ظهرت في زماننا هذا في إنجلترا وأمريكا وغيرهما نساء كثيرات اشتُهِرن شهرة الرجال، في عالم التأليف، ومنهن من نالت جائزة نوبل مثل بيرل بك، في سنة ١٩٣٨، وقد خطر لي أن المرأة قد تكون أقدر على فهم المرأة وأعرف بها، وأصدق وأدق تصويرًا لها وأبصر بطبيعتها من الرجل، ومن أجل هذا تتبَّعتُ ما كتب هَؤُلَيَّائِكُنَّ، أو معظم ما كتبنَه، لعل واحدة منهن تجلو لي ما يتلبَّس عليَّ من أمر هذه المرأة التي لا أرى طبيعتها تجري مع طبيعة الرجل على استواء، غير أني لم أستفد منهن شيئًا يستحق الذكر، وكثيرًا ما كان يخيَّل إليَّ أني أقرأ كتاب رجل لا امرأة، إلا «إثيل مانن»، فما استطعت أن أنسى أنها أنثى، ولا سيما في روايتها «لنداشون» وإن لم تكن خير ما كتبت.

ويخطر لي في تعليل هذا — وقد أكون مخطئًا — أن المرأة ما زالت في قيد الرجل وإن كانت تظن أنها تحررت وأنها لتتعلم ما يتعلم الرجال، وتُزاول ما يزاولون من الأعمال والحرف، وتفعل ما تشاء كما تشاء، ولكن أثر الخضوع للرجل ألوفًا من السنين الطوال المدد لا يُمحى في عشر سنوات أو عشرين أو مائة، وهي تتعلم ولكن علوم الرجل، وتدرس أدبه، وتتتلمذ عليه، فهي ما زالت — على تحررها المزعوم من ربقته — خريجته وأديبته، فرأيها في الحياة وفي نفسها مستمد من رأي الرجل، ومأخوذ عنه. على الرغم من اللغط بالحرية والاستقلال، فإن عهدها بهما أحدث جدًّا من أن يعفِّي على آثار القرون، ذلك رأيي والله أعلم.

أقول ذلك وأمامي رواية اسمها «سيد العزبة» للأديبة المصرية البارعة بنت الشاطئ، نشرتها لها مطبعة المعارف ومكتبتها. اسمها «سيد العزبة»، ومدارها على خادمة صغيرة لهذا السيد الشاب الوسيم الذي آلت إليه العزبة من حيث لم تكن تتوقع زوجة أبيه، وكانت لا تدري أن له وجودًا، وقد رسمت المؤلفة صورة هذا السيد من وراء السحاب، أعني أنها صوَّرته للقراء كما تتخيله الفتاة وتحلم به وهي مقيمة في مساكن الخدم تسمع به، وتتلهَّف على رؤيته، ولا تجرؤ أن تدخل القصر الذي يعيش فيه، وهي صورة بارعة، مزدوجة للفتاة الساذجة نفسها، وللسيد كما يبدو لخيالها من جملة ما وقع في نفسها في أخباره.

وخلاصة قصة الفتاة أن أباها تزوَّج على أمها فسامتها ضرَّتها الخسف، وشهرت بها واتهمتها في شرفها فحملها بنو عمها، وبقيت الفتاة — سميرة — مع أبيها وزوجته «غريبة منبوذة» حتى كان يوم حَمَلَها أبوها فيه إلى سيد العزبة وأَمَرَها أن تُرضي سادتها ليحتفظوا بها فليس لها عند غيرهم مكان. ولم تعد تراه بعد ذلك إلا في أول كل شهر حين يأتي ليأخذ أجرها الضئيل من وكيل السيد.

وعاشت سميرة مع زميلاتها من الخدم، وكان بينهن من قرَّبها السيد إليه وآثرها بالحُظوة عنده، ولهذا كانت أنقى ثيابًا وأحسن هندامًا وأنظف على العموم، فاشتاقت سميرة أن تحظى بقرب السيد وتفوز برضاه، عملًا بوصية أبيها، فسعت لذلك سعيها وتطورت هذه الرغبة التي لجت بها إلى نوع من الحب، وأقول إنه نوع من الحب؛ لأنه ليس حبًّا، وإنما هو مظهر أنوثة استيقظت وهي موقنة في قرارة نفسها أنها ملك لغيرها، وأن أمرها له لا لها، وأنه ليس لها أن تكون إلا كما يشاء السيِّد، فكان ما لا بد أن يكون، فهي خطيئة السيد والبيئة لا خطيئة البنت.

وشاع أمرها بعد أن وضعت ابنها الثالث، وزوَّجها السيد راعيًا هَرِمًا أقامت معه في كوخه فرماها الناس بالحجارة والأقذار. وأعسر السيد بعد أن تزوج امرأة مسرفة، فبيعت الضيعة وانتقل عمَّالها وخدمها ودوابُّها من مالك إلى مالك.

