كل المصادفات لا مصادفة فيها، ولكنها حوادث طبيعية ذات أسباب معروفة أو مجهولة، لا نحيط بجميع أسبابها؛ فنحسبها لذلك من قبيل المصادفات.

ونجرب الحوادث التي نزعم أنها «تصادفنا» حين تشتغل أذهاننا بموضوع من الموضوعات يستغرقها أو يكاد، فإننا نشعر يومئذ أن الخواطر المتداعية تسوقنا إلى ذلك الموضوع من كل طريق، فنعجب لهذه المصادفات، ولا شيء فيها من المصادفة.

يشغلني منذ شهور موضوع التخصص في العصر الحاضر؛ لأنه مشكلة ذهنية نفسية اجتماعية لا بد لها من حل موافق لحياتنا العصرية، ولم نعرف لها حلًّا يصلح لعلاجها حتى الآن.

إن التخصص ضرورة لا مناص منها؛ لأن العلم الواحد يتفرع ويتشعب حتى تتعذر الإحاطة بفرع واحد من فروعه، ودَعْ عنك الإحاطة بالفروع والأصول.

والتخصص — على هذا — ضرر لا شك في سوء مغبته على التفكير والحس الصادق، إذا انحصر فيه الذهن ولم يتعود أن ينظر حوله إلى كل اتجاه. فما العمل بين هذا الضرر وتلك الضرورة؟

وَرَدَ هذا السؤال على خاطري منذ الصباح ثلاث مرات أو أربعًا، كدت أحسبها كلها من المصادفات، لولا أن الموضوع حاضر في ذهني أعرف سبب الالتفات إليه.

ولم نكد ننتهي من جلسة المجمع حتى وَرَدَ هذا الموضوع على خاطري للمرة الرابعة أو الخامسة؛ إذ سمعت من طبيب فاضل — لمناسبة السؤال عن شم النسيم — أنه مدعو للإفطار في ذلك اليوم عند أسرة كريمة، حدثني كثيرًا عن عميدها رحمة الله عليه، وهو لا يعلم أنه الناظر الذي تلقيت عليه دروسًا شتى في عدة علوم.

كان هذا المعلم المطبوع يؤلف الكتب المدرسية في الرياضة والجغرافيا والترجمة، ويتقن تعليم هذه الدروس جميعًا للتلاميذ المبتدئين والمتقدمين.

وكنت أذكره كلما ذكرت التخصص وتعدد الجوانب، فلما حدثني عنه الطبيب الفاضل — وهو لا يعلم أنه أستاذي القديم — عجبت لهذه المصادفة في هذا اليوم.

وما كانت مصادفة في الواقع، ولكنني جعلتها مصادفة؛ لأنني كنت مشغولًا بموضوع التخصص وتعدد الجوانب، ولولا ذلك لما خطرت لي فكرة المصادفة على بال.

ونعود إلى موضوع التخصص، فنسأل: ما هو الحل الموافق لهذه المشكلة؟

أقول إنه تدريس المعلومات العامة إلزامًا، وتقرير سنة دراسية على الأقل في كل فرع من الفروع لإبراز العلاقة أو العلاقات بين مادة التخصص وبين العلوم الأخرى.

وإلا فنحن صائرون إلى زمن كالزمن الذي حدثنا عنه نيتشه، حيث قال: «إنه زمن الأذن الكبيرة والعين الكبيرة واللسان الكبير، ولا يتسع مثل هذا الزمن لإنسان كبير.»

خبراء الخرائط العسكرية

قال أحد الساسة البريطان: «إنك لو أصغيت إلى خبرائنا الحربيين أوجبوا عليك احتلال القمر استعدادًا للهجوم على المريخ أو لدفع الغارة من أهله على الكرة الأرضية.»

