بين القوة والضعف حالة غريبة، هي حالة الشعر المعاصر في الآداب العالمية على إجمالها. وليست غرابة هذه الحالة أنها متوسطة بين القوة والضعف؛ فإن هذا المتوسط بينهما حالة شائعة نألفها في الآداب كما نألفها في جميع الشئون. إنما غرابتها أنها تخالف عهود القوة والضعف والانتقال بينها فيما تقدَّم من عصور الشعر، فلا هي إلى هذه ولا هي إلى تلك، ولعلها أدنى أن تكون حالة نقاهة بعد مرض، أو حالة التفات بعد تخبط وزيغ.

أما علة المرض أو علة التخبط فلا خفاء بها في منشئها؛ لأنها من عوارض الحرب العالمية الأولى ما كادت تتميز على شكل من الأشكال حتى لحقت بها الحرب العالمية الثانية، فازدادت خلطًا على خلط، وأمعنت في اضطراب بعد اضطراب.

ومضت عشر سنوات بعد الحرب العالمية الثانية، فانكشفت الغاشية بعض الشيء عن حقيقتها، ووضح عن الأقل أن التخبط ذاهب بغير جدوى، وأن التجارب التي اندفع إليها المتخبطون في حيرتهم واختلاجهم قد استنفدت قوتها، وفقدت فتنة الاستهواء التي تقترن بكل جديد، فلا فتنة لها الآن، ولا قرار معها، ولا هداية فيها.

إن الشعور بهذه الحقيقة هو بدء النقاهة بعد المرض، وفاتحة الهداية بعد الضلال، وهو الحالة التي نقول: إنها غريبة ولا تشبه حالة القوة، ولا تشبه حالة الضعف، ولا تشبه التوسط بين الحالتين. ومن هنا غرابتها في تواريخ الآداب؛ إذ ليست الحروب العالمية من الحالات التي تعرض للناس كل يوم في عمومها، وعموم أسبابها وآثارها.

كثرت البدع والأفانين في الربع الثاني من القرن العشرين، وكثرت أسماء المذاهب الأدبية وعناوين الدعوات الفنية في ثقافة الغرب وسائر الثقافات التي تأتم بها، وتنتمي إليها، ولم يبق من جملة تلك المذاهب اليوم غير أسماء وأصداء تبتعد على عجل لتنطوي في عالم الخفاء.

وليس من المطلوب في هذا المقام أن نذكر هذه المذاهب، ولو من قبيل الإلمام، ولكننا نذكر النتيجة التي انتهت إليها، أو نذكر البوادر والطلائع التي تشير إلى تلك النتيجة المترقبة وخلاصتها — خلاصة تلك النتيجة المترقبة — أن عوامل الخلق والجد في الشعر تغلب على عوامل الاختلاق والعبث، وأننا نثوب إلى طبيعة الإنسان الخالدة كلما أردنا أن نتخذ لنا مقياسًا صادقًا نفرق به بين الجيد والرديء من الشعر، أو بين الصالح والفاسد من كل فن، وهو مقياس الطبيعة الإنسانية الخالدة، فلا مقياس في النهاية أصدق من هذا المقياس، ولا قسطاس لمدارس النقد، ومذاهب الفن، ودعوات التجديد والإبداع أصح من هذا القسطاس.

وكل دراسة لثقافة من الثقافات العالمية تفيدنا في تصحيح الرأي عن مدراس النقد ومذاهب الفن ودعوات التجديد والإبداع، إلا أننا نخص منها بالتقديم ثقافتين مختلفتين لهما من الفائدة في هذه الدراسة ما ليس لغيرهما من ثقافات العالم في العصر الحاضر؛ لأن نصيب الدعوات المستحدثة فيهما أوفى من كل نصيب في سائر الثقافات، وبرامج الخطط الأدبية التي تتكرر فيهما قلما تتكرر في أمة أخرى، ونعني بهما الثقافة الفرنسية التي اشتهرت بالأزياء والأسماء، والثقافة الروسية التي اشتهرت بالبرامج والتطبيقات في مشاريع السنوات.

كلتا الثقافتين يبدو فيهما الآن أن مقياس الطبيعة الإنسانية الخالدة يتغلب على سائر المقاييس المبتدعة على حسب البرامج الموضوعة، والمذاهب المستحدثة واحدة من علامات النقاهة على حالة الإبلال والسلامة.

سُئل الناقد «إريك سيلين Eric Sellin» — الذي يدرس الأدب الفرنسي المعاصر في جامعة بنسلفانيا — أن يختار نخبة من القصائد التي تدل على اتجاه الشعر المعاصر في بلده، فاختارها من نظم الواصلين الذين انتهوا، والسائرين الذين نضجوا ولا يزالون ينتجون، والمبتدئين المرجوين، فقال في مقدمة المختارات: إن أشهر البدع الحديثة — وهي الواقعية الفائقة أو السريالزم — «إذا علمت وحدها ومضت إلى نهايتها المنطقية تخفق في تزويد الشعر بالمزيج المرضي من النظام والشعور.» وقد كان الشعر يصاب دائمًا من جراء تسخيره للمآرب الحزبية أو الدعاية الاجتماعية.

