وأخيرًا قرأ المصريون مذكرة الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية بطلب المفاوضات، ورد الحكومة البريطانية عن هذه المذكرة.

قرءوا هاتين الوثيقتين بعد أن ألحوا أشد الإلحاح في أن تتخذ حكومتها خطوة حاسمة، فتكتب مذكرتها لتتلقى عليها رد البريطانيين، وليعرف المصريون أين هم وماذا يراد بهم.

ويجب أن نسجل — في كثير من الحزن والمرارة — أن المصريين قد بذلوا جهودًا عنيفة حقًّا ليحملوا حكومتهم على أن تخطو هذه الخطوة. فلم تكد الحرب تضع أوزارها حتى طالب الوفد بحقوق مصر كاملة في مذكرة صريحة لا عوج فيها ولا التواء، واضحةً لا لبس فيها ولا غموض، قويةً لا ضعف فيها ولا وهن. ثم جعل الشعب يلح على الحكومة في أن تطلب من الطريق الرسمية تحقيق المطالب الوطنية. فوضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وقتًا حتى إذا أحرجوا ولم يروا بدًّا من القول والعمل؛ آثروا القول وأرجئوا العمل، فصرَّح رئيس وزرائنا في البرلمان في أواخر أغسطس بأنه لن يهمل أي فرصة تسنح ليدخل مع الحليفة في مفاوضات لتحقيق المطالب الوطنية. ونام الوزراء والبرلمان على هذا التصريح شهرًا كاملًا، فلم يقولوا شيئًا ولم يعملوا شيئًا، وظلَّ الشعب يقول ويقول ويطالب ويلح في المطالبة، والوزراء مغرقون في النوم لا تبلغهم أصوات الشعب، حتى أيقظهم صوت واحد يخافونه أكثر ما يخافون الشعب كله، وهو صوت صدقي باشا الذي أنكر عليهم سياسة كسب الوقت لأمر يعلمه الله ويعلمه صدقي باشا ويعلمه الوزراء، ويكاد المصريون يعرفونه.

