صدق من قال: «إن مؤلفات الكاتب ذريته.»

وصدق الوالد الذي سُئِل عن أحب أبنائه إليه، فقال: «الصغير حتَّى يكبر، والغائب حتَّى يحضر، والمريض حتَّى يشفى.»

وشأن الكاتب في حبِّه لمؤلفاته كشأن الوالد في حبه لولده، فليس الكاتب بالحَكَم العدل بين آثار قلمه؛ لأنه قد يُؤْثرُ منها الصغير حتَّى يكبر، أو يُؤثر الغائب والمريض، إذا فهمنا الغائب بمعنى المحتجب الذي لا ذكر له، وفهمنا المريض بمعنى المُصاب الذي يحتاج إلى العطف والدواء.

وأصحُّ من ذلك أن يُقال: إن الكاتب لا ينسى كتابه الذي كلَّفه عناءً لم يتكلفه في سواه، ولا يلزم من ذلك أن يكون خير ما كتب؛ لأن المرجع في عناء التأليف قد يَئول إلى ظروف الكتابة، أو يَئول إلى وسائلها دون موضوعها.

ومن ذاك أنني لا أنسى كتابي عن ابن الرومي، أو كتابي عن عمر بن الخطاب، بين العبقريات.

لأنني تعبت في مراجعةِ كل بيت من شعر ابن الرومي كي أستخلص منها عشراتٍ من الأبيات تدل على حياته، موافقةً لعنوان الكتاب، وهو: ابنُ الرومي، حياته من شعره.

ولم تنتهِ متاعب الكتاب عند هذا العناء في المراجعة والمقابلة بين أشعار الرجل وأخباره، بل أردت أن أتحدَّى الشُّؤم الذي اشتهر به هذا الشاعر المظلوم، فشاءت المصادفة أن يتحداني هذا الشؤم الموهوم … وتعاقدتُ على طبع الكتاب مع مدير مطبعة مصر الدكتور سيد كامل — رحمةُ الله عليه — فدخلتُ السجن ومات الدكتور سيد قبل الانتهاء من ملزمته الأولى! وكتبتُ بعض الفصول بين القيود والسدود.

أما كتابي «عبقرية عمر» فقد كتبتُ فصوله الأولى مرتين؛ لأنني سافرتُ إلى السودان في أيام الحرب العالمية وعهدتُ إلى بعض أصدقائي بجمع أوراقي التي أشتغل بها في حقيبة السفر، فوضع مخطوطات القصائد بدلًا من مخطوطات العبقرية العمرية، وأُحرق الكثير من هذه الأوراق المخطوطة مع المذكرات والصور والرسائل التي أحرقناها على عجل؛ حذرًا من وقوعها في أيدي الأعداء وإصابة المذكورين فيها بسوء … فلما وجدتُ فراغًا من الوقت في دار الهجرة بالسودان أتممت الكتاب بعد أن أَعدتُ كتابةَ فصوله الأولى، فكانت تجربة من تجارب التأليف لا تُنسى، ولم أنسَ معها فضل الإخوان السودانيين الذين أَمدُّوني بكل ما سألتُ عنه من مراجعه التاريخية.

لكنني — مع هذا — لا أقول إن عبقرية عمر أحبُّ العبقريات إليَّ، ولا أقول إن كتابي عن ابن الرومي يغنيني عن سائر كتبي الأدبية، وإن كان لهذا الكتاب أو ذاك الكتاب قصةٌ فريدةٌ في تجارب التأليف لا تُنسى.

وليس باليسير عندي — ولا عند المؤلفين عامة — أن أختار كتابًا ولا أختار غيره، إذا كان معنى الاختيار أنني أحتفظ به وأطرح ما عداه، ولو كنتُ في سفينة الطوفان.

وليس في وسعي أن أنظر إلى كلمة الحب إذا ذُكِرَتْ مع الكتب، بمعنى واحد؛ لأنَّ لكل كتابٍ حبًّا غير حب الكتب الأخرى، على حسب موضوعه وغرضه … وقد أحببتُ من موضوعات الكتابة بمقدار ما أحببتُ من موضوعات الشعراء، وكَتبتُ في معظم الأغراض التي أحببتُ القراءة فيها.

