنبٍ كبير، فتسقط الحجارة من الجوِّ ويصطبغ الماء بلونٍ كَلونِ الدم، ويموت كل ما فيه من حيوان، ويتحول موقع القطبين إلى غير ذلك من العوارض «العلمية» في رأيه، وهي في رأي المنكرين مناقضة للعِلم والتفكير السليم.

وليس من اللازم أن يكون هؤلاء العلماء قد أصابوا التطبيق بين الخوارق والعوارض العلمية، فأحسن ما يُستفاد من محاولاتهم أن التعجل إلى الإنكار شبيه بالتعجُّل إلى التصديق، وكلاهما براء من دعوى العلم وأمانة العلماء.

وبعد قرنٍ مضى في النفي والإنكار يثوب العلماء إلى موقف آخر من القصص الدينية؛ فيقبلها فريقٌ منهم على أنها عِظات صادقة، ويَقْبَلها آخرون على أنها من الحقائق التي تُفهم بالتأويل، ويقبلها غير هؤلاء وهؤلاء على أنها تاريخ قديم ينبغي أن يرشد الباحثين إلى مواضع البحث وموضوعاته، ولكن لا ينبغي بحال من الأحوال أن ترفض بِجَرَّةِ قَلَمٍ أو يُقال إن البحث فيها مفروغ منه لأنها من «أساطير الأولين».

موقف العلماء اليوم أمام القصص الديني يقترب من العلم ولا يقترب من الدين وحسب، وأول علامات الاقتراب ألا يتعجَّل المتعجِّلون إلى النفي أو الشك بغير دليل، وأن نفهم الحقيقة العلمية على نحوها، فلا نخلط بينها وبين حقائق الغيب وحقائق الضمير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.