هنالك اجتمعت الهيئة السياسية ذات الصوت البعيد والشهرة العريضة الواسعة، فقررت أن الوقت الحاضر في سبتمبر كان أشد الأوقات ملاءمة للأخذ في المفاوضات، ووافقها مجلس الوزراء على هذا القرار. ثم نام الوزراء ونامت الهيئة السياسية، ومضى البرلمان في النوم، وظل الشعب يقول ويقول، ويطالب ويلح في المطالبة، والسادة القادة والساسة المحنكون مغرقون في نوم عميق لا تبلغهم أصوات الشعب. والصحف البريطانية راضية عن نومهم، مثنيةٌ على إيثارهم للعافية وحرصهم على الراحة، ساخرةٌ من يقظة الشعب ومطالبته بالجلاء ووحدة وادي النيل. حتى أيقظ القوم صوت يخافونه أكثر مما يخافون صوت الشعب وأكثر مما يخافون صوت صدقي باشا، وهو صوت المستر بيفن الذي صرح ذات يوم في البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ من مصر طلبًا رسميًّا للدخول في المفاوضات. وكان صدقي باشا أسرع القوم إلى الاستيقاظ؛ لأنه فيما يظهر أكبر القوم سنًّا وأخفهم نومًا وأدقهم حسًّا وأكثرهم درايةً بمهاب الرياح. فقد صال صدقي باشا وجال وأنذر ثم استقال. ومضت الأمور بين نوم واستئناف لليقظة، حتى هبَّ المجاهدون الكبار والمجاهدون الصغار، فأثاروا أزمة أي أزمة، واستقالوا أو أنذروا بالاستقالة، وأقرتهم الهيئة السياسية على ما أرادوا، وتلكأ مجلس الوزراء ثم أذعن وأقر ما أراد المجاهدون الكبار والصغار، وما أرادته الهيئة السياسية، وكتب المذكرة وأرسلها إلى الإنجليز، فذهبت إليهم متلكئة في سفرها مبطئة في سيرها كما تلكأ أصحابها في تصورها، وكما أبطئوا في كتابتها، وكما ترددوا في إرسالها. وقد ظلت الحكومة المصرية تتردد في أمر هذه المذكرة من آخر شهر أغسطس إلى العشرين من شهر ديسمبر. في ذلك اليوم وصلت المذكرة المصرية بارعة الحسن رائعة الجمال، تصد بخدٍّ وتجلو عن خد كما يقول بشار، إلى وزارة الخارجية البريطانية، فتلقاها البريطانيون لقاءً فاترًا واستقبلوها استقبالًا هادئًا، وأخذوا ينامون كما نام المصريون. ولكن جو بريطانيا العظمى لا يغري بالنوم كما يغري به جو مصر، فلم ينم البريطانيون إلَّا شهرًا على حين نام المصريون شهرًا وشهرًا وشهرًا. وأخيرًا استيقظ البريطانيون متثاقلين من نومهم هذا القصير، فردُّوا على المذكرة المصرية. والغريب أنهم استيقظوا في الوقت الذي أثار فيه وزير الخارجية المصرية من ناحية، وكبار المجاهدين وصغارهم من ناحية أخرى أزمتهم تلك حول مجلس الأمن واختصاصه بالنظر في المسألة المصرية. ولكن استيقاظهم في هذا الوقت كان مصادفةً لا أكثر ولا أقل، فقد كان الضجيج شديدًا وكان الضجيج مقلقًا. كان الإيرانيون يعرضون قصتهم على مجلس الأمن، وكان السوريون واللبنانيون ينذرون بعرض قصتهم على مجلس الأمن، وكان الروسيون يعرضون قصة اليونان وقصة إندونسيا على مجلس الأمن، وكان وزير الخارجية المصرية يعلن أن مصر لن تعرض قصتها على مجلس الأمن. وكانت هذه الأصوات كلها تحدث ضجيجًا وعجيجًا وهرجًا ومرجًا، وكان صوت وزير الخارجية المصرية وحده هو الصوت العذب الرقيق الرفيق الرشيق. والناس يختلفون فيما أيقظ الإنجليز: أهي خشونة تلك الأصوات المنكرة التي كانت تعرض القصص على مجلس الأمن أو تنذر بعرضها عليه؟ أم هي عذوبة هذا الصوت المصري الذي أعلن أنه لن يعرض على مجلس الأمن شيئًا؟ وعلى كل حال فقد استيقظ الإنجليز — في الوقت المناسب — من نومهم القصير.

وكان استيقاظهم في هذا الوقت بعينه مصادفة لا أكثر ولا أقل، ولكنهم استيقظوا على كل حال، وأرسلوا ردَّهم إلى مصر في أشد الأوقات ملاءمةً لإرساله. في نفس الوقت الذي استقال فيه جماعة من الوزراء احتجاجًا على وزير الخارجية وعلى صوته العذب الرقيق، وكان صوت هذا الرد في وقت هذه الأزمة وفي أشد الأوقات ملاءمة لوصوله مصادفة لا أكثر ولا أقل. ولم يكن الرد البريطاني أقل دلالًا ولا استحياءً ولا إيثارًا للفتنة والتمنع من المذكرة المصرية.

فقد وصل الرد البريطاني ولم يصل، وبلغ رئيس الوزراء ولم يبلغه. اضطربت بعض ألفاظه في الطريق، فلم يكن بد من السؤال والاستفسار والتصحيح. والمهم أن الرد قد وصل — في الوقت المناسب — فانحلت الأزمة وانجلت الغمرة، وعاد الوزراء المستقيلون إلى مناصبهم. وقرأ المصريون صباح اليوم مذكرة الحكومة المصرية، ورد الحكومة البريطانية، فماذا قرءوا؟ لم يقرءوا شيئًا؛ لأن المذكرة المصرية فاترة أشد الفتور، يدلُّ كل شيءٍ فيها على أنها كلام قومٍ نائمين، كتبوها قبل أن يستيقظوا استيقاظًا تامًّا. كتبوها ولما يغادر النعاس أجفانهم، فلم تتح لهم قوة وهم الأقوياء، ولم يتح لهم حزم ولا عزم وهم أصحاب الحزم والعزم. رأوا فيما يرى النائم أنهم يكتبون مذكرة يطالبون فيها بالحقوق الوطنية، فلما فاقوا وجدوا المذكرة مكتوبة فأرسلوها. فهم يطلبون في كثيرٍ جدًّا من الفتور وفي كثيرٍ جدًّا من اللين والنعومة أن تفكر الحكومة البريطانية في أن الوقت قد أصبح ملائمًا لإعادة النظر في المعاهدة؛ لأن هذه المعاهدة قد وقِّعت متأثرة بظروف وأحداث اقتضت تقييد الاستقلال المصري، وقبل المصريون هذه القيود متأثرين بتلك الظروف والأحداث، معتقدين أنها موقوتة تزول بزوال الظروف والأحداث. وقد زالت الظروف والأحداث بانتصار الحلفاء وبإنشاء جامعة الأمم المتحدة، واستنفدت الحرب نصوص المعاهدة وأصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذه النصوص.