ولم يبالغ السياسي البريطاني — جدًّا — في تصويره لعقول أولئك الخبراء. فاليوم تتحدث إذاعة لندن عن الخطط العسكرية في الشرق الأدنى، فتذكر كتاب الجنرال بلايفير عن البحر الأبيض المتوسط وبلاد الشرق الأوسط، وتقول إن هذا الكتاب يثبت أن هذه المنظمة لا تزال، بعد القذيفة الذرية، محور الدفاع والهجوم في الميادين العالمية.

ولكن ماذا لو صح هذا؟

أصحُّ منه على كل حال أن هذه المنطقة يسكنها أبناؤها، وأنهم أحق بها وبالمعيشة الحرة فيها من خبراء الخرائط العسكرية.

ويجب أن يكون كل مكان في الكرة الأرضية مهمًّا للدفاع والهجوم، ولكن يجب — قبل كل شيء وبعد كل شيء — أن يكون حرمًا مصونًا لأبنائه، وألا يصيبهم العدوان في عقر دارهم؛ لأن أناسًا يخافون العدوان من هنا وهناك أو يتحفزون للعدوان من قريب أو بعيد.

وإلا فاحتلوا القمر من اليوم؛ لأن الأطباق الطائرة نذير مخيف، ولو في بعض الآراء!

الزواج بالمراسلة

حذلقة المذاهب الاجتماعية في القرن العشرين داء من أدواء هذا القرن الموعود بالحذلقات من جميع الأنواع.

ومن المذاهب الاجتماعية التي كثر التحذلق فيها بين الشرقيين: مذهب اللقاء بين الخطيبين قبل الزواج.

كان الزوجان في العصور الماضية يتلاقيان لأول مرة في منزل الزوجية، وكان هذا إغراقًا في الحجاب والاستخفاف بحرية الخطيبين يستحق النقد الكثير.

ولكن النقد الكثير قد ساقنا إلى الحذلقة المضحكة في بعض مذاهب الإصلاح، فأوشك بعضهم أن يوجب على الخطيبين فترة من الزواج التمهيدي على التمرين!

ترياق هذه الحذلقة يتكفل به القرن العشرون، ونرى نموذجًا منه في قصة الخطيبين اللذين اتفقا على الزواج، والخطيب في أمريكا الشمالية والخطيبة في الديار المصرية.

ولا نظن أحدًا من النقاد الاجتماعيين يزعم أن الخطيب الأمريكي مصاب بداء الحجاب أو ناشئ على سنة الجمود في اللقاء بين الجنسين.

وكل ما ينبغي أن نظنه في الحذلقة في المذاهب لا بد لها من ترياق، وهذا هو الترياق!

ثم نقول — على سبيل التفاؤل للخطيبين — إنني نشأتُ بين أبوين لم ينظر أحدهما إلى الآخر قبل الزواج، ولكنني لا أذكر أنني سمعت منهما كلمة خلاف واحدة حتى افترقا بالوفاة، ولا أعرف أن المذاهب المتحذلقة تضمن بين الخطيبين وفاقًا أكرم من هذا الوفاق.

مشقة التعليم

الإنسان حيوان قابل للتعليم.

ولكن مشقة التعليم أحيانًا تزيد على مشقات الجهالة جميعًا، وتترك المعلم مترددًا حائرًا بين النور والظلام.

رجل صاخب غاضب في الحي الذي نعيش فيه عضَّه كلبٌ في الطريق؛ فحمله الجندي كرهًا إلى القسم، ثم إلى المحافظة، ثم إلى مستشفى الكلب … فدخله وخرج منه وهو يصيح: ما لكم وما لي؟! عضني عضيته … أنا صاحب الشأن وأنا المعضوض … فلماذا هذه الجرجرة؟! ولماذا هذا الفضول؟!

إلا أنه قد علم اليوم أن «الجرجرة» كانت على حق، وأن الذين دخلوا في الخصومة بينه وبين الكلب لم يتطفلوا عليه ولم يسلطهم عليه داء الفضول.