ولكنني أحببت كل غرض من أغراض القراءة بجانب من جوانب النفس يستأثر به، وإن لم ينفرد به كل الانفراد، عن سائر الأغراض.

فأحبُّ القراءات إلى «ذوقي» قراءة الشعر والأدب وتراجم العبقريات.

وأحبُّ القراءات إلى «فكري» قراءة التاريخ الطبيعي، والتاريخ الإنساني.

وأحبُّ القراءات إلى «وجداني» قراءة العقائد والمذاهب فيما وراء الطبيعة.

وأقرب القراءات إلى شواغل حياتي قراءة المباحث الاجتماعية، وما يتَّصل بها من الدراسات النفسية.

وليس في وسعي — بالبداهة — أن أَفْصِل بين هذه الدواعي النفسية حين أطرق بابًا من أبواب التأليف، فقد يجمع الكتابُ الواحدُ بعضَ هذه الدواعي المتفرقة، وقد يجمع في جملته كلَّ ما يدعوني إلى قراءة الشعر أو علم النفس أو مباحث الطبيعة وما بعدها، فلا ينفرد عندي بهوًى واحد من أهواء الأبوة الأدبية، وقد يكون الابن الواحد ملتقى كل هذه الأهواء.

فمن الإنصاف — إذن — أن أبتعد بإرادتي وهواي عن أمانة التفرقة بين كتاب وكتاب، أو بين موضوع وموضوع، وأن نعود بالتفرقة إلى قسطاس — كالموازين — تتساوى عنده أسباب الاختيار جهد المستطاع، وهو قسطاس السنين، وليس لهذا الحكم من هوى يجنح إلى هنا وهناك غير هوى السنين.

ونعني بالسنين سنوات التأليف منذ أعددتُ الكتاب الأول للمطبعة قبل العشرين، فإذا قدَّمَت لي كلُّ فترة من هذه الفترات كتابًا بالاختيار لي في زمنه، فمن اليسير أن نفتح صفحاته على صفحة نحب أن نعيد قراءتها، بعد أن زالت عنها مع الزمن فتنة الجديد.

ولا سبيل في هذا الاختيار لغير اختيار واحد، وهو اختيار العبارة الوجيزة التي لها كفايتها بذاتها؛ إذ لا مُتَّسع للعبارة التي تتوقف على ما قبلها وما بعدها، ولا للفصل المطوَّل الذي قد يستغرق وقت الحديث فلا يَبقى بعده بقيةٌ لفصل مثله، ولا متَّسع كذلك لتلخيص الكتاب بعد الكتاب؛ فإن الكلام الملخَّص لا ينقل الأثر، بل يُنقَل عنه، فضلًا عن الإطالة في هذا المجال.

وعلى هذا الحكم — حكم السنين — نعود إلى ما قبل العشرين، ونبدأ المطاف بالصفحة الأولى من «خلاصة اليومية» وهي تعليقات كُتِبَتْ قبل سنة ١٩١٠ وتبتدئ بالكلام على الجامعة الإنسانية، فتقول:

إنَّ انفراد كل صنعٍ بخصوصيةٍ تُميِّزه عن سواه، وتقدم الناس إلى الاشتراك جميعًا في الحاجة إلى تلك الخصوصيات، بنسبة اتساع مطالبهم تبعًا لتقدم العمران، مما يدل على أن كلَّ الناس مرتبطون بِكُلِّ الأرض، وأنَّ حواجز الأوطان ستنطمس معالمُها؛ لتصير الأرض الوطن العام لنوع الإنسان. وهذه الحركة الاقتصاديةُ التي جاذبَتْ بين أبعد الشعوب لتبادل المنفعة ستؤدي حتمًا إلى توحُّد المصالح العامة بين الأمم، بحيث تتضامن كلُّها في الانفعال بالعوامل الاقتصادية التي تؤثر على بعضها، وهو ما يُؤْذنُ بانقضاء الحروب وسيادة السكينة والسلام.

