سلطان الطفل

من الكلمات الحديثة في اللغات الغربية كلمة البديارش Pediarohy أو البديارطية، إذا أردنا بها المتابعة لغيرها من الصيغ التي تُطلَق على أنواع الحكومات؛ كالأرستقراطية والأوتوقراطية والديمقراطية وما إليها.

ومعنى البديارطية: حكومة الطفل أو حكومة الأطفال. وقد وُضِعَتْ على سبيل التهكم لِتُقابِل حكومة الشيوخ؛ أي الجيروتكراطية Gerontocracy في العصور القديمة.

وليس المقصود بالبداهة نوعًا من الحكومة يتولاه الطفل وتُناط به أعمال السياسة والإدارة، وإنما المقصود به سلطان الطفل في الأسرة والمجتمع، وأنه يسيطر على الدولة من حيث لا يدري ولا يريد.

كان بعض الطغاة من اليونان الأقدمين يشير إلى طفله الصغير، ويقول: إن هذا الولد يحكم اليونان. وإذا سُئِل عمَّا يعنيه قال: نعم … لأنه يَحْكُم أُمَّه وأُمُّه تَحْكُمني، فلا رادَّ لِمَا يشاء!

وهذا هو المعنى المقصود في اللغات الأوروبية بحكومة الطفل أو البديارطية، فإنهم يلاحظون أن الطفل يملك من الدالَّة على أبويه وعلى البيت كله ما يجعله «السيد المطاع» في الأسرة وفي المجتمع، ويتفاءل بعضهم بهذه الظاهرة، ويرى الآخرون أنها جاوزتْ حدَّها المعقول؛ وهو حد الاعتدال.

كان من الآداب المرعية في الآداب الغربية ألا يجلس على المائدة مع الضيوف الكبار، وإذا جلس — نادرًا — في أثناء تناول الطعام دخل إلى حجرته بعدها وطلبوا إليه أن ينام في موعده المحدَّد، ولم يكن بحال من الأحوال يُسمَح له بالحضور في أثناء تبادل الأحاديث بعد المائدة، بين الضيوف من الرجال والنساء.

أما اليوم، فقد لُوحِظ في المجتمعات الغربية أن الطفل يشترك في المائدة، ولا ينصرف إلى حجرته بعد رفعها، وإذا انصرف إلى حجرته له أن يَعُود لاستماع الأحاديث ولم يُؤمَر بالعودة إلى فراشه، وخجل الآباء من التصريح له بسبب انفرادهم بالكلام، وهو أنهم يتكلمون في موضوعات لا يُباح الخوض فيها ولا الإصغاء إليها. فإذا جاز ذلك للكبار فلِمَ لا يجوز للصغار؟!

وكلما حاولوا أن يقيموا الحد بين سن الإباحة وسن المنع، تزحزحت السن عامًا أو عامين، فما كان يجوز للعشرين أصبح مما يجوز للخامسة عشرة، ثم للعاشرة، ثم بلا قيود ولا حدود.

هذه هي البديارطية التي صِيغَتْ في اللغات الغربية الحديثة، وقد اطلعنا أخيرًا على مقال للكاتب الأمريكي المعروف فيليب ويلي Wylie يقول فيه إن أمريكا هي الدولة البديارطية الأولى في العالم. ولعله يتحدث عما يراه ويجهل بطبيعة الحال ما لا يراه.

من علامات الخير

ونحن نحسب أن الاهتمام بالطفل في جملته علامة خير، وأن القوة التي ستعود بالمرأة إلى مكانها في المجتمع هي هذا الاهتمام بالأطفال. ومنذ أسابيع تكلمنا عن الكاتب الدنمركي هانس أندرسون — الملقب بصديق الأطفال — فقلنا إن ارتفاع شأن الطفل في الغرب شاهد صادق على ارتقائه في سلم الحضارة الصحيحة، وإن الشرق قد سبقه إلى هذه الحضارة الإنسانية؛ لأنه كان يستخدم للطفل ضمير العاقل حيث يستخدم الغرب ضمير الجماد! وإن الحكماء الشرقيين قد عرفوا حق الطفل في القراءة، فوضعوا له الحكمة في الأسلوب الذي يعقله، وشاعت بين الأمم الشرقية نوادر الحيوانات والسحرة والأرواح اللطيفة التي يحاكيها الكتاب الأوروبيون والأمريكيون في العصر الحاضر.