وقد نوهت المذكرة بمعونة مصر للحلفاء تنويهًا عامًّا غامضًا بريئًا من كل وضوح أو تحديد. ومهما يكن رأيي في هذه المذكرة فلن أستطيع أن أهمل شيئين أظن أن المصريين جميعًا سيقفون عندهما وقوفًا طويلًا.

الأول: ما جاء في المذكرة من أن مصر تعرف واجبها في الدفاع عن أرضها، وهي لن تتردد في بذل تضحية مهما تكن لتقوية جيشها، بحيث يستطيع أن يثبت للمغير حتى تبلغه نجدات الحلفاء ونجدات الأمم المتحدة.

في هذا المعنى شيءٌ ظريفٌ حقًّا، هو أن مصر تسجل في طلبها للمفاوضات عجزها عن الدفاع عن أرضها مستقلة بهذا الدفاع. فكل ما تقدر عليه من التضحيات الهائلة التي ستبذلها هو أن تثبت للمغير حتى تأتيها النجدة من حلفائها، ثم من الأمم المتحدة. فمصر تقرر قبل الدخول في أي مفاوضة أنها ستظل محتاجة إلى نجدة الحلفاء. وماذا يطلب الإنجليز أكثر من هذا، وفيما المفاوضة ما دامت مصر معترفة بأنها ستحتاج دائمًا إلى نجدة حلفائها البريطانيين. وإذا كانت هذه الحاجة مقررة معترفًا بها، فقد يستطيع الإنجليز أن يقولوا: لِمَ لا تكون النجدة التي تحتاجون إليها باعترافكم مستقرة في أقرب مكان ممكن بحيث تبلغكم دون أن يطول انتظاركم لها؟ والخير أن تستقر في أرضكم فإن لم يكن بد من أن تستقر خارج أرضكم، فالخير في أن تهيأ لها القواعد التي تستطيع أن تنجدكم منها متى وصلت إليكم. فقد يجب أن تكون في أرضكم قواعد للطائرات، وفي ثغوركم قواعد للسفن، وفي أرضكم أيضًا قواعد يأوي إليها الجيش المنجد. وقد ينبغي أن نكون قادرين على الانتفاع بهذه القواعد في أسرع وقت ممكن، فالحرب لا تحب البطء ولا تعرف الانتظار.

وكذلك يمهد المفاوض المصري لخصمه البريطاني وسائل الاستمساك بالاحتلال أو بما يشبه الاحتلال. ولو كان الذين كتبوا هذه المذكرة أيقاظًا حين كتبوها؛ لأتاح لهم أيسر الفطنة أن يخلصوا من هذه الجملة التي أريد أن أعتقد أنها كتبت عن خطأ لا عن عمد.

أمَّا الشيء الثاني، فهو هذه الجملة التي أضيفت إلى المذكرة وكأنها لم تكن منها، وإنما أضيفت إليها على سبيل الاحتياط، وأضيفت إلى آخرها في غير تحفظ، كأنما نسي الذين كتبوا المذكرة شيئًا ثم ذكروه فسُقط في أيديهم وأضافوه على عجل. وهذه الجملة المبهمة الغامضة المقحمة التي وصلت بالمذكرة وصلًا في آخر لحظة هي التي تتعلق بالسودان.