***

وتقول رسالة «الإنسان الثاني» التي كتُبِتْ في ذلك الوقت عن حرب المجتمع الذي يتنازع فيه الرجال والنساء على الأرزاق:

فهذا المجتمع معركةٌ ضروس، والنساء فيه آسياتُ جروحه، وضامدات كلومه، وجابراتُ كسوره، فكيف به وقد طرح آسياتُه المراهم واللفائف، وتبدَّلنَ منها الخناجر والقذائف، ثم برزن للنضال بين المتناضلين؟! … أعوذ بالله! إن المجتمع ليكونن ساعتئذٍ كأنه قطيعٌ من الذئاب قد أضراه الجوع والسُّعار، فانبعث عاديًا عاويًا، يتخطف كلَّ من مسَّه الكلال، فوقع من بينه معيى، في بعض الطريق …

وعن شريعة الخير والقوة يقول «مجمع الأحياء»، وهو كتيبٌ أوحته الدعوة إلى حق القوة في إبان الحرب العالمية الأولى، ونُشِر للمرة الأولى بعد العشرين وقبل الثلاثين:

حسبُ الخير أنه — منذ اهتدى إليه الناس — تراجعت القوة وتمردت النفوس على شريعتها، فأصبح أقوى الأقوياء لا يَجرُؤ على الاعتداء والجور باسم القوة العمياء، إلا أن يتمحل لها المعاذير، ويتذرع لها بسبب من الحق والعدل، فبطل القول القديم: اعمل ما تستطيع! وخلفه القول الجديد: اعمل ما يحق لك عمله، وعامل الناس بما تحبُّ أن يعاملوك به …

ولست أعني أن القوة العمياء قد خضعت للحق كلَّ الخضوع، ودانت له في الصغائر والكبائر، … ولكني عنيتُ أن الناس لا يسلمون اليوم بظلمها، وإن اضطروا إلى الخضوع لها، ولا تقتنع ضمائرهم بشريعتها وإن لم تكن لهم حيلة في تبديلها …

ومن «مجمع الأحياء» أيضًا عن القوة والإيمان: «إنه لا يأس من أمةٍ ما بقي فيها استعدادٌ للعقيدة، وإنه لا أمل في أمة قد نضب فيها هذا المَعِين السماويُّ، مهما أعجبتكم ظواهرها، وغرَّتكم بوادرها، فإنه لا عمل بغير أمل، ولا أمل بغير إيمان …»

***

ومن مقالات الفصول التي كُتبت بين الثلاثين والأربعين هذه السطورُ عن الشعر الاجتماعي:

وربما سمعتَ اليوم بعض المتأدبين يُقسِّمون الشعر إلى اجتماعيٍّ وغير اجتماعي، ويعنون بالشعر الاجتماعي شعرَ الحوادث العامة، وبغير الاجتماعي ما يعني قائليه وحدهم.

هؤلاء يزعمون أن الشعر زاد عليه في عصرنا هذا بابٌ مبتكر واتسعت منادحه بالنظم فيما يهم الأمة، فلم يعد مقصورًا على الأبواب الخمسة المألوفة في الدواوين القديمة؛ وهي على الجملة: المدحُ، والفخر، والهجاء، والوصف، والرثاء. وهذا جهلٌ وغلطٌ بين أغراض الشعر الحقيقية التي تُفهَم من معناه وبين عناوين أبوابه في الكتب، وإلا فأيُّ شعرٍ أَقدمُ من الشعر الاجتماعي عند العرب؟! … فهذه دواوين شعرائهم الأقدمين والمُحدَثين، هل خلا أحدُها من قصائد في كلِّ واقعة من الوقائع التي كانت تهمهم يومئذ؟! وهل مجرد حدوث الوقائع في القرن العشرين لا في القرن العاشر أو الخامس جاعلٌ للشعر المنظوم فيها روحًا جديدًا أو نمطًا مبتكرًا؟!