وهذه هي صحف الأطفال، وهذه هي صفحاتهم المخصصة لهم في صحف الكبار، وهذه هي أركانهم في برامج الإذاعة، وهذه هي مطبوعاتهم ومنشوراتهم للتعليم وللتسلية وللتدرج من البسائط إلى المركبات في مسائل الفن والأدب. هذه كلها عندنا نحن وعند غيرنا برهان على البديارطية التي صاغوها لهذه الدولة القوية في اللغات الحديثة.

والله يبارك ويزيد، والرجاء في حكمته ورحمته أن يبارك ويزيد إلى حدود.

نعم إلى حدود، وحدود منيعة سريعة؛ فإننا أوشكنا أن نَصِل إلى «منطقة» الخطر الشديد في البديارطية، وأوشكنا أن نسمع بجرائم الأطفال كلما سمعنا بجرائم الكبار، وأوشك العالم كله أن يتنبَّه لإقامة الحواجز بين سن الطفولة وسن الرشد في حضور التمثيل وحضور الصور المتحركة وحضور الملاهي والمنازه على العموم، فضلًا عن إقامة الحواجز في الكتب والمطبوعات.

ولا بد من هذه الحواجز المنيعة السريعة في كل مكان، وفي بلادنا الشرقية على التخصيص؛ لأنها البلاد التي عرفت الحدود قديمًا بين الجنسين وبين الأعمار، وإن تكن قد جازت بالحدود «حدودها» في أحايين.

مع الذكرى

وقد ذكَّرَنا بحديث البديارطية باعثان من بواعث الذكرى على أثر مقالنا السابق:

الباعث الأول: هو العيد.والباعث الثاني: هو شخوص شكسبير.

فأما العيد في الشرق خاصة، فهو المظهر الأكبر لدولة الطفل في كل سلطانها ومهرجانها.

ولا نظن أن عيدًا من الأعياد يَقْدم في الشرق لولا الأطفال؛ فإن تسعة أعشار الأموال التي تُنْفَق على الملابس والمظاهر والحلوى والزيارات، لم تكن لِتُنْفَق لولا الطفل الصغير، وربما هان على المرأة الأم أن تنسى نصيبها من زخرف العيد، لولا أنها تنظر إلى أطفال غيرها، ولا تحب أن تشعر بانكسار أطفالها أمام النظائر والضرائر من النساء.

وإن السرور الذي يجلبه الطفل الصغير لأبيه وأمه وللبيت كله وللمجتمع بأسره، لَيَسْتَحِق هذه التكاليف المرهقة ويزيد عليها.

وإن القدرة المعجزة في هؤلاء المخلوقات الصغار على العودة بالكبار من كل سن إلى أيام الطفولة الأولى، لتستحق خزائن الأموال يومين أو ثلاثة أيام، في ثلاثمائة وخمسة وستين من أيام العام.

وكم لهم من أضاحيك، وكم لهم من طرائف، وكم لهم من معارك أطيب من تلك الطرائف والأضاحيك! …

حضرتُ معركة لرب السماء كما يقولون؛ لأن طفلة في الثامنة أو التاسعة تطالب بثأر لها عند زميلة من زميلاتها، وتأبى أن تنزل عنه لحظة واحدة.

أي ثأر؟!

ثأر جسيم غاية في الجسامة، وخلاصته أن زميلتها رأتها وهي لابسة فستان العيد، فلماذا لا تراها هي في فستانها؟! هل يصح أن تضحك عليها وتتفرج على فستانها ولا تفرجها على مثله؟!

والمشكلة عنيفة في الحقيقة …

لأن الأسرة التي تطالبها الآنسة الصغيرة بالثأر، قد تعوَّدتْ أن تؤخِّر لباس الزينة إلى ما بعد زيارة القرافة، وليس هذا بالعذر المقبول عند صاحبة الثأر الجسيم. فإما أن تلبس لهذا الفستان، وإما أن تسترِدَّ منها المنظر الذي نظرته ولم تبادلها عليه.

ولا تنتهي هذه المعارك وأشباهها من مساء يوم الوقفة إلى صباح اليوم الثالث للعيد.

فقل ما شئتَ في الطرائف والأضاحيك!