وفي هذه السنة يحتفل في روسيا ببلوغ الشاعر صمويل مرشاك Marshak سن السبعين، وينشر له ديوانه في أربعة مجلدات، ويسبق نشره باختيار طائفة من قصائده للتنويه بسائرها. وهذه إحدى القصائد المنتقاة يصف بها الرجل الأحمق.

قال الشاعر: «أحمقنا تبدو حماقته على وجهين: تبدو في كل ما يعمل، وتبدو في كل ما يقول. وما تصدى يومًا لعمل إلا وهو منتهٍ بقلب سافله وعاليه، ونبش باطنه بأخفى خوافيه. يبني البيت فيقول: بالسقف نبدأ الآن، فنأمن المطر حين نبني الجدران والأركان، ويذهب إلى البئر فيقول: إن الماء ثقيل والطريق طويل، فلنحمله إذن في الغرابيل. ويخرج من الدار فيحمل معه الباب، وما دام الباب معه فلا خوف من السرَّاق والخراب! ويرفع البقرة إلى القباب لترعى على مد البصر بلا حجاز ولا حجاب، ودأبه الذي لا يمله أن يحسب الظلال كالدخان، لا يزال يمسحها ليل نهار عن طلاء الجدران. وإنه ليمضي في حمقه العجيب على نمطه الحبيب لا تستطيع أن تعلم المجهول مما سوف يعمل أو سوف يقول.»

فهذا الأحمق في قصيدة مرشاك هو الإنسان الأحمق حيث كان في كل صناعة، وفي كل طبقة، وفي كل أمة، وفي كل مكان.

وهكذا تطرد حركات الشعر في كثير من الأمم على هذا النحو إلى وجهة الشعر المطبوع. وكلمة الشعر المطبوع مرادفة لقول القائل: إن أصدق المقاييس للشعر أن يكون معبرًا عن طبيعة الإنسان الخالد، غير محصور في قيد من قيود البرامج والخطط أو التقاليد المفروضة على وجه من الوجوه.

والعهد بتاريخنا — نحن أبناء اللغة العربية — إننا في العصر الحاضر نحس الطوارق العالمية من حولنا، وأنها تؤثر في آدابنا وأساليب تعبيرنا، ولكنها لا تحيط بنا ولا تستغرقنا، ولا تقطع ما بيننا وبين أصولنا. ومهما ينجم في الآداب العربية من ناجمة، فهي كالفرع الذي يتشعب في مجراه العميم، أو كالسحابة التي تحوم في وجوه، أو كالغدير الذي يتخلف في بعض الطريق، ويبقى المجرى العميم على اتصاله بينبوعه واطراده إلى غايته، قديمًا جديدًا، كالبنية الحية التي لا تنقطع أبدًا عن قديم، ولا تخلو زمنًا من جديد.

والشعر القويم على الجملة هو الشعر المطرد في هذا المجرى العميم بما احتواه من جديد وقديم، ومنه ديوان «أنت أنت» الذي نظمه الأستاذ «محمد علي الحوماني»، ونظر فيه مجمع اللغة العربية بين ما وصل إليه من الدواوين، فخصه بجائزة الشعر هذا العام، وحمد له ما اجتمع له من شتى المزايا المطلوبة من سلامة اللغة، واستقامة المقاصد، وحسن التصرف في اختيار الموضوعات، واستوائه على نهج قويم بين المحافظة والتجديد.

ويتبين من موضوعات القصائد في شعر الأستاذ الحوماني، أن صاحب هذا الشعر قد تفتحت له منادح النظر إلى العالم العصري في حياته الواقعية؛ لأنه جال في أنحائه من مشرقه إلى مغربه، وشهد الكثير من أحداثه وأطواره في وطنه العربي على اتساعه، وفي سائر الأوطان الأجنبية ببلاد الغرب بين قارته الأوروبية العتيقة، وقارته الحديثة من شمالها إلى جنوبها. وحسبه أن يلامس الحياة في هذه البيئات المختلفة ليحس العالم العصري كما يبدو للشاعر العربي الذي يشترك بقرائه وإحساسه فيما يتصوره وما يراه.

ويحق لمن جرب هذه التجارب الواقعية، ونما على هذه الأرومة النابتة، أن يكون له مذهبه في المحافظة والتجديد على نمطه. ولن يكون الشاعر المجدد مجددًا حقًّا إن لم يكن له أسلوب في التجديد مستعار من تجاربه لا من تجارب الآخرين.