وذهب رجال من الحي إلى سميرة يحملون فاكهة وشايًا وطعامًا، ويبغون أن يقضوا السهرة عندها فأبت؛ فثاروا عليها ونغَّصوا عيشها، وشكوا إلى أولي الأمر هذه الخاطئة الآثمة؛ فأُجْلِيت عن القرية وتشردت هي وأبناؤها. ثم وجدت المؤلفة لها — على قولها — مكانًا في ضيعة صغيرة من ضياع الوقف، فظلت هناك حتى أدركها الحين.

هذه خلاصة وجيزة جدًّا لقصة هذه الفتاة لا ترسم صورة صادقة؛ لأن هذا عسير، وخير ما في القصة وصف حياة الخدم في تلك الرقعة من الريف، حيث لا يزال الفقراء يعتقدون أنهم ملك للأغنياء، وقد وُفِّقَت المؤلفة الفاضلة في تصوير هذه الحياة الريفية الوضيعة أعظم توفيق.

ولم يكن من الممكن أن يقع لسميرة إلا ما وقع لها — من استمتاع سيد العزبة بها، ثم من اضطهاد أهل القرية لها. تسألها الراوية: لماذا يلجون في مطاردتك ولست «هنا بأول أنثى زلت»؟ فتقول: «لأني أبيت عليهم ما أبحت للسيد، ولقد راودوني عن نفسي فاستعصمت، ولو فعلت لقتلني الإثم، وأنا أريد أن أعيش لأني أم.» فتعجب الراوية وتسألها: «يقتلك الإثم؟» فتقول سميرة: «لِمَ لا يا سيدتي؟ إني أعرف الفضيلة رغم الذي زعموا عليَّ أني ما زلت حتى اليوم أسألهم ما الذي أنكروا مني؟ كُنَّا جميعًا ملكًا للسيد، يُعِزُّ فينا من يشاء ويُذِلُّ من يشاء، وَرِثَنَا مع الماشية والقصر والأرض عن أبيه، ثم باعنا جميعًا إلى سيد جديد، لم يسأله أحد عما فعل، فأين الفرق بيننا وبين الإماء والعبيد؟ لقد كان للسيد فيَّ حق المالك فيما ملكت يداه، نشأتُ في أرضه، وربيت في قصره، وعشت معه ما شاء، ثم تزوجت حين شاء ممن شاء، كان سيدي ووليَّ نعمتي ووالد صبيتي الصغار، ولكن ما شأن هؤلاء الناس؟ أيُّ حق لهم عليَّ، وما فيهم من رعاني يومًا، أو كفَّ عني أذاه؟ أَوَلَمْ يكونوا مثلي عبيدًا لسيد الأرض؟ ومتى كان للعبد مثل هذا الحق على أخيه العبد؟ كلا، لن أكون لأحدهم يومًا. إن المرأة الخاطئة التي يرجمونها ويُهِيلون عليها التراب، ويَسِمُونها بميسم العار هي الأنثى التي وقفوا على بابها بالأمس يستجدونها ويلتمسون الإذن بالدخول لديها. وإني لأحتقر فضيلتهم وأزدري طهرهم، وأجد من أمومتي التي زعموها آثمة، قوةً أملِك معها أن أُوصِد بابي في وجوههم معتصمة بكل ما في هذه الأمومة من معاني الطهر والحق والسمو والإيمان.»

وقد لا تحسن سميرة أن تحتج هذا الاحتجاج القوي، ولكنه لا شك في أن الراوية أو المؤلفة أحسنت الترجمة وأجادت الإعراب عما تنطوي عليه هذه النفس المسكينة التي جَنَى عليها ما ورثت الأمة في عصور الاستبداد والظلم.

قرأت هذه الرواية البارعة في جلسة واحدة، بنادي الصحفيين يوم تلقَّيْتُها، ولست أجهل الريف؛ فإن لي فيه لأهلًا وإن لم يكن لي فيه غيرهم، لكني لا أدَّعي أني أُحسن تصويره — لو حاولته — على هذا النحو. وقد قمت وأنا أقول لنفسي: إن هذه الحياة الموقرة بما أورثتنا قرونًا طويلة من العسف والخسف جديرة بأن تصور، وتُستثار عليها النفوس، ولقد كتبت مرارًا أدعو حكام الأقاليم أن يعاملوا الفلاحين بالحسنى، وأن يتوخَّوْا معهم العطف والعدل، وأن يُشعروهم أنهم مثلهم، وأن لهم عليهم حق الرعاية والإنصاف، عسى أن يؤدي هذا على الأيام إلى محو ما يسميه «الكواكبي» «طبائع الاستبداد»، فما لأمة أمل في حياة كريمة إذا كان السواد الأعظم والجمهور الأكبر من أبنائها قد ورثوا الاعتقاد بأنهم عبيد أغنيائهم ومِلْك للسراة في قراهم، وأنهم ليسوا أرفع مقامًا من الماشية ودوابِّ الحمل. فلعل هذه الرواية ونظائرها تُجدي حيث لم تُجْدِ دعوتنا؛ فإنها دعوة قوية إلى الإصلاح — لا إصلاح (البرك)، بل إنقاذ الإنسانية التي تتمرَّغ في حمأة الذلة والعبودية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.