ثم إننا لا نعرف شعرًا يرويه الناسُ ويقال إنه يعني قائله وحده؛ لأن شعر النفس يعني كلَّ نفس، والشعرُ الذي لا يعني قُرَّاءه لا يستحق أن يُنظَم، وما من شعر نُظِمَ إلا وهو بهذا المعنى شعرٌ اجتماعي؛ لأنه يُبنَى عن حالة المجتمع ويؤثِّر فيها، وإن لم يكن اجتماعيًّا بمعنى أنه لم يخاطب الأمةَ أو يدوِّن حادثًا قوميًّا أو عملًا من أعمال الجماعات، وربما خدعك الشعر الاجتماعيُّ عن حالة الأمة لخطأٍ في رأي صاحبه وانحرافٍ في نظره إلى الحوادث وتقديره لها ولم يخدعك شعرُ الغزل معًا، وهو أخصُّ القول بقائليه، لأن الغزل هو في آنٍ واحد مسبارُ نفس الرجل ومعيارُ قيمة المرأة، ومِن رأي ماكولي نقَّادة الإنجليز ومؤرخهم أن أغانيَ بترارك الشاعر الإيطالي الغزِل قد جلت عن المرأة الإيطالية هوانها ورفعت من شأنها مع نهضة إيطاليا، وليس هذا الرأي بغريب عند من يعلمون العلاقة بين الغزل وحالة المرأة ونهوض الأمة …

***

ومن زاد الأربعين كتاب عن الشاعر ابن الرومي تُقتبَس فيه ترجمةُ حياته من شعره، ومنه هذه السطور في إحساس الشاعر وحبه للحياة، وعلاقة ذلك كلِّه بعبقريته الفنية!

إن المرء لا يحب الحياة على قدر سعادته بها واستجابة آماله فيها، كما أن المرء لا يحب المرأة على مقدار ما ينال من حظوتها ويغنم من إقبالها، بل يحب هذه أو تلك كلما امتلأت بها نفسه واشتغل بها حسه، واشتبكت بها ذكرياته، وامتزجت بها رغباته … وابنُ الرومي كان صاحب نفس لا تُوصف إلا بأنها أداةٌ مهيأة للنظر والسمع والتلقِّي عن الوجود من حيثما أُلقي إليه بأثر من آثاره وخبرٍ من أخباره، دقَّ أو جلَّ وأسعد أو أشقى:

العينُ لا تنفك من نظرِ

والقلب لا ينفك من وطرِ

ومن أبهر ما يبهرك في هذه اليقظة الحسية، حاسةُ اللون الذاكية المُتوهِّجة التي تطالعك من كل وصفٍ يَصِف به الوجوه، أو الأزهار، أو الكئوس، أو الحُلِي، أو غيرَ هذه المناظر التي تلامس البصر بألوانها:

يا وجنتيه اللتين من وهجِ

في صدغيه اللذين من دعجِ

ما حمرةٌ فيكما؟! أمن خجل

أم صبغة الله أم دم المهجِ؟!

***

وشرابنا ورديةٌ

لكئوسها شرر يطير

حمراءُ في يد أحمر الـ

ـوَجنات ملثمه بهير

وليست حاسة البصر منفردة بهذه القوة بين حواس ابن الرومي، ولا حظُّها من الذكاء والتوفُّر بأوفر من حظ غيرها؛ فإن الرجل كان يسمع ويشم ويذوق ويتلمس كما كان يبصر ويتصور:

صوتٌ نديٌّ وأنفاس مساعدةٌ

كأنما نَفَسٌ منهن أنفاس

***

مدَّ في شأو صوتها نفس كا

فٍ كأنفاس عاشقيها مديد

فيه وشيٌ وفيه حليٌ من النغـ

ـم مصوغٌ يختال فيه القصيد

***

ذات صوت تهزه كيف شاءتْ

مثلما هزت الصبا غصنَ بانِ

فهو يحكي ترقرق النهي في الريـ

ـح لعينيْ ذي غلة صديانِ

وحاسةُ اللمس في هذه الأداة الحسية اليقظى؛ كحواس البصر، والسمع، والشم، والطعم في الدقة والرفاهة:

يا حبذا ليلُ أيلول إذا بردت

فيه مضاجعنا والليل سجواءُ

وجحش الجلد فيه القرُّ فائتلفت

من الضجيعين أحشار وأحشاءُ

فهذه أيها القارئ نفس تامةُ الأداة تشعر شعورًا شديدًا بالحياة:

ودامت الدنيا له غضةً

كأنها الجارية الناهدُ

***

ومن قصة «سارة» وهي وُسطى بين الأربعين والخمسين وصف بطلتها كما رآها بطلُ الرواية همام:

هي جميلةٌ … جميلةٌ لا مراء، وليستْ أجملَ مَنْ رأى همامٌ في حياته ولا أجملَ مَنْ رأى في أيام فتنته وشغفه، ولكنها جميلةٌ جمالًا لا يختلط بغيره في ملامح النساء، فلو عمدت إلى ترتيب ألف امرأة — هي منهن — لنظمتهن واحدةً بعد واحدة في مراتب الجمال المألوف، ونحَّيتَ سارة عن الصف وحدها، وإن كنت لا تنكر — ولا تبالي أن تنكر — أنها تأتي بعد مئات.

… يتخطاها من يراها على عجل، ثم يعود مدركًا أنه قد تخطى شيئًا لا يُفات، فليست من الروعة بحيث تقسرك على التحديق فيها، وليست من سهولة المرأى بحيث ترسلك ناجيًا في سبيلك، قوام بين هذا وذاك.

… استغرقتها الأنوثة فليس فيها إلا أنوثة، ولعلها أنثى ونصف أنثى، لأنها أكثر من امرأةٍ واحدة في فضائل الجنس وعيوبه …

***

ولنودِّع الخمسين عند أقدس ذكرياتها من «عبقرية محمد» صلوات الله عليه، واقفين منها على باب المستقبل الذي لا تحده السنون ولا الدهور:

إنَّ يوم الغار ليومٌ له عبرته وعزاؤه في كل يوم، ولا سيما أيام القلق والحيرة والانتظار.

إنه يوم عقيدةٍ فهو يوم رجاء، ويوم نظرٍ إلى المستقبل الذي ينظر إليه من ليس له رضا في عهده، وحاضرُ العالم في عهده لا يُرضي أحدًا من مُحبِّيه.

… وليذكر هذا جميعه من يتحفَّزون للنهوض، ومن يبتغون الحركة، ويقودون الخطوات المقبلة في عجلة أو أناة … لن تتحرك أمةٌ إلا إذا فتحت أمامها باب المستقبل، ولن تلتفت إلى الماضي إلا إذا كان فيه التقاء بالمستقبل، ولن تعيره الحياة إلا وهو مبعوث من جديد في صورة الخلق الجديد.

ليذكر هذا من يحارون في أمر العالم اليوم وهو غارقٌ في دمائه، ضائق بحاضره، مُعرِضٌ عن ماضيه.

فيمَ يحار؟ … في طلب المستقبل، في طلب العقيدة، في طلب المسوِّغ للوجود؛ لأن الوجود وحده لا يكفي الإنسان، إلا أن يكون على طبقة مع الحيوان.

فالإيمان للمستقبل … وعسى أن يكون المستقبل للإيمان.

***

وإلى المثل الأعلى في الإحسان تعجل بنا الخطى إلى الكتاب الأخير في تاريخ صدوره، إلى المحسن المعلم الذي نعلم منه كيف نصغر الإحسانَ ونكبره غاية الإكبار في آنٍ: «إن فضل هذه الفضيلة يُستصغَر في هذه السِّيرة ليبلغ غاية الكبر الذي تبلغه سجيةٌ إنسانية، فقُلْ إنْ شئتَ: إنه لا فضل لمحمد عبده في إحسانه إلا كفضل الأب في إحسانه إلى البنين، ولكنك — إذن — تشهد بالفضل الذي لا فضل بعده لمن تملكه رحمته بجميع الناس كما تملك الأب رحمته ببنيه.»

وبعدُ … فنحن ننتهي — بإذنكم — من هذه المتفرقات بكل معنى التفرقة في السنين والموضوعات وجوانب النظر والشعور، وعلينا أن نجمعهما في موضوع واحدٍ لكلِّ مقال وكل زمان؛ فهو موضوع الإنسان والإنسانية، ولا موضوع لنا، ولكم، سواه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.