علم ذلك بعد أن سمع بأذنه عواء المساكين المصابين بالسعار من جراء الإهمال؛ لأنهم لم يجدوا من يحملهم بعد العضة إلى القسم ثم إلى المحافظة ثم إلى المستشفى!

ولكن ما أشقَّ التعليم في جميع شئون الدنيا لو احتاج كل شأن منها إلى عِبرة كهذه العِبرة!

من أجل هذا وأشباهه، تصبح المعرفة كلفة غالية تهون معها كلفة الجهالة وجرائرها.

شم النسيم

بعد غد يوم شم النسيم.

ولو أننا جرينا على القاعدة الفلكية في تقرير موعده، لاحتفلنا به قبل ثلاثة وأربعين يومًا.

ولو أننا جرينا على القاعدة التقليدية، لأجَّلْنا الاحتفال به إلى ما بعد شهر رمضان.

فالمصريون الأقدمون كانوا يحتفلون بهذا العيد عند الاعتدال الربيعي، ويعتبرونه رأس السنة الشمسية مساويًا لعيد النيل أو عيد الفيضان بعده بشهور.

ولما دان المصريون بالمسيحية، حافظوا على هذا العيد التاريخي، ووجدوا أنه يعود إليهم في الصوم الكبير، فأجلوه إلى ما بعد عيد الفصح؛ لكي لا يضيع الاحتفال به أيام الصيام.

وقياسًا على هذه القاعدة التقليدية كان يصح أن نؤجله في هذه السنة إلى ما بعد شهر رمضان؛ لأن رعايته ورعاية الصيام معًا لا تتفقان.

وقد تأخر هذا العيد عن موعده الطبيعي عدة مرات لأسباب متعددة على طول الزمن.

تأخر «أولًا» للاختلاف بين يوم الفصح عند اليهود ويوم الفصح عند المسيحيين، وهو يوم عيد القيامة.

وتأخر «ثانيًا» لزيادة أسبوع هرقل وأسبوع الآلام على الأربعين يومًا، عدة الأيام التي صامها السيد المسيح.

ثم تأخر بعد تعديل التقويم المعروف بالتعديل «الجريجوري» سنة ١٥٨٣، فاختلف موعد الفصح عند الطوائف الغربية وموعده عند بعض الطوائف الشرقية.

ولا مانع في أيامنا هذه من العودة بتاريخ شم النسيم إلى الحساب المصري القديم؛ لأنه لا يرتبط من الوجهة الدينية بعيد الفصح المسيحي، ومن قال إن شم النسيم هو يوم البشارة التي تلقاها أبونا آدم بالغفران يجوز أن يحتفل به على سنة الأقدمين قبل الميلاد.

ومع تعديل ميقات هذا العيد القومي ينبغي أن نتفق على نظام واحد لمبادئ الأيام في البلاد المصرية.

فمن الشعوب من يبتدئ اليوم من مغرب الشمس إلى مغربها، تبعًا لمطالع الأقمار، حيث يغلب حساب الأشهر القمرية.

ومن الشعوب من يبتدئ اليوم من مطلع الشمس إلى مطلعها، تبعًا للتقويم المصري القديم.

ومنهم من يبتدئ اليوم من منتصف الليل إلى منتصفه تبعًا للتوقيت الغربي، وعليه جرت بعض المصالح الحكومية التي تمضي في عد الساعات من الأولى إلى الرابعة والعشرين.

ونحن في مصر نأخذ بالحسابات الثلاثة:

  • نأخذ بحساب اليوم من الغروب؛ لأننا نراقب الأشهر القمرية في الصيام والأعياد.
  • ونأخذ بحساب اليوم من طلوع الشمس؛ لأننا نراقب مبادئ الشهور الزراعية وخواتيمها.
  • ونأخذ بالحساب الغربي؛ لأننا نبتدئ الساعة الواحدة من نصف الليل، ثم نبتدئها من الظهر، وهو الساعة الثانية عشرة!

وأولى من التفاهم على الأزياء أن نتفاهم على الأوقات والمواعيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.