أطفال شكسبير

والباعث الثاني من بواعث «البديارطية» سؤال جاءنا بعد مقالنا السابق عن بطلات شكسبير: أليس لشكسبير أبطال من الأطفال؟ أليس الأجدر بالمشاعر والأدل على قدرته أن يبرز هذه القدرة في تصوير أبطال من الأطفال، كما صور لنا البطلات الكثيرات من نماذج النساء؟!

والسؤال نفسه آية من آيات البديارطية في العصر الحاضر، والالتفات إليه علامة من العلامات المتكررة على شأن الطفل في المجتمع الحديث.

إلا أننا لا نقر صاحبة السؤال على قياس القدرة في الشاعر بهذا المقياس؛ فإن تصوير الطفولة أيسر من تصوير الجنس الآخر على كل شاعر أو شاعرة؛ لأنه ما من رجل أو امرأة إلا كان في بعض عمره طفلًا صغيرًا، وعاش وهو يذكر نوادر الطفولة. وأما الجنس الآخر، فلا يصوره الشاعر إلا بإلهام العبقرية التي تخلق ما تتخيل وتُجْريه مجرى الواقع المحسوس بصدق التمثيل والتعبير.

وبَعْدُ، فإن خَلْق الأبطال من الأطفال على مثال البطلات في روايات شكسبير، لم يكن ميسورًا من الوجهة العملية في عصره، ولا نظنه ميسورًا في العصر الحاضر لكل دور من الأدوار.

لقد كان شكسبير يعاني مشقة كبرى في تدبير دور المرأة على المسرح، وكانوا في زمانه يلجئون إلى تمثيل أدوار النساء بإسنادها إلى الصبيان أو الشبان المُرْد الذين يجوز على النظارة أن يحسبوهم من النساء، وقد سقطت أدوار النساء جميعًا على مسرح القرن السادس عشر لقلة الممثلات وصعوبة التنويع في أدوار المرأة على صغار الممثلين، وكانت صعوبة الممثل الطفل أكبر من هذه الصعوبة والحِيلَة فيها أعسر من الحِيلَة في تمثيل المرأة بالصبي أو الشاب الصغير.

ولا نحسب أن الفن الحديث قد ذلَّل هذه الصعوبة كل التذليل على كثرة الأطفال في الصور المتحركة؛ فإنها صعوبة لا يذللها إلا أن التدريب على المواقف الطبيعية في أدوار الأطفال شبيه بالتدريب على التمثيل المصطنع، فليس فيه للإبداع الفني حظ كبير.

على أن الإشارات إلى الأطفال في روايات شكسبير تُعَدُّ بالعشرات، وبعض جِنِّياته يُعرَضن في مرح كمرح الطفولة وغرارة كغرارتها. وكثيرًا ما يتكلم أبطاله وبطلاته عن أبنائهم وبناتهم؛ فلا يُعتبَر الطفل من المهملات في تلك الروايات.

والسؤال الآخر

والسؤال الآخر نُقِرُّ صاحبة السؤال عليه في جملته وتفصيله؛ فإن فهم القارئ لبطلات شكسبير يحتاج إلى تقديم للروايات وتعليق عليها وتلخيص لملاحظات الشراح والنفسانيين المحدثين في كل موضوع من موضوعاتها. ولا يكفي نقل الشخصية بكلامها في الرواية لتوضيح أسرار تلك الشخصية ودقائق التصوير في أقوالها وأجوبتها وتصرفاتها مع الأبطال الأخريات.

غير أن الصعوبة هنا ليست من الضخامة بحيث يتوهم المتشائم أو المستعظم للمهمة الموكولة إلى المترجمين، فإنهم إذا فاتهم — أو فات بعضَهم — أن يُبرِزوا ملامح الشخصيات بالشرح والتعليق من عندهم، فليست أقوال العشرات من الشراح الثقات بعيدة منهم، وليس استخلاصها بالعمل الذي يستعصي على طلابه إذا فهموه وتعاونوا عليه.

الصهيونية والنبوغ

وأمامي بعد هذه التعليقات على أبطال شكسبير سؤالان عن الصهيونية والنبوغ؛ أحدهما من الأديب «أحمد مختار عمر» الطالب بكلية دار العلوم، والآخر من الأديب «ر. ت» في الموضوع نفسه، على وجه آخر يستدعي إهمال السؤال والنظر في «نوع» هذه الأسئلة وما هو من قبيلها على التعميم.