يقول الشاعر لمن يحسبون أن التجديد يقضي على القديم، ويوجب تبديل كل معهود: هل جددت طعامًا غير الخبز، وشرابًا غير الماء؟ أو غير الماء جددت شرابًا مستطابًا؟

ثم يقول مفاخرًا بالرجعية المنسوبة إليه متحديًا بها من لا يفهمها:

أنا يا مارق رجعي

طريفًا وتليدا

أنا مفطور على هذا

قيامًا وقعودا

كيف أنفك عن الرجعي

تراثًا وجدودا

إنها ملء دمي مجدًا

وإن ظنت جمودا

أبت الجدة في رأسك

كفرًا وجحودا

لا أرى الجدة إلا

أن أرى قومي أسودا

وأرى الروعة في الجدة

نارًا وحديدا

وتغشيني مع الليل

ركوعًا وسجودا

نعم: صعود وصمود، أو ارتقاء وبقاء، وكل ما عدا ذلك فهو صعود كصعود الغبار في مهب الهواء، ويخنق الأنفاس، ويعمي الأبصار، ويحجب الفضاء.

وقد استحق الشاعر وصف الرجعية عند من عابه بها؛ لأنه خاطب النبي عليه السلام بصفوة صالحة من قصائد الديوان، وهو خطاب لم يمنعه أن يودع مناجاته كل ما تجيش به النفس من الأمل والشكوى، وأن يكون مجددًا واقعيًّا في أمله وشكواه، ولكن وصف الرجعية إنما أصاب الشاعر عذر من عابه بها؛ لأنه وجَّه الكلام إلى نبي الإسلام وقد ولد قبل ألف وأربعمائة عام.

وتشاء المصادفات — وأنا أقرأ مناجاته تلك — أن يصل إليَّ البريد وفيه أحدث مجموعة من الشعر الديني ظهرت في طبعة من أشهر الطبعات تنتشر كتبها بعشرات الألوف، بل بمئات الألوف. وليس لهذه المجموعة غير موضوع واحد من صفحتها الأولى إلى صفحتها الأخيرة بعد المائتين، وذلك هو موضوع الشعر الديني إلى العصر الحديث. وفي مقدمة المجموعة يقول الناشر: إنه عني بنشر هذا الشعر لأنه محصول التجربة الإنسانية في «الحب والموت والفرح والحزن والإيمان»، ويقول الجامعان: إنهما يستأنفان باختبارهما عملًا بدأ منذ خمسين سنة، ولم ينقطع في الفترات التالية إلى الفترة الأخيرة، ولكنهما يتوخيان المجموعة الحديثة أن تكون مما يُحمَل في الجيب، ويُقرَأ في شتى المناسبات طوال العام، أو كأنهما يقولان مع شاعرنا الحوماني: إن الصمود لا يمنع الصعود، وإن تحية المجد العريق لا تقترن بالجمود ولا بالجحود.

على أن الأستاذ الحوماني ينظم في مقاصد الشعر المنوعة كما ينظم في مناجاة النبي عليه السلام، ويجيد في الوصف والحماسة والشئون الاجتماعية والغزل إجادته في التوسل والدعاء. وشاعر «أنت أنت» هو الذي يقول في حواء الملهمة:

أباعثتي قبل الأربعين

جديد الصبا قلق المضجع

مشت بيَ أيامك القهقرى

من الأربعين إلى الأربع

ويمزح إذا شاء فيقول: «من الأربعين إلى أربع!»

وهو القائل عن «الكونا» أو الحصة التجارية في التموين، ويسميها باسمها على ألسنة أصحابها:

يا لها عينًا ترى الظمآ

ن في القفر العبابا

كلما زادته قربًا

منه زادته التهابا

***

فإذا العين زجاجًا

وإذا الماء سرابا

ويقول فيها من القصيدة بعينها:

أنت يا كونا تباركـ

ـت فصفحناك قوتا

***

وحشوت الحماء الوا

دع منا جبروتا

ولهذه القصيدة — كما رأينا — قافيتان بائية وتائية، وهذه الوسيلة — وسيلة تعديد القافية في البحر الواحد — إحدى وسائل الشاعر في التصرف بالأوزان مع التصرف بالأعراض والموضوعات. وقد يعمد إلى تعديد القافية والوزن في القصيدة الواحدة على أسلوب قريب من أسلوب الموشحات، كما صنع في قصيدة الشمس الغاربة؛ إذ يقول:

قم بنا نصعد

إلى غار حراء

حيث نبت العز

جم الخيلاء

نسأل الأحجار عـ

ـن وحي السماء

كيف حلالها رموزا

تملأ الدنيا كنوزا

وتولونا عزيزًا فعزيزا

وغير هذه الوسيلة وسائل من قبيلها أراد بها الشاعر أن يقرن التصرف بالمَبْنَى إلى التصرف بالمعنى، وأضاف من ثَم حجة جديدة إلى كفاية الشعر العربي لمجاراة أشعار الأمم في عصرنا؛ فهو لا يضيق لغة ولا وزنًا بما شاء الشاعر من مقصد أو أداء. ومثل هذا التصرف السائغ من هذه المحافظة المحمودة جدير بالتقدير من مجمع اللغة العربية في مناسبته. ولعله تقدير جاء مسجلًا لاعتراف قراء الدواوين التي نظمها الشاعر منذ سنين، وحبذا التسجيل بعد اعتراف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.