أمَّا المذكرة البريطانية فائقة في الدهاء السياسي وفي الصراحة التي لا تصرح عن شيء. فهي تنبئ الحكومة المصرية بأنها تلقت مذكرتها، وتعتذر عن الإبطاء في الرد بالظروف الدولية، وبحاجتها إلى الدرس، وهي تسلم بوجهة النظر المصرية فلا تكره أن تبدأ المفاوضات قبل أوانها الذي حددته المعاهدة.

وكانت الحكومة المصرية قد طلبت أن يشخص وفد مصري إلى لندرة للأخذ في هذه المفاوضات، فأجابتها الحكومة البريطانية بأنها سترسل في وقت قريب تعليمات إلى سفيرها في القاهرة للبدء في محادثات تمهيدية. وإذن، فلن يشخص الوفد إلى لندرة إلَّا بعد أن تمضي المحادثات التمهيدية مع السفير شوطًا بعيدًا؛ ليتبين الفريقان مكان الفائدة من شخوص الوفد إلى لندرة.

وهذا أول الشرِّ، وإن شئت فقل: هذا أول الرفض. فقد يظهر أن الحكومة البريطانية ترى أن سفر الوفد إلى لندرة ليس من السهولة واليسر، بحيث تظن الحكومة المصرية. فلنتحدث في مصر فإن رأينا الحديث مجديًا أمكن الاستمرار فيه من وراء البحار وإلَّا وقفنا حيث نحن، ولم يتكلف الوفد المصري جهدًا ولا عناءً. وفيمَ نتحدث في القاهرة؟! لقد رسم الرد البريطاني موضوع هذه المحادثات المقبلة، فالحكومة البريطانية ترى قبل كل شيء أن مبادئ المعاهدة الأساسية ما زالت سليمة في جوهرها، على حين يرى المصريون أن هذه المبادئ لم يبقَ لها معنًى بعد انتهاء الحرب وإنشاء جامعة الأمم المتحدة. ومن هذه المبادئ الأساسية مشاركة الإنجليز المصريين في حماية القناة، فالمصريون يرون أن هذا المبدأ لا معنى له بعد انتهاء الحرب، والإنجليز يرون أنه ما زال سليمًا في جوهره. والإنجليز والمصريون جميعًا متفقون على وجوب التعاون بين الدولتين، ولكن الإنجليز يقيمون هذا التعاون على المشاركة بين الندين لحماية مصالحهما. وحكومة العمال تحب المشاركة وتحب الشركة، وتحب كل ما يتصل بالاشتراكية؛ لأنها حكومة اشتراكية فيما يظهر. والعبث بالألفاظ فن من فنون البيان، ولكن المصريين فيما يظهر لا يحبون شركة ولا مشاركة ولا تشاركًا، ولهم في الاشتراكية رأيٌ آخر. ثم ينتهي الرد البريطاني بأن الحكومة البريطانية قد أخذت علمًا بأن مصر ترغب في أن تكون مسألة السودان موضوعًا للمفاوضات.

وكذلك يقرأ المصريون هاتين المذكرتين فلا يخرجون من قراءتهما بشيءٍ إلَّا الخوف والشك وسوء الظن. ومهما يكن من شيء فقد ينبغي أن يعرف البريطانيون، وأن يعرف المصريون الذين يؤيدون هذا العهد الحاضر أن المحادثات التي ستبتدئ في القاهرة، سيقوم بها عن المصريين قوم، مهما تكن أقدارهم ومهما تكن مكانتهم الرسمية وغير الرسمية، فهم لا يمثلون الشعب ولا ينطقون بلسانه، ولا يعتمدون على تأييده ولا يملكون تقييده بشيء، فهم يستطيعون أن يأخذوا، ولا يستطيعون أن يعطوا. ومن الحق لكل مصري ومن الحق على كل مصري، أن يأخذ لوطنه ما استطاع من المنافع، ولكن ليس لمصري مهما يكن أن يقيد وطنه أو يُعطي من منافعه إلَّا بإذن من هذا الوطن ممثلًا في برلمان صريح يُنتخب انتخابًا حرًّا صريحًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.