يقول الأديب أحمد مختار عمر:

رأيناك تناقش دعوى الصهيونيين، أنَّ بُغْض العالم لهم نَاتِجٌ عن حَسَدِه لهم؛ لِتفوُّقهم ونبوغهم! وانتهيتَ إلى إبطال هذه الدعوى وسلب كل فضيلة عنهم. فما رأيك فيما يقوله الأستاذ عمر الدسوقي في كتابه عن الأدب الحديث الذي يُدرِّسه لطلبة دار العلوم، من أن المدنية الأوروبية الحديثة بنظمها الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، وحياتها العلمية من أثر العقلية السامية في الغالب ممثلة في بني إسرائيل؟!

وقبل أن نُجِيب عن السؤال، نقول إننا لم نسلب اليهود أو الصهيونيين كل فضيلة، وإنما نفينا دعواهم أنهم يفوقون غيرهم في النبوغ، وقلتُ إنهم يعتمدون في نبوغهم على ثقافات الأمم. وليس هذا سلبًا لكل فضيلة كما هو معلوم، بل هو دفع لتهمة الحسد التي تُلْقَى على الأمم؛ لأنها في زعم الزاعمين أقل نبوغًا من اليهود أو الصهيونيين.

ونحن قد أثبتنا في هذه المسألة وقائع مقررة، ولم نجعلها مسألة آراء وفروض؛ فقلنا إن مكتبة الإسكندرية التي جمعت آثار الأمم الغابرة، لم يكن فيها كتاب ألَّفه بنو إسرائيل في العلوم القديمة بين المصنفات التي ألَّفها المصريون والبابليون واليونان والرومان وغيرهم في علم الفلك والرياضة والتاريخ الطبيعي والفلسفة واللغات، ولم تظهر لبني إسرائيل مصنفات في هذه العلوم إلا بعد مقامهم بين معاهد العلم في الإسكندرية وعواصم الثقافة العالمية.

وقلنا إن اليهودي الألماني مثلًا يستفيد من ثقافة الألمان، وإن اليهودي الإنجليزي يستفيد من ثقافة الإنجليز، وكذلك يهود فرنسا وإيطاليا وأمريكا وغيرها يستفيدون من ثقافات الأمم التي يعيشون فيها. وكان ينبغي أن يكون نوابغهم أضعاف نوابغ الأمم الذين يستفيدون من ثقافة وطنهم وجهود بيئتهم العلمية والأدبية، ولكنهم لا يزيدون في العدد على نوابغ الأمم، بل يَقِلُّون.

وقلنا إن نجاحهم المادي لا يزيد على نجاح الأمم في البيئات المشتركة بينهم، وضَرَبْنا المَثَل بالجاليات الأرمنية واليونانية والشرقية في مصر؛ فإن الناجحين بين كل منها أكثر من أمثالهم بين اليهود، وهذا مع نجاح الأرمن واليونان والشرقيين في التجارة والزراعة والصناعة ومرافق الأعمال المادية بأجمعها وانحصار النجاح اليهودي في التجارة والسمسرة.

وكان ينبغي أيضًا أن يزيد عددهم هنا على عدد أمثالهم في كل جالية؛ لأن الجاليات الأخرى لا تنتشر في أنحاء العالم كما ينتشر اليهود، ولا تتعاون كما يتعاونون.

فلا محل للآراء النظرية هنا، بل المحل الأول والأخير للواقع المشهود، ننكره أو نُسلِّمه تسليمنا بكل واقع مشهود.

ويبقى أن يرجع الطالب الأديب إلى الأسانيد التي اعتمدها الأستاذ الدسوقي في تقرير رأيه؛ فإنه قد اعتمد على أسانيد تَقْبَل المناقشة كما نعتقد. وليس بين أيدينا ما كتبه الأستاذ فنناقشه ونوافقه أو نخالفه، ولكننا نرجع في هذه الأحوال دائمًا إلى المعالم البارزة من أسماء العلماء أو أسماء الكتب التي يُنسَب إليها نشر الثقافة. فمن هو الإمام الإسرائيلي الذي يصح أن يُقال إنه ابتدع ثقافة من عنده ولم يستفدها من العرب الأندلسيين؟! وما هو الكتاب الذي كان له أثره في توجيه الفكر من مبتكرات الأقطاب الصهيونيين أو اليهود؟!

اسم الإمام أو الأئمة، واسم الكتاب أو الكتب، وعلى شرط أن يثبت فضل الابتداء والتوجيه، ولا يثبت نقيض ذلك من الاعتماد على فضل الآخرين.

إن هي إلا الأسماء

وفي الطريق نحب أن نُعِيد هذه العبارة نفسها جوابًا لكل من سألونا عن الرأي الذي نسبوه إلى الدكتور طه حسين، وقِيلَ فيه إن زعامة الأدب قد انتقلت من وادي النيل إلى بيروت أو دمشق أو بغداد.

إن الزعامة لا تكون إلا بزعماء معروفين وآثار معروفة. فإذا قيل إن فلانًا وفلانًا وفلانًا زعماء الأدب العربي في لبنان أو سورية أو العراق؛ فقد وضحت معالم الدعوى وأمكنت الموافقة لها أو الاعتراض عليها.

ولا يكفي أن يُقال إن فلانًا زعيم الأدب والثقافة، بل يجب أن يُقال مع ذلك إنه استحق الزعامة بهذا الكتاب، أو بهذه الدعوة، أو بهذه الفكرة التي لا نظيرَ لها في بلد آخر. ويومئذ يُؤخَذ الرأي مأخذ التحقيق، ويوافقه من يوافقه على بينة، ويعارضه من يعارضه على بينة.

أما انتقال الزعامة من قطر إلى قطر بغير أسماء للزعماء، ولا أسماء لموضوع الزعامة؛ فكلام لا محل للمناقشة فيه.

على أنني أعود، فأقول إنني قرأتُ للدكتور طه حسين حديثًا مع الأستاذ الشناوي، ينفي فيه أنه قال بنقل الزعامة هنا أو هناك، ويذكر ما معناه أنه إنما أراد أن يشحذ الهمم ويثير الغيرة ويستزيد من الجهود.

فلا يطالب الدكتور طه حسين إذن بإثبات الزعامة لهذا أو لذاك، وإن كان هذا لا يعفيه من تعقيب واجب في هذا المقام، وهو أن المقام لا يسمح له بمعاملة الأدباء في البلاد العربية معاملة التلاميذ الذين تُعرَك آذانهم مرة، ويُربَت على أكتافهم مرة أخرى، ويُقال لهم اليوم: انظروا إلى تلاميذ الفرقة حرف ألف، ويُقال لهم غدًا: انظروا إلى «الألفوات» من الفرقة جيم!

هذا كلام، بالإيجاز، لا يسمح به المقام.

الدرجات والظلام يا أيها الناس

والأديب «ر. ت» قد كتب اسمه كاملًا، ولكنني اختصرته لأنني أردتُ أن يكون في الرد شيء من اللوم و«التصحيح» الذي يُستحَبُّ معه التوقيع المستعار.

أخشى أن أقول إن الكثيرين منا لا يعرفون للأفكار ولا للأنظار درجات بين البياض والسواد، وبين الإقرار التام والإنكار التام.

وأخشى أن أقول إن قلة «الظرف» adverb في لغتنا الشائعة دليل على نقص أصيل في تفكير الذين يستخدمون هذه اللغة الشائعة.

فإذا مدحتَ إنسانًا يومًا فحاذِرْ أن تنقده بعد ذلك، وإلا جاءك الاعتراض عليك بأنك قد مدحتَه قبل الآن فكيف تنقده اليوم؟!

وإذا قلتَ إن اليهود لا يزيدون على غيرهم في نسبة النبوغ، جاءك السؤال العجيب: وماذا تقول في آينشتين؟!

وإذا قلتَ في الصيف إن الدنيا حر، فلا تَقُلْ في الشتاء إن الدنيا برد … لأنك وصفت الدنيا بالحرارة في وقت من الأوقات، فكيف تعود إلى وصفها بغير ذلك في وقت سواه؟!

وإخال أن هذه الأمثلة تُغْني عن الإسهاب في تصحيح كثير من الاعتراضات التي يثيرها بعض الآراء في هذه المقالات أو غيرها من أقوالي المنشورة، ولو تذكَّر المعترضون أن «البياض والسواد» درجات وظلال، لأجابوا أنفسهم قبل أن يطلبوا